الطفولة المفقودة في أرياف اليمن 

شارك المقال

خديجة الجسري -نسوان فويس

قصة أثير واحدة من آلاف القصص عن الطفولة الضائعة. تحكي بحرقة قلب وعيون تملؤها دموع الخذلان، عن طفولتها التي أتمت فيها عامها الخامس عشر وهي لا تعرف سوى جمع الحطب من الوديان وتقسيمه إلى قطع صغيرة تبدأ بعد صلاة الظهيرة وتنتهي عند غروب الشمس، وجلب الماء من آبار متعددة تذهب قبل طلوع الشمس وتعود قبل ذهابها إلى المدرسة وأكثر أيامها لم تذهب إلى المدرسة بسبب تأخرها في البئر، وأغلب أيام العطل الرسمية تذهب مع أمها لجلب الحشيش للبقر والأغنام، لا تعرف البيت إلا في المساء تعود إليه منهكة لا تستطيع كتابة واجباتها والتزاماتها المدرسية؛ تقول أثير هي وكل زميلاتها الطالبات عكس زملائهن يتلقين التوبيخ من المعلمين كل يوم على التقصير في المذاكرة والواجبات وهكذا يظللن راسبات عاماً بعد آخر بسبب التقصير وإهمال الأهل، وبسبب تحملهن لأعباء لا طاقة لهن بها ولا تحمله أجسادهن الطفولية وأعمارهن الصغيرة.

طفولة ضائعة بين الحرب والأهل 

في مناطق أرياف اليمن طفلات في عمر الزهور يحملن مهام جمع الحطب في الوديان وجلب الماء والحشيش للأبقار، والأمهات في المنازل دون أدنى رحمة حول هذا الموضوع قال الدكتور عبدالرزاق العزعزي مدير المركز المدني للدعم والمناصرة لمنصة نسوان فويس ” أولا مساعدة الأطفال بشكل عام للأولياء هو أمر طبيعي طالما لم يكن على حساب أي انتهاك لحقوق هؤلاء الأطفال مثلا يروح يعمل بوقت المدرسة أو يتحمل الطفل الحطب والحجار فوق قدرته الجسدية والعمرية. 

ثانيا ما يحدث في الريف اليمني هو بسبب العادات والتقاليد التي تفضل الذكر عن الأنثى في الحقوق بالتالي البنت تعمل أغلب الأعمال وبنفس الوقت يتم قطع التعليم عنها بسن معينة ويكثر بعدها الزواج المبكر للإناث. ويضيف العزعزي “إذا التأثير التعليمي على الإناث (عدم الإلتحاق بالتعليم من الأساس – الإنقطاع والتسرب من التعليم – الأصابة ببعض الأمراض الجسدية والنفسية جراء العمل الشاق – فقدان الأمل في مستقبل أفضل لها مقارنة بالذكور). 

يتنافى مع الفطرة
أما الأستاذ أحمد القرشي فقال لمنصة نسوان فويس”يتنافى ذلك مع الفطرة السليمة للإنسان القائمة على الرفق بالأطفال من قبل الوالدين وغيرهم من القائمين على تربية ورعاية الفتيات.
وأضاف القرشي” لدينا مشكلة في مفهوم التربية لدى كثير من الناس، فهي مقترنة بالقسوة والشدة وحتى التعذيب النفسي والبدني للطفل باعتبار ذلك يضمن تنشئة جيدة وسليمة وأن رفاهية الطفل وحصوله على حقه في اللعب والتعليم ينعكس سلبا على شخصيته حسب المعتقد السائد، وهذه المفاهيم الخاطئة بحاجة لوقت طويل من التوعية والتصحيح. 

التدهور التعليمي والنفسي
قالت منظمة اليونيسف لمنصة نسوان فويس عبر الناطق الرسمي للمنظمة في اليمن الدكتور علي قاسم”إن هناك تأثيرات سلبية على المستقبل التعليمي والمهني على مستقبل الفتيات اللواتي يشتغلن في جمع الحطب وجلب الماء والحشيش في أرياف اليمن، وأردف قائلاً “في المناطق الريفية في اليمن تواجه الفتيات في سن الثامنة أعباءً كبيرة من المسؤوليات الشاقة مثل جمع الحطب وجلب الماء وجمع الحشائش، مهام تؤثر بشكل كبير على حصولهن على التعليم. هذا العبء اليومي يقيد وقتهن وطاقة الذهاب إلى المدرسة، مما يؤدي إلى ارتفاع معدلات التسرب من المدرسة. ويعد هذا التأثير عميق: فمع تأخرهن أكاديميًا، تقل فرصهن في إكمال التعليم أو متابعة مهنة بشكل كبير، مما يخلق دائرة مفرغة من الفرص المحدودة والحراك الاجتماعي المحدود. 

وقد أنتجت هذه الحالة تفاوتات بين الجنسين في مشهد التعليم اليمني، كما يتضح من البيانات التالية: 

الفجوة بين الجنسين في الالتحاق( مع مؤشر تكافؤ الجنسين البالغ 0.89، تعد الفتيات أقل تمثيلًا في المدارس اليمنية، لا سيما في المستويات التعليمية العليا(يونيسف – المسح العنقودي متعدد المؤشرات MICS 2023). 

معدلات الإكمال الدراسي(يتفوق الأولاد على الفتيات في التحصيل التعليمي في كل مرحلة، مع وجود فجوة ملحوظة بين الطلاب في المناطق الحضرية والريفية، حيث يتأخر الأطفال في الريف بنحو 20 نقطة مئوية (يونيسف – المسح العنقودي متعدد المؤشرات MICS 2023).

عدم التوازن بين الجنسين في هيئة التدريس(من بين 297,281 معلمًا في اليمن، 59% من الذكور (176,212)، بينما 41% فقط من الإناث (121,069)، مما يبرز التحديات الأوسع في إنشاء بيئة تعليمية داعمة وشاملة للفتيات (أوشتا/مجموعة التعليم تقرير HNO 2024).

 

ضغوط تفوق طاقتها

الدكتور حافظ الحشيشي أستاذ علم النفس بجامعة الضالع قال لمنصة نسوان فويس” لا زالت الفتاة في المجتمع اليمني تواجهه العديد من الضغوط الاجتماعية نتيجة للعادات والتقاليد السائدة في المجتمع التي تقلل من قيمة ومكانة المرأة بشكل عام والفتاة بشكل خاص، وحرمانها من حقوقها التي كفلها لها القانون والدستور وقيامها بأعمال غير مناسبة لها بل وجعلها أعمال أساسية ينبغي أن تقوم بها وحرمانها من حقوقها التي ينبغي أن تشبعها بل وتحققها لها الأسرة والمجتمع والدولة، وبالتالي فإن النساء وخاصة الفتيات أكثر عرضة للهموم والضغوط النفسية نتيجة للضغوط الاجتماعية والمسؤوليات التي تتحملها الفتيات والتي تفوق طاقتها النفسية والجسدية.
  

حماية قانونية ومبادرات
على الرغم من المكاسب التاريخية التي تحققت للأطفال منذ اعتماد اتفاقية حقوق الطفل قبل 34 عاماً عام ١٩٩٠من قبل الجمعية العامة للأمم المتحدة، إلا أن اليمن لا تزال ضمن أسوأ البلدان للأطفال في العالم. 

قالت المحامية رانيا جمال إن الحكومة اليمنية أصدرت  في 2002 قانون حقوق الطفل الذي يحدد الحد الأدنى لسن العمل بـ 15 عاما ويحظر القانون تشغيل الطفل في الأعمال قبل بلوغ سن الخامسة عشرة.
وقالت في حديثها لنسوان”إن وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل تعمل حاليا على استكمال استراتيجية مناهضة لأسوأ أشكال عمالة الأطفال في اليمن وسيتم التنسيق مع المانحين من أجل تنفيذها، لكن كل هذا يظل حبر على ورق خاصة في ظل ظروف الحرب وعمالة أطفال الريف منهم الفتيات. 

دور المنظمات

أما الناطق الاعلامي لمنظمة اليونيسف في اليمن الدكتور علي قاسم قال لنسوان فويس”قوانين الحماية الأممية للأطفال، للأمم المتحدة عدة أطر تهدف إلى حماية الأطفال من الاستغلال وضمان حقهم في التعليم والتنمية. تحظر اتفاقية حقوق الطفل التي صدّقت عليها اليمن، الاستغلال الاقتصادي والعمل الضار الذي يتعارض مع التعليم. كما يؤكد الهدف الرابع من أهداف التنمية المستدامة على التعليم الجيد والشامل والمنصف، في حين يركز الهدف الخامس على تحقيق المساواة بين الجنسين وتمكين جميع النساء والفتيات. و تدافع اليونيسف عن هذه الحقوق في اليمن من خلال الشراكة مع السلطات المحلية والمجتمعات وغيرها من وكالات الأمم المتحدة لتعزيز المبادرات التي تحمي حقوق الأطفال وتدعم فرص التعليم للفتيات.


وأيد ما قاله بأمثلة من الواقع المعاش قاسم حيث يقول” هناك بعض الأمثلة على مبادرات اليونيسف، فقد عملت اليونيسف على معالجة هذه العوائق من خلال برامج مستهدفة لتحسين وصول الفتيات إلى التعليم. تشمل هذه المبادرات توظيف معلمات ريفيات (برنامج الحوافز لمعلمات الريف) لتشجيع الفتيات على البقاء في المدرسة، وتدعو إلى سياسات دمج هؤلاء المعلمات في القوى العاملة الوطنية لضمان الاستدامة على المدى الطويل. بالإضافة إلى ذلك، تعمل اليونيسف على إنشاء فصول دراسية منفصلة للفتيات المراهقات وتوفير مرافق المياه والإصحاح البيئي الحساسة للنوع الاجتماعي في المدارس لتوفير بيئة تعليمية مناسبة. و بالتعاون مع المجتمعات المحلية، ترفع اليونيسف الوعي بأهمية التعليم للفتيات وتأثيره المحوري من أجل مستقبل أكثر إشراقًا وعدالة.


بالإضافة إلى العمل مع وزارة التربية والتعليم، تعمل اليونيسف بشكل وثيق مع السلطات اليمنية في مختلف الوزارات على المستوى المركزي والمحافظات والمديريات والمجتمعات المحلية، ومع منظمات شريكة لدعم هذه الأطر من خلال تنفيذ برامج تعليمية تعالج التحديات الفريدة التي تواجه الفتيات، وتدعو إلى اتخاذ تدابير سياسية تتماشى مع المعايير الدولية لضمان حصول كل فتاة على فرصة التعلم في بيئة آمنة وداعمة ولتحطيم دائرة العمل الضار وفقدان الفرص.








 

مقالات اخرى