سلام شرقي – نسوان فويس
“شقيقتي الصغرى، ذات العشرين عاماً، صارت أشبه بكائن رقمي؛ فمعظم يومياتها تتم عبر تطبيقات ومنصات رقمية، من التعليم والتدريب، وصولاً إلى التسوق وطلب احتياجاتها الشخصية والطعام ومختلف مستلزمات المنزل”.
بهذه الكلمات تحكي الشابة الثلاثينية أوسان العمري، قصة الرقمنة التي تغزو واقعنا يوماً بعد آخر، حيث أصبح الهاتف المحمول الذي نحمله ممتلئاً بالتطبيقات التي سهّلت إيقاع الحياة ووفرت الكثير من الوقت والجهد.
تقول أوسان لـ “نسوان فويس”: “ربما لأني أدرس تقنية المعلومات، أصبحت أنظر إلى ما تطلبه التطبيقات من بيانات، بمثابة تدخلاً في الخصوصية، ومحاولة منها لبناء بنك معلومات يجب التأكد من أنه يذهب إلى مكان آمن، وربما ينبغي ألا أقدم كل تلك البيانات من الأساس لهذه التطبيقات”.
في تقرير أعدته وكالة “داتا بيكرز” المتخصصة في الخدمات الرقمية، ونشره بنك اليمن والكويت، أُشير إلى أن عدد مرات تنزيل التطبيقات من متجري جوجل وIOS بلغ 311 مليون عملية تنزيل خلال عام 2024، مقابل 262 مليون عملية تنزيل في عام 2023، في الوقت الذي بلغ فيه عدد مستخدمي الإنترنت في اليمن 7.44 مليون مستخدم بنهاية عام 2025.
كما أوضح التقرير أن تنزيلات تطبيقات التسوق بلغت 4.36 مليون مرة، فيما وصلت تنزيلات تطبيقات الطعام والشراب إلى 1.83 مليون مرة، وكانت أكثر ثلاث تطبيقات يمنية لتوصيل الطعام تحميلاً هي: “يمن توصيل”، و”تساهيل”، و”موكا”.
في العالم الرقمي لا يمكن تجاوز فكرة جمع بيانات المستخدمين، أو إدارة تلك البيانات بوصفها مفاتيح لفهم سلوك “المستهلك”، لكن السؤال الأهم: كيف تستفيد النساء في اليمن من تطبيقات خدمات التوصيل؟ وما معايير حماية بيانات العميلات؟ وكيف تبدو البنية التحتية الرقمية والوعي المجتمعي في هذا السياق؟
ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
“على مستخدمي تطبيقات التوصيل وغيرها من التطبيقات، أن يعي جيداً ما الذي يشاركه مع التطبيقات، وأن يتأكد قبل الضغط على أزرار “متابعة” أو “موافق” أو “التالي”، وهي الخطوة التي غالباً ما تمر دون انتباه من كثير من المستخدمات “
بيانات تحت الحماية
تجيب مدربة الأمن الرقمي ومسؤولة شركة “سومافرس” للدعم الرقمي، سمية مقبل، مؤكدة أولاً على ضرورة التزام شركات التوصيل بجمع الحد الأدنى من البيانات، وعدم طلب معلومات غير ضرورية لتقديم الخدمة.
وتضيف، في حديث لـ “نسوان فويس”، قائلة: ” لابد من تشفير البيانات أثناء الإرسال والتخزين، لمنع الوصول غير المصرح به، إضافة لضرورة اعتماد الشركات لنظام صلاحيات واضح للموظفين، بحيث يطلع مندوب التوصيل فقط على المعلومات الضرورية لإتمام الطلب، دون إمكانية الاحتفاظ بها أو استخدامها لاحقاً “.
كما تؤكد ضرورة عدم مشاركة البيانات مع أطراف أخرى، سواء عبر بيعها أو استخدامها لأغراض تسويقية دون موافقة واضحة من العميلات، إضافة إلى توفير وسائل للإبلاغ عن أي إساءة أو مضايقة، وإتاحة حذف البيانات عند الطلب.
في السياق تشير شركة “وجبات” على موقعها الإلكتروني، إلى أنها قد تجمع معلومات المستخدمين، بما في ذلك الاسم، وعنوان الشارع والمنطقة والمدينة، وأرقام الهاتف، والبريد الإلكتروني، وموقع GPS الخاص بالهاتف.
وتضيف الشركة أنها قد تجمع أيضاً معلومات تتعلق بالطلبات السابقة للمستخدمين، والمطاعم المفضلة لديهم، واستفسارات خدمة العملاء، وتقييمات الخدمة.
وعن هذه البيانات التي تجمعها معظم التطبيقات بشكل عام، تقول العمري: “على مستخدم تطبيقات التوصيل وغيرها من التطبيقات، أن يعي جيداً ما الذي يشاركه مع التطبيقات، وأن يتأكد قبل الضغط على أزرار “متابعة” أو “موافق” أو “التالي”، وهي الخطوة التي غالباً ما تمر دون انتباه من كثير من المستخدمات “.
مخاطر خلف الشاشة
تطمئن مدربة الأمن الرقمي سمية مقبل المستخدمات بأن التطبيقات المعروفة توفر إجراءات أمنية جيدة، لكنها تستدرك بالقول إنها ليست خالية تماماً من المخاطر، إذ يعتمد مستوى الأمان على سياسات الشركات في حماية البيانات، وتدريب المندوبين، ووعي المستخدمات بإعدادات الخصوصية، وسرعة استجابة الشركة للبلاغات والشكاوى.
وتسرد سمية عدداً من المخاطر المحتملة، مثل استخدام رقم الهاتف للتواصل الشخصي غير المرغوب، ومعرفة العنوان المنزلي بشكل مباشر، بالإضافة إلى الاحتفاظ ببيانات العميلة بعد انتهاء الطلب ومحاولات الاحتيال أو انتحال الهوية.
مؤكدة أن التطبيقات يمكن اعتبارها آمنة إذا كانت الشركة ذات سمعة جيدة، وكان التطبيق محملاً من المتاجر الرسمية، وكانت سياسات الخصوصية واضحة، واستخدمت العميلة وسائل الحماية المتاحة داخل التطبيق.

في هذا الصدد اعتبرت ورقة بحثية للمحامية، اعتصام المقطري، الأمية الإلكترونية مؤشراً خطيراً على السلامة المجتمعية، إذ ترى أن ارتفاع مستوى الجهل الرقمي يزيد من فرص الجرائم الإلكترونية.
وأضافت المقطري في ورقتها: ” بقدر انتشار الأمية الرقمية، تتزايد فرص وقوع الجرائم الإلكترونية نظراً لتدني مهارات التعامل مع التقنية، وفي ضوء ذلك تتسع شريحة الضحايا المباشرين وغير المباشرين والمحتملين، بمن فيهم أولئك الذين لا يدركون أنهم ضحايا”.
من جانبها تؤكد مقبل أن النساء اللاتي لا يمتلكن خبرة تقنية كافية قد يكنّ أكثر عرضة لتنزيل تطبيقات مزيفة، أو الوقوع في عمليات التصيد الاحتيالي، أو مشاركة معلومات حساسة دون قصد، مشددة على أهمية تعزيز الثقافة الرقمية والأمن الرقمي حتى تتمكن النساء من استخدام هذه الخدمات بثقة وأمان.
مقبل: لابد من استخدام التطبيقات الرسمية فقط، ومراجعة تقييماتها، وعدم مشاركة رمز التحقق (OTP) مع أي شخص، واستخدام وسائل الدفع الآمنة، إضافة إلى الإبلاغ فوراً عن أي مضايقة أو إساءة، وحذف الحساب أو البيانات إذا لم تعد هناك حاجة للخدمة، وتقليل مشاركة المعلومات غير الضرورية
سهولة أم تعقيد؟
وكانت معدة التقرير قد تواصلت مع شركة “تساهيل”، إحدى أبرز شركات توصيل الطلبات في اليمن، والتي تقدم خدماتها في صنعاء وإب، لمعرفة كيفية تعاملها مع بيانات العميلات ومستوى الخصوصية والأمان الرقمي في تطبيقاتها.
أفادت الشركة إنها تتعامل مع بيانات العملاء، رجالاً ونساءً، بخصوصية عالية جداً، دون تقديم مزيد من التفاصيل حول آليات حماية بيانات العميلات.
وفيما يتعلق بإمكانية استخدام النساء للتطبيق دون خبرة رقمية واسعة، أكدت الشركة أن جميع الفئات تستفيد من التطبيق، بما يوفره من خيارات متعددة، مشيرة إلى أن التطبيق “مصمم بطريقة سهلة تناسب جميع الفئات العمرية”.
مقبل تستطرد موضحة أن تطبيقات التوصيل صُممت لتكون سهلة الاستخدام للجميع، بما في ذلك النساء ذوات الخبرة الرقمية المحدودة، لكن الاستفادة الآمنة منها تتطلب حداً أدنى من المعرفة الرقمية، مثل: التمييز بين التطبيق الرسمي والتطبيقات المزيفة، فهم أذونات التطبيق، معرفة كيفية الإبلاغ عن المشكلات وحماية كلمات المرور ورموز التحقق.
وتنصح مقبل النساء باستخدام التطبيقات الرسمية فقط، ومراجعة تقييماتها، وعدم مشاركة رمز التحقق (OTP) مع أي شخص، واستخدام وسائل الدفع الآمنة، إضافة إلى الإبلاغ فوراً عن أي مضايقة أو إساءة، وحذف الحساب أو البيانات إذا لم تُعد هناك حاجة للخدمة، وتقليل مشاركة المعلومات غير الضرورية.
تشريعات تلاحق التطور
وكانت المقطري قد دعت في ورقتها البحثية، إلى تشريع قوانين تحد من مخاطر الجرائم الإلكترونية، وتعزز فرص الحماية للفئات الضعيفة والمستضعفة في المجتمع.
وتبقى مسألة جمع البيانات أمراً وارداً في التطبيقات الرقمية، بحسب الحاجة إلى تقديم الخدمة أو تنفيذ الحملات التسويقية واتخاذ القرارات المستندة إلى البيانات، لكن ذلك يجب ألا يتجاوز حدود المعلومات الضرورية.
كما تبرز أهمية “حوكمة البيانات”، وإتاحة الموافقة المستنيرة للمستخدمات، بحيث تتمكن المرأة من اتخاذ قرار واعٍ بشأن تنزيل التطبيقات واستخدامها، بالتوازي مع ضرورة أن تواكب القوانين والتشريعات المحلية التطورات المتسارعة وما قد ينجم عنها من إساءة استخدام للبيانات أو انتهاك للخصوصية.

