أمة الرحمن العفوري-نسوان فويس
في قلب مدينة السلام التابعة للمديرية تبن بمحافظة لحج، عاشت فتاة صغيرة تدعى روحية رفيق محمد مرشد. كانت روحية، التي لم تتجاوز الحادية عشرة من عمرها، تحمل على عاتقها مسؤولية كبيرة؛ إذ كانت تعمل في بيع الفحم لتساعد والدها في تلبية احتياجات الأسرة. كانت حياتهم اليومية مليئة بالتحديات، حيث لم يكن والدها قادرًا على العثور على عمل يضمن لهم لقمة العيش، مما جعل روحية، وهي الطفلة الكبرى بين إخوتها الثلاثة، تتحمل عبء العمل مبكرًا.
كل صباح، كانت روحية تشاهد الأطفال الآخرين وهم يتوجهون إلى المدرسة، بينما كانت هي تتنقل بين الفلل والبيوت في سعيها لكسب المال. “كنت أشعر بالحزن الشديد، لأنني لم أدخل المدرسة يومًا واحدًا”، تقول روحية، وعيناها تعكسان شعور الفقدان الذي عاشته.
لم يكن بيع الفحم عمل سهل بالنسبة لها؛ كان دوام رسمي بين فترتين: صباحًا ومساءً. خلال تلك الأوقات، التقت بالاستاذة أنجيلا عدد من المرات ما ألهمها للبحث والعمل بجهد لبناء مدرسة في مدينة السلام ، لكن هذا المشروع واجه تحديات عديدة، بما في ذلك تهديدات بالعنف والتخويف من المجتمع المحلي، ومع ذلك، لم تتوانَ أنجيلا عن المضي قدمًا في حلمها.
تتحدث روحية بوجه مشرق وعينين مليئتين بالأمل: “أحب أن أشكر الدكتورة أنجيلا، لكنني لا أعرف كيف أعبر عن شكري لها ، هي من ساعدتنا على دخول هذه المدرسة.” ومع مرور الوقت، لفتت جهود روحية انتباه المدرسين وإدارة المدرسة، مما ساعدها على الانتقال من الصف الأول إلى الصف الثالث الآن تدرس روحية في الصف الثالث بينما تذهب بعد انتهاء الدوام إلى العمل في بيع الفحم.
خلال السنوات الماضية، عانت مدينة السلام من عدم توفر مدارسة حكومية، مما جعل التعليم حلمًا بعيد المنال تقول روحية: “كان أهلي يرغبون في أن أدرس، لكن لم يكن لدينا المال للالتحاق بمدرسة خاصة، لأنها كانت غالية.”
لكن بفضل الجهود التي بذلتها الأستاذة أنجيلا، أصبح لدى روحية واقع جديد وحلم مزهر بأن تصبح طبيبة، بعد أن فقدت الأمل يومًا ما في الالتحاق بمقاعد الدراسة ، اليوم تواصل روحية سعيها نحو تحقيق هذا الحلم، مُلهمةً الجميع من حولها بقصتها التي تجسد الإصرار والأمل في وجه الصعوبات.
جهودنا لإنقاذ جيل من الضياع
في حديثها مع منصة “نسوان”، عبّرت مديرة المدرسة، الأستاذة أنجيلا البيضاني، عن مشاعرها المؤلمة حيال الأطفال الذين يذهبون للعمل بدلاً من الدراسة ، وأشارت إلى أن هذا الأمر لا يؤثر فقط على “روحية “، بل على العديد من الأطفال في المدينة الذين يفتقرون إلى الفرص التعليمية في المدارس الخاصة.
وأكدت البيضاني أن المدارس الحكومية تبعد حوالي 15 كيلومترًا عن منطقتهم، مما يزيد من نسبة التسرب ويؤدي إلى تفشي الجهل بين الأطفال. وأوضحت أن الحاجة كانت ملحة لإنقاذ هذا الجيل، ولذلك عملت بجد على إنشاء الصفوف المتنقلة، ثم تلتها مدرسة مكونة من ست فصول رغم التحديات الكبيرة التي واجهتها، بما في ذلك تعثر المشروع ثلاث مرات.
وأعربت عن سعادتها بإنجاز مشروع مدرسة السلام الذي يتيح للأطفال مثل روحية فرصة التعلم والنجاح. وذكرت أنها لا تزال تسعى لبناء ستة فصول دراسية إضافية، آملة أن ترى روحية وأصدقائها يحققون أحلامهم ويحصلون على شهادات التخرج والتفوق في المستقبل.
تقرير أوتشا: أكثر من 4.5 مليون طفل في اليمن خارج المدرسة
أظهر تقرير مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا) في فبراير 2024 أن أكثر من 4.5 مليون طفل يمني في سن المدرسة، الذين تتراوح أعمارهم بين 5 و17 عامًا، لا يذهبون إلى المدارس.
خلال السنوات الأخيرة، ترك مئات الآلاف من الطلاب مقاعد الدراسة، متجهين نحو التسول أو مساعدة عائلاتهم في العمل أو في الزراعة. كما أُجبر العديد منهم على مغادرة منازلهم والانتقال إلى القرى البعيدة، بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة التي تواجه أسرهم.
تُشير هذه الظروف إلى أن التعليم النظامي قد يكون قد انتهى بالنسبة للكثير من هؤلاء الطلاب.
وزارة التربية تسعى لمعالجة تسرب الطلاب من التعليم
أكد وكيل قطاع التعليم، محمد علي الملس، أن وزارة التربية تعمل على معالجة وضع التعليم بشكل عام، بما في ذلك ظاهرة تسرب الطلاب ، وأوضح الملس أن الوزارة تقوم بفتح المدارس وتوفير المعلمين والمستلزمات التعليمية اللازمة، مشيراً إلى وجود طلاب خارج المدارس، لكنه نفى الأعداد الكبيرة المتداولة في تقارير المنظمات ، حيث لا يتجاوز عدد الطلاب في المحافظات المحررة 1.5 مليون طالب وطالبة.
وأشار إلى أن بعض الأسر تواجه ظروفاً معيشية صعبة تدفعهم لإرسال أبنائهم للعمل لدعم دخل الأسرة ، وأكد الملس أن الوزارة لديها برامج تهدف إلى إعادة الطلاب إلى التعليم، داعياً الحكومة إلى تعزيز دعم التعليم من خلال توفير درجات وظيفية جديدة للمعلمين وزيادة رواتبهم، بالإضافة إلى طباعة الكتب المدرسية وبناء مدارس في المناطق الريفية، لخلق بيئة تعليمية مناسبة تساعد على الحد من التسرب.
قصة روحية رفيق ليست مجرد مثال على التحديات التي يواجهها الأطفال في اليمن، بل هي تجسيد للأمل والإرادة القوية في مواجهة الصعوبات. بينما تسعى وزارة التربية إلى معالجة أزمة التعليم، تظل جهود الأفراد مثل الأستاذة أنجيلا دليلاً على أن التغيير ممكن حتى في أصعب الظروف وإن توفير فرص التعليم للأطفال خصوصاً في المناطق المحرومة هو أمر حيوي لبناء جيل قادر على تحقيق أحلامه. لذا يجب على المجتمع والحكومة العمل معاً لضمان مستقبل أفضل لأجيال اليمن القادمة.