“اختارتكِ أمي”.. كلمات تطفئ بهجة العمر

شارك المقال

سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس

“بعد أيام من زفافنا أخبرني بكل برود أنه لم يتزوجني لأنه أحبني أو اختارني، بل لأن والدته أرادتني زوجة له”.

رغم مرور سنوات على زواجها وإنجابها طفلين، لا تزال مريم علي -27 عاماً- تتذكر تلك العبارة التي سمعتها من زوجها في الأيام الأولى من حياتهما الزوجية، وكأنها قيلت بالأمس.

مريم: قال لي إن أمه كانت تبحث عن فتاة تناسب العائلة وتساعدها، وإنه وافق على الزواج استجابة لرغبتها. شعرت وقتها أنني لست شريكة حياة، بل خيار اختارته والدته نيابة عنه

تجلس مريم اليوم وسط مسؤوليات الأمومة ورعاية أسرتها الصغيرة، لكن جرحاً قديماً ما زال مفتوحاً.

تتوقف قليلاً قبل أن تكمل حديثها لـ “نسوان فويس”: “قال لي إن أمه كانت تبحث عن فتاة تناسب العائلة وتساعدها، وإنه وافق على الزواج استجابة لرغبتها. شعرت وقتها أنني لست شريكة حياة، بل خيار اختارته والدته نيابة عنه”.

تصف مريم حياتها بأنها معركة مستمرة لإثبات قيمتها داخل بيتها. “أبذل جهدي كزوجة وأم، وأهتم بأطفالي وأسرتي، لكنني لا أشعر بأنني حصلت يوماً على القبول الكامل من زوجي. أكثر ما يؤلمني أنني ما زلت أسمع كلمات تقلل من شأني رغم كل السنوات التي قضيتها إلى جانبه”.

لم تكن مريم تتخيل أن تلك الكلمات ستصبح لاحقاً جزءاً من معاناتها اليومية. فبعد سنوات من الزواج وإنجاب طفلين، تقول إن زوجها لا يزال يكرر تلميحات وعبارات تذكرها بأنها لم تكن اختياره الحقيقي.

وتضيف: “في كل خلاف بيننا يعود ليقول إن هذا الزواج لم يكن قراره، أو يذكرني بأن والدته هي التي اختارتني. أشعر في كل مرة وكأنني أُحاكم على ذنب لم أرتكبه”.

قصة مريم ليست حالة فردية، بل نموذج يتكرر في مجتمعات كثيرة عندما يتحول اختيار شريك الحياة من قرار شخصي إلى قرار عائلي تفرضه رغبات الآباء أو الأمهات.

تقول مريم إن ما يؤلمها ليس فقط ما حدث في بداية الزواج، بل استمرار تأثيره حتى اليوم. “كنت أعتقد أن السنوات كفيلة ببناء المودة بيننا، لكن بعض الكلمات تظل أقوى من الزمن”.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

سد خانه

لا يقتصر الأمر على إلغاء رغبة الابن، بل يمتد ليمحو وجود الزوجة كشريكة مستقلة، ويجعل منها مجرد سد خانة لامرأة أخرى غائبة. هذا السيناريو القاسي عاشته أمل صالح -19 عاماً- فبعد شهر واحد فقط من زواجها انهارت الصورة التي رسمتها لمستقبلها مع زوجها.

تقول أمل لـ “نسوان فويس”: إنها كانت تعتقد أن الأيام الأولى من الزواج ستكون بداية لبناء المودة والتقارب، إلا أن حديثاً واحداً من زوجها بدد كل تلك الأحلام.

وتروي قصتها قائلة: “في أحد الأيام جلس معي وقال إنه يريد أن يخبرني بالحقيقة. أخبرني أنه كان يحب فتاة أخرى منذ سنوات، وكان يرغب في الزواج منها، لكن والدته رفضت تلك الفتاة بشكل قاطع، وأصرت على أن أتزوجه أنا”.

تضيف أمل: “لم يكتفِ بذلك، بل قال لي إنني لم أكن خياره الأول، وإنه وافق على الزواج بي فقط إرضاءً لوالدته. شعرت وقتها وكأن الأرض انهارت تحت قدمي”.

لم تستطع أمل استيعاب ما سمعته، فكل ما بنته من آمال خلال شهرها الأول من الزواج تبدد في لحظات.

تقول: “كنت أعتقد أن زوجي اختارني لأنه يريد أن يشاركني حياته، لكنني اكتشفت أنني كنت بديلاً لامرأة أخرى لم تسمح له والدته بالزواج منها، أصبحت أقارن نفسي بفتاة لا أعرفها، وأسأل نفسي: هل كان يتمنى أن تكون هي مكاني؟ وهل ينظر إليّ لأنه يحبني، أم لأنه اضطر للقبول بي؟”.

وتضيف: “كلماته تركت أثراً لا يزال يرافقها حتى اليوم، فقدت شعور الأمان داخل العلاقة، كل تصرف منه أصبح يدفعني للتفكير في تلك الفتاة. عندما يغضب أشعر أنه نادم على زواجه مني، وعندما يصمت أتساءل إن كان لا يزال يفكر فيها”.

وتقول أمل إن أصعب ما في الأمر أنها لم ترتكب أي خطأ، لكنها وجدت نفسها تدفع ثمن قرار اتخذته أسرة زوجها.

وتختتم حديثها بحسرة: “كنت أتمنى أن أبدأ حياتي مع رجل اختارني عن قناعة ومحبة، لا مع رجل يشعر في داخله أنني مجرد البديل الذي فرضته عليه الظروف”.

لطيفة محمد: المرأة التي تسمع باستمرار أنها لم تكن الاختيار الحقيقي لشريكها قد تعاني من انخفاض تقدير الذات والشعور بعدم الأمان العاطفي، حتى لو استمر الزواج لسنوات وأنجبت أطفالاً

ندوب لا يمحوها الزمن

تفسر الأخصائية النفسية، لطيفة محمد، هذه الظاهرة مؤكدة أن العلاقات الزوجية التي تبدأ في ظل ضغوط أسرية أو غياب القناعة الكاملة من أحد الطرفين تكون أكثر عرضة للمشكلات النفسية والعاطفية.

وتوضح في حديثها لـ “نسوان فويس” أن تكرار عبارات الرفض أو التذكير بأن الزوجة لم تكن الخيار الأول يترك آثاراً عميقة على الصحة النفسية للمرأة.

وتقول: “المرأة التي تسمع باستمرار أنها لم تكن الاختيار الحقيقي لشريكها قد تعاني من انخفاض تقدير الذات والشعور بعدم الأمان العاطفي، حتى لو استمر الزواج لسنوات وأنجبت أطفالاً”.

وتضيف أن هذه المشاعر قد تتطور إلى القلق المزمن والحزن المستمر وفقدان الثقة بالنفس، كما تنعكس على طبيعة العلاقة الزوجية وتؤثر في البيئة الأسرية التي ينشأ فيها الأطفال.

وترى لطيفة محمد أن المشكلة لا تكمن فقط في قرار الزواج نفسه، بل في استمرار استخدام ذلك القرار كسلاح نفسي أثناء الخلافات الزوجية. “حين يُذكّر أحد الزوجين الآخر بأنه لم يكن الخيار المرغوب، فإن ذلك يمثل شكلاً من أشكال الإيذاء النفسي الذي يراكم مشاعر الألم والإحباط مع مرور الوقت”.

اختيار الشريك  

من الناحية الحقوقية تؤكد وئام المقطري أن حرية اختيار شريك الحياة تعد من الحقوق الأساسية التي يجب أن تُبنى عليها العلاقة الزوجية.

وترى أن دور الأسرة يجب أن يقتصر على النصح والإرشاد وتقديم الرأي، دون أن يتحول إلى فرض قرار مصيري يتعلق بمستقبل الأبناء. فحين يُدفع الشاب أو الفتاة إلى الزواج استجابة لضغوط عائلية، قد تنشأ علاقة تفتقد أحد أهم مقومات النجاح وهو الرضا الكامل للطرفين.

كما تشير إلى أن استمرار معاينة الزوجة أو التقليل من شأنها بسبب ظروف اختيارها للزواج يمثل انتهاكاً لكرامتها الإنسانية ويتعارض مع المبادئ التي تقوم عليها العلاقة الزوجية من احترام ومودة ورحمة.

تكشف قصة مريم وأمل جانباً خفياً من معاناة بعض النساء اللواتي يجدن أنفسهن داخل زيجات بدأت بقرار اتخذه الآخرون نيابة عنهن أو عن أزواجهن. ويبقى السؤال: كم من النساء يعشن حياة مشابهة خلف أبواب المنازل، وكم من الزيجات تبدأ بقرار عائلي ثم تستمر سنوات وهي تحمل في داخلها ندوباً لا يراها أحد؟

مقالات أخرى