سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس
في مجتمعات ما تزال الأعراف الاجتماعية والعائلية تؤثر بقوة على قرارات الفتيات، تتحول بعض الخلافات الأسرية إلى أزمات نفسية تدفع بعضهن إلى اتخاذ قرارات مصيرية وخطرة، من بينها الهروب من المنزل. وبين الخوف من الزواج المفروض، والعنف الأسري، والضغوط النفسية الناتجة عن تجاهل رغباتهن، تجد بعض الفتيات أنفسهن أمام خيارات محدودة قد تقودهن إلى طرق محفوفة بالمخاطر.
مريم:كنت أبكي كثيراً وأشعر أن أحداً لا يهتم بمشاعري. خفت أن أُجبر على الزواج من شخص لا أحبه، وأن أقضي حياتي كلها في وضع لم أختره
الخوف من زواج لا تريده
مريم (16 عاماً) ـ اسم مستعار ـ فتاة من إحدى القرى الريفية، تروي قصتها مع محاولة هروب انتهت قبل أن تصل إلى وجهتها. تقول لـ”نسوان فويس” إن قصة حب جمعتها بابن جدها منذ سنوات، وكانت العلاقة معروفة داخل العائلة، الأمر الذي دفع الشاب إلى التقدم رسمياً لخطبتها.
وتضيف: “عندنا في القرية البنات يتزوجن في سن صغيرة، وكنت أحب ابن جدي. لما تقدم لي، أمي رفضته بسبب مشاكل قديمة بينها وبين أمه. حاولنا أكثر من مرة نصلح بينهم، لكن كل المحاولات فشلت”
لم تتوقف الضغوط عند هذا الحد، إذ تقدم لاحقاً ابن عمها لخطبتها، ووافقت الأسرة على الطلب، الأمر الذي وضعها أمام واقع لم تكن مستعدة لقبوله.
تقول: “كنت أبكي كثيراً وأشعر أن أحداً لا يهتم بمشاعري. خفت أن أُجبر على الزواج من شخص لا أحبه، وأن أقضي حياتي كلها في وضع لم أختره”.
ومع تزايد شعورها بالعجز، لجأت إلى الشاب الذي كانت ترغب بالزواج منه. وتتابع: “ذهبت إلى بيتهم وأخبرته أن ابن عمي تقدم لخطبتي وأن أهلي موافقون. غضب كثيراً، ثم قال: إذا كنتِ تحبيني فعلينا أن نهرب إلى المدينة ونتزوج عند القاضي. وقتها شعرت أن هذا هو الحل الوحيد، فوافقت وهربنا”.
لكن الرحلة لم تكتمل. ففي الطريق أوقفتهم إحدى النقاط الأمنية، وتم التواصل مع الجهات المختصة التي أعادت الفتاة إلى أسرتها بعد تقديم الدعم النفسي الأولي لها.
تسترجع الفتاة تلك اللحظات قائلة: “زعلت من نفسي كثيراً بعد الذي حدث. أمي وأبي غضبا مني، لكن الخوف والضغط الذي كنت أعيشه جعلاني أعتقد أن الهروب هو الحل الوحيد. اليوم أدرك أن الأمر كان خطيراً، ولا أريد أن أكرر ما فعلته”.

الهروب بحثاً عن الأمان
على الجانب الآخر، تخفي الفتاة سلمى (17 عاماً) اسمها الحقيقي خشية تعرضها لمزيد من الأذى. وتروي قصتها بصوت متردد، مؤكدة أن قرارها لم يكن بدافع التمرد أو الرغبة في التخلي عن أسرتها، بل نتيجة سنوات من الخوف والعنف داخل المنزل.
تقول: “كانوا يضربوني ويقيدوني أحياناً. أمي مريضة وأبي كبير في السن، لكن بعض إخوتي وأخواتي كانوا يعاملونني بقسوة شديدة. كنت أشعر أنني لا أملك أي وسيلة للدفاع عن نفسي” ومع تزايد شعورها بالعجز، بدأت تبحث عن مخرج.
وتضيف: “تواصلت مع قريبة لي تعيش في محافظة أخرى، وقالت لي تعالي عندنا ولن يستطيع أحد أن يؤذيك. بدأت أفكر أن هذا هو المكان الوحيد الذي يمكن أن أشعر فيه بالأمان”.
محمد: الشعور باليأس النفسي قد يدفع بعض الفتيات إلى اتخاذ قرارات متسرعة دون تقدير كامل للعواقب المحتملة، خصوصاً في ظل غياب الحوار الأسري أو وجود بيئة تتسم بالعنف والتسلط.
الهروب ليس قراراً مفاجئاً
توضح الأخصائية النفسية لطيفة محمد أن الهروب من المنزل نادراً ما يكون قراراً عابراً أو مفاجئاً، بل يأتي غالباً نتيجة تراكم طويل من الضغوط النفسية والصراعات الأسرية والشعور المستمر بعدم الأمان.
وتقول إن الفتيات اللواتي يتعرضن للعنف الجسدي أو النفسي أو يواجهن ضغوطاً متواصلة تتعلق بمستقبلهن وحياتهن الشخصية، قد يعانين من القلق المزمن واضطرابات النوم والشعور بالعجز وفقدان الثقة بالآخرين.
وتضيف: “عندما تشعر الفتاة أن صوتها غير مسموع، وأن رغباتها واحتياجاتها يتم تجاهلها بشكل مستمر، فإنها قد تصل إلى مرحلة ترى فيها الهروب وسيلة وحيدة للخلاص، حتى وإن كانت تدرك المخاطر التي قد تواجهها خارج المنزل”.
وبحسب لطيفة، فإن الشعور باليأس النفسي قد يدفع بعض الفتيات إلى اتخاذ قرارات متسرعة دون تقدير كامل للعواقب المحتملة، خصوصاً في ظل غياب الحوار الأسري أو وجود بيئة تتسم بالعنف والتسلط.
كما تشير إلى أن تجربة الهروب نفسها قد تترك آثاراً نفسية عميقة، إذ تعيش الفتاة خلال تلك الفترة مشاعر متناقضة من الخوف والندم والقلق والوحدة، إضافة إلى الخوف من الانتقام أو الوصم المجتمعي بعد العودة.
وتؤكد أن معالجة هذه الحالات تتطلب استجابة متكاملة تشمل الأسرة والمؤسسات المجتمعية والجهات المختصة، من خلال توفير بيئة آمنة للفتيات والاستماع إلى مشكلاتهن بجدية، إلى جانب تقديم الدعم النفسي والاجتماعي لهن ولأسرهن.
ملاذات آمنة تحت مجهر الجدل المجتمعي
وفي محاولة لإيجاد حلول مؤسسية لإنقاذ الفتيات والنساء المعنفات أو اللواتي يواجهن مخاطر تهدد حياتهن، شهدت محافظة حضرموت مؤخراً خطوة متقدمة بإنشاء أول “دار إيواء نسائي” مخصص لحماية النساء والفتيات.
ورغم أن المشروع جاء لتوفير الملاذ القانوني والنفسي لحالات مشابهة لقصة مريم وسلمى، إلا أن خطوة إنشائه لم تمر بسلام، بل فجّرت جدلاً واسعاً وانقساماً حاداً في الأوساط المجتمعية والقبلية في المحافظة.
ويرى مؤيدو الدار، من ناشطين حقوقيين ومنظمات مجتمع مدني، أنها خطوة إنسانية وقانونية ضرورية طال انتظارها لحماية الفتيات من قسوة العنف والتشرد أو القتل تحت مسمى “غسل العار”.
في المقابل، واجه المركز معارضة شرسة من تيارات قبلية ومحافظة اعتبرت أن وجود مثل هذه الدور “يتعارض مع الأعراف والتقاليد المحلية”، ويرون فيها “تشجيعاً غير مباشر للفتيات على التمرد والهروب من سلطة الأسرة”، بدلاً من حل المشكلات داخل الإطار العائلي.
هذا الانقسام يعكس عمق الأزمة؛ فبينما تبحث الفتيات الهاربات من الجحيم الأسري عن جدار مؤسسي يحميهن، ما يزال جزء من المجتمع يرى في هذا الجدار تهديداً لمنظومته العرفية، مما يضع الفتيات في فوهة مدفع الصراع بين الحداثة الحقوقية والتقاليد القبلية.
وأمام هذه الفجوة بين غياب الحماية الأسرية وقسوة الأعراف، تبرز الحاجة الملحة إلى بيئة تشريعية تحمي الفتيات قبل وصولهن إلى حافة قرار الهروب.
الأمر الذي دفع بعدد من الناشطات لتشكيل مبادرات قانونية نسوية بالتحرك لتقديم الدعم القانوني المجاني للفتيات والنساء المعنفات، والعمل على رفع الوعي بالحقوق القانونية التي تكفلها التشريعات (رغم قصورها) في مواجهة العنف والزواج الإجباري.

