من فتاةٍ كسرت المحظور في الضالع… إلى قياديةٍ يعتز بها الجميع

شارك المقال

نسوان فويس – سميرة عبد اللطيف 

لم يكن الطريق الذي اختارته انتصار علي مسعد حسن الهدالي مألوفًا لفتاة من الضالع، المحافظة المعروفة بخصوصيتها الاجتماعية والقبلية. ففي وقت كان ظهور المرأة في العمل السياسي والحزبي يثير الاستغراب، كانت انتصار من أوائل النساء اللاتي خضن هذا المعترك، لتدفع ثمنًا اجتماعيًا باهظًا قبل أن تصبح اليوم واحدة من أبرز القيادات النسائية اليمنية.

تبتسم انتصار وهي تستعيد تلك السنوات: “كانوا يستحون أن يقولوا إنهم من أهلي. كانوا يقولوا: هذه تناطح الرجال، عاملة نفسها سياسية. لكني كنت أقول: بيجي يوم يعرفوا إيش اللي أصلحه، وبيفتخروا بي.”

واليوم، وبعد عقود من العمل السياسي والنسوي والإنساني، تقول إن أكثر ما يسعدها ليس المناصب، بل ذلك التحول الذي رأته بعينيها.

والله سمعتها بأذني. هذا يقول: أنا أخو انتصار الهدالي، وهذا يقول: أنا عمها، حتى لو لم يكن من العائلة. هذا أكبر نجاح حققته في حياتي.” تختصر رحلتها بعبارة: “الحياة ما كانت سهلة، خطيت في الصخر بأظافري عشان أوصل.”

ابنة النضال

ولدت انتصار في مديرية جحاف بالضالع، وسط أسرة ارتبط اسمها بالنضال الوطني في جنوب اليمن. انتقلت الأسرة لاحقًا إلى عدن، وهناك لم تكتفِ انتصار بالدراسة، بل حضرت بقوة في الأنشطة الثقافية والطلابية. انضمت إلى منظمة الطلائع، ثم اتحاد الشباب الاشتراكي، والتحقت بالكتيبة الشبابية العسكرية. تقول: “هناك تعلمت الانضباط وتحمل المسؤولية. كانت تجربة صنعت جزءًا كبيرًا من شخصيتي.”

في جامعة عدن، واصلت نشاطها وأصبحت من القيادات الطلابية المعروفة، وعملت نائب رئيس الرقابة والتفتيش في المجلس الطلابي.

السياسة… الطريق الأصعب

في ثمانينيات القرن الماضي، لم يكن دخول المرأة للسياسة معتادًا، خصوصًا لفتاة من الضالع. لكن انتصار اختارت الطريق الأصعب. رُشحت لعضوية الحزب الاشتراكي وهي في سن مبكرة، وعملت في اللجنة المركزية، وتحديدًا في مكتب الأمين العام علي سالم البيض عام 1987. تصف تلك المرحلة بالمدرسة السياسية الأولى التي تعلمت فيها آليات العمل المؤسسي.

درست الفلسفة التي منحتها التفكير النقدي وفهم المجتمع. لاحقًا حصلت على شهادة مستشار في القانون الدولي والعلاقات الدبلوماسية من مصر، ودبلوم عالٍ في التحكيم الدولي، ودبلوم في القيادة النسوية من المعهد الديمقراطي الأمريكي، إضافة لبرامج أممية في جنيف حول إشراك النساء في المفاوضات.

تزوجت في سنوات الدراسة الأخيرة وانشغلت بتربية أبنائها عقدًا من الزمن. ومع دخولهم المدارس عادت للعمل العام، لكنها وجدت نفسها خارج مؤسسات الدولة بعد حرب 1994، مثل كثير من الكوادر الجنوبية.

القضية التي اختارتها

لم تكن تبحث عن قضية جديدة، بل عن إجابة: لماذا تبقى النساء بعيدات عن صنع القرار رغم كفاءتهن؟ أدركت أن تمكين المرأة معركة تحتاج إيمانًا وعملًا. أسست مؤسسة “من حقي” للتمكين السياسي والاقتصادي للمرأة، وركزت على تدريب وتأهيل قيادات نسوية قادرة على المشاركة في الحياة العامة.

 

أصبحت عضوًا فاعلًا في اتحاد نساء اليمن منذ 1986، وتولت منصب نائب رئيس مسار الإعلام والثقافة في التيار الوطني للسلام. تقول: “أنا مع المرأة أينما كانت. عندما تكون مظلومة، سأقف معها بغض النظر عن انتمائها.”

الحرب… عندما تحول العمل إلى واجب إنساني

عندما اندلعت الحرب عام 2015، كُلّفت انتصار بإدارة ملف جرحى وشهداء المقاومة في عدن. “لم تكن أرقامًا، بل قصصًا بشرية مؤلمة.” انضمت بعدها للجنة الإخلاء الطبي لمتابعة علاج الجرحى في الخارج.

الحرب حملت لها جرحًا شخصيًا بفقدان والدها اغتيالًا عام 2012. “رحيله ترك فراغًا، لكنه جعلني أكثر قناعة أن العنف لا يصنع مستقبلًا.” ومن رحم الألم تشكلت قناعاتها بالسلام: “أؤمن أن الحل لا يكون بالسلاح، وإنما بالحوار والتسوية.”

شاركت في مؤتمرات دولية منها مؤتمر جنيف، ودافعت عن أهمية إشراك النساء في جهود السلام.

من سويسرا إلى الدبلوماسية والسياحة

انتقلت انتصار لاحقًا إلى سويسرا، وعملت ممثلةً للعلاقات الخارجية للمجلس الانتقالي هناك عام 2022، وبنت شراكات مع منظمات دولية داعمة لقضايا المرأة والسلام.

عند عودتها لعدن، عُيّنت بقرار جمهوري مديرًا تنفيذيًا لمجلس الترويج السياحي بدرجة وكيل وزارة. كان المجلس متوقفًا، فشاركت في إعادة تفعيله، وإحياء الفعاليات السياحية، وتأهيل المواقع المتضررة من الحرب، والترويج للتراث اليمني.

ترى منى لقمان، المستشارة الدولية، أن أبرز ما يميز انتصار هو “قدرتها على إدارة التحديات بهدوء، وحوارها باحترام مع مختلف الأطراف. تدافع عن القضية الجنوبية بعقلانية ولا تلجأ لإقصاء المختلفين.”

وتقول لمياء الإرياني، وكيلة وزارة التعليم الفني سابقًا: “لم تتوقف أمام التحديات. كانت تبحث عن مساحات للعمل المشترك وتشجيع النساء. تؤمن بالعمل أكثر من الكلام.”

وتضيف ليلى الثور، خبيرة الوساطة: ان انتصار أثبتت جدارتها في وزارة السياحة رغم الظروف. تركت حياتها في سويسرا وخدمت وطنها. ولها دور شجاع في ملف الجرحى عام 2015.”

بين فتاة قيل يومًا إنها “تناطح الرجال”، وقيادية أصبحت مصدر فخر، تمتد قصة امرأة آمنت بالحوار والعمل، وجعلت من الدفاع عن النساء والسلام رسالتها.

 

مقالات أخرى