التحطيب: من احتياج يومي إلى مواجهة التحديات الصحية الناجمة عن التغير المناخي

شارك المقال

أشجان بجاش حليص-نسوان فويس

في قرية ضمي بمحافظة الحديدة، تعيش عائشة أحمد الشابة ذات الستة والعشرين ربيعًا، حياةً قاسية تزداد صعوبتها كل يوم. لسنوات، كانت عائشة تتجه إلى منطقة “الشبيكا”القريبة لتجمع الحطب، لكن تغيّرت ظروف المكان؛ لم تعد الأشجار تنمو هناك بسبب كثرة الاحتطاب وتغيّرات المناخ، مما حول “الشبيكا”إلى أرض قاحلة.

اليوم، تضطر عائشة إلى القيام برحلة شاقة تستغرق أكثر من ساعة للوصول إلى جبل “البراشى”، مكانها الوحيد لجمع الحطب الآن. لكنها تواجه هناك واقعًا أشد قسوة، إذ لم تعد تجد سوى شجر “السيال”، ذلك الشجر الثقيل المغطى بالأشواك، الذي يثقل كاهلها ويؤلم جسدها المتعب. ومع اختفاء الأشجار الخفيفة والمناسبة للتحطيب مثل “الخدش”، و”الصنص”، و”اللبين”، و”الأثل”، و”القفل”، باتت مجبرة على التعامل مع السيال، على الرغم من آثاره المؤلمة عليها.

كل يوم تحمل عائشة تلك الأحمال الثقيلة على كتفيها، حتى بدأت تشعر بألم حاد في أسفل ظهرها، يزيد من معاناتها. في الطريق، تلتهمها حرارة الشمس اللافحة، تسرق منها ما تبقى من طاقة حتى تكاد تخور قواها قبل الوصول إلى البيت.

عائشة تعرف أن هذا الألم يتفاقم، وأن الرحلة تزداد صعوبة، لكنها لا تملك خيارًا آخر. كل خطوة تخطوها نحو الجبل تحكي عن حكاية امرأة تحارب الطبيعة والبُعد والصعوبات من أجل تأمين حطب، غير أن هذا الثمن الذي تدفعه يوميًا في صحتها وطاقتها يتركها وحيدة في مواجهة وجع لا ينتهي، يحمل في طياته حزن الحياة وصراع البقاء.

التغير المناخي عبء إضافي على النساء الريفيات

يشير حاجب الحاجبي، الباحث في التغيرات المناخية وعضو هيئة التدريس بجامعة صنعاء، إلى أن آثار التغير المناخي تتجلى بشكل واضح في تراجع الغطاء النباتي وتدهور المساحات الخضراء، خاصة في المناطق الريفية في اليمن. وأوضح الحاجبي أن ارتفاع درجات الحرارة وتغير أنماط هطول الأمطار يؤثران بشكل كبير على الموارد الطبيعية ويشكلان تحديًا للأشجار والنباتات التي تعاني من الجفاف ونقص المياه.

ويضيف “يتسبب ارتفاع درجات الحرارة في زيادة الإجهاد الحراري للأشجار مما يؤدي إلى موتها، كما يؤدي إلى زيادة معدل التبخر، فيزيد من حاجة النباتات للمياه. وفي الوقت نفسه، تسهم الأمطار الغزيرة المفاجئة إلى انجراف التربة، بينما تتسبب فترات الجفاف الطويلة بين الأمطار في موت النباتات.

من جهة أخرى يقول “يؤثر التغير المناخي على انتشار الآفات والأمراض التي تستهدف النباتات، فيضعفها ويزيد من معدلات موتها. يؤدي ذلك كله إلى التصحر وتدهور الأراضي، مما يقلل من قدرتها على الاحتفاظ بالمياه ويعزز الجفاف.

التغيرات المناخية لها تأثيرًا كبيرًا على النساء الريفيات في اليمن، حيث يفرض عليهن مسؤوليات إضافية تتعلق بجمع الحطب للطهي. إذ يضطررن للبحث عن الحطب في مناطق أبعد نظرًا لتراجع الغطاء النباتي ونقص الموارد المتاحة، ما يستنزف الكثير من وقتهن وجهدهن ويعرضهن لمخاطر متعددة. فالرحلات الطويلة لجمع الحطب تتطلب جهدًا بدنيًا كبيرًا، مما يسبب لهن مشاكل صحية مثل آلام الظهر والمفاصل، كما يواجهن مخاطر صحية أثناء جمع الحطب، كالتعرض لهجمات الحيوانات ولدغات الحشرات.

من جهته يقول مدير التنوع الحيوي أبو الفتوح” إن التغير المناخي له تأثيرات واضحة على الغطاء النباتي في الريف اليمني، حيث تتسبب ارتفاع درجات الحرارة والجفاف وانخفاض كميات الأمطار في تراجع الغطاء النباتي في هذه المناطق، ما يؤثر سلبًا على الأشجار والمساحات الخضراء. ومع نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة، تذبل النباتات وينخفض الإنتاج الزراعي، وهو ما يفاقم من تحديات المزارعين الذين يعتمدون على هذه الموارد الطبيعية في معيشتهم.

ويضيف أبو الفتوح “أن هناك علاقة واضحة بين التغير المناخي ونقص الغابات، حيث يساهم المناخ المتغير في زيادة معدلات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة، مما يجعل الظروف البيئية غير ملائمة لنمو الأشجار. 

مخاطر صحية 

توضح الطبيبة نهال ظافر، مختصة في الطب العام،عن الأثر الصحي : “إن المشي لساعات طويلة مع حمل أوزان ثقيلة يُسبب إجهادًا كبيرًا للكتفين ويزيد من احتمالات الإصابة بمشكلات في الأربطة والعضلات.”هذا النشاط الشاق لا يقتصر فقط على كونه تحديًا يوميًا، بل يُشكل خطرًا صحيًا متزايدًا، حيث تتأثر به النساء العازبات، الحوامل وكبيرات السن، مما يؤدي إلى مشكلات صحية متعددة.

المشي لمسافات طويلة مع حمل الأوزان الثقيلة يؤدي إلى ضغط شديد على العضلات والمفاصل، مما يزيد من احتمالات آلام الظهر والركبتين. ناهيك عن ما تُشكل الطرق الوعرة خطرًا مستمرًا، حيث تزداد احتمالية السقوط والإصابة. قد يكون المشي في أوقات الحرارة العالية أو الأمطار مرهقًا بشكل كبير، مما يرفع خطر الإصابة بالجفاف والإجهاد الحراري.

تتعرض الحوامل لضغوطات جسدية إضافية، إذ إن حمل الأوزان على الطرق الوعرة يضاعف من احتمالية الإجهاض نتيجة الإجهاد الزائد، ويزيد حمل الحطب من الضغط على عضلات الظهر والحوض، مما يؤدي إلى تفاقم الآلام المصاحبة للحمل. أما كبيرات السن، فإنهن يعانين من ضعف العظام والمفاصل، مع تقدم العمر، مما يؤدي إلى تدهور حالتهن الصحية.

وبحسب ما صرحت به الندوة الوطنية لمكافحة التصحر، تعتبر اليمن واحدة من المناطق الجافة وشبه الجافة في العالم، حيث تتميز بموارد طبيعية محدودة. تشهد البلاد جفافًا في مناخها وتضاريسها المتنوعة المكونة من جبال وسهول وصحاري وعرة. وفي دراسة حول جمع النساء للحطب وإزالة الغابات لصوفيا تيانين 2019 “تعاني النساء من تأثيرات سلبية نتيجة تدهور الغابات، حيث يزداد الوقت المستغرق في جمع الحطب مع تراجع الغابات، مما يقلل الوقت المتاح للأنشطة الأخرى. أدى هذا إلى تراجع دخل النساء المعتمد على الغابات وأثر سلبًا على صحتهن، حيث يتعرضن لأعباء جسدية أثناء جمع الحطب. 

 

 

مقالات اخرى