جدل «دار الإيواء النسائي» في المكلا.. مخاوف مجتمعية ودعوات لحماية النساء المحتاجات

شارك المقال

المكلا – نسوان فويس 

أثار مشروع «دار الإيواء النسائي» في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت موجة واسعة من النقاش على مواقع التواصل الاجتماعي، بعد تداول معلومات وآراء متباينة حول أهداف الدار وطبيعة عملها، ما دفع مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت إلى إصدار بيان توضيحي أكد فيه أن الدار مخصصة لحماية النساء اللاتي يواجهن ظروفاً استثنائية ومشكلات اجتماعية وأسرية، وليست وسيلة لتشجيع التفكك الأسري أو الخروج عن القيم المجتمعية كما يروّج البعض.

ويُعد دار الإيواء النسائي مرفقاً إنسانياً تشرف عليه السلطات المحلية ممثلة بمكتب الشؤون الاجتماعية والعمل، ويهدف إلى توفير الحماية والرعاية المؤقتة للنساء المعرضات للخطر أو اللواتي لا يجدن مأوى آمناً، إلى حين معالجة أوضاعهن الاجتماعية والقانونية عبر الجهات المختصة.

مخاوف وأسئلة مجتمعية

في خضم الجدل الدائر، رأى عضو هيئة علماء اليمن الشيخ صالح باكرمان أن البيان الصادر عن مكتب الشؤون الاجتماعية والعمل لم يبدد جميع المخاوف والتساؤلات المتداولة بشأن طبيعة عمل الدار وآليات الإشراف عليها.

واقترح باكرمان تحويل الدار إلى مدرسة للبنات أو مركز لتحفيظ القرآن الكريم للنساء، أو تشكيل هيئة شرعية رسمية بإشراف مكتب الأوقاف والإرشاد لمتابعة أعمال الدار والإشراف عليها، معتبراً أن وجود جهة شرعية رسمية مشرفة من شأنه تعزيز الثقة المجتمعية وتبديد المخاوف المرتبطة بالمشروع.

وفي الاتجاه ذاته، عبّر الناشط نبيل السعدي عن رفضه لفكرة الدار، معتبراً أنها قد تشجع – بحسب رأيه – على خروج المرأة من بيتها والهروب من أسرتها بذريعة التعنيف الأسري، محذراً من أن تتحول مستقبلاً إلى بوابة للحصول على تسهيلات أو امتيازات خارج إطار الأسرة.

كما أشار الكاتب محمد بن عقيل إلى أن البيان الرسمي قدم توضيحات مهمة بشأن أهداف الدار والفئات المستهدفة وآلية الإشراف عليها، لكنه رأى أن المخاوف المجتمعية ما تزال قائمة لدى شريحة من أبناء حضرموت، معتبراً أن القضية تتجاوز الجانب الإداري لتتصل بطبيعة المجتمع الحضرمي وهويته الدينية والاجتماعية.

وأضاف أن البيان أكد أن الدار ليست لتشجيع التفكك الأسري أو الهروب من الأسرة، لكنه تساءل عن الضمانات المستقبلية التي تكفل استمرار الالتزام بهذه الأهداف، وما إذا كانت اختصاصات الدار وبرامجها ستظل على حالها بعد سنوات من الآن.

أصوات تدافع عن المشروع

في المقابل، برزت أصوات مؤيدة للمشروع رأت أن وجود دار إيواء للنساء يمثل ضرورة اجتماعية وإنسانية لحماية الفئات الأكثر ضعفاً.
وقال الصحفي أمين بارفيد إن كثيراً من المعارضين يبررون موقفهم بالقول إن المجتمع الحضرمي مجتمع محافظ ولا يحتاج إلى مثل هذه المشاريع، لكنه تساءل: كيف يمكن تجاهل وجود حالات تعنيف ضد النساء أو نساء بلا مأوى؟

وأضاف أن الأولى من محاربة دور الإيواء هي تكثيف حملات التوعية حول المسؤولية الأسرية واحترام حقوق المرأة وتعزيز قيم التكافل الاجتماعي لمعالجة أسباب المشكلات من جذورها، مؤكداً أن وجود الدار لا يلغي أهمية الإصلاح المجتمعي بل يوفر حماية للحالات التي لا تجد خيارات أخرى.

كما دافع الصحفي محمد عبدالوهاب اليزيدي عن فكرة دور الإيواء، داعياً إلى عدم إطلاق الأحكام المسبقة على المشروع قبل الاطلاع على حجم المشكلات والقضايا التي تواجهها بعض النساء في المجتمع. وقال إن مراجعة ملفات المحاكم وأقسام الشرطة والجهات المختصة بقضايا المرأة تكشف عن وجود حالات عنف وانتهاكات مؤلمة تتعرض لها نساء وفتيات، بعضها يصل إلى اعتداءات جسيمة تبقى بعيدة عن الأضواء ووسائل الإعلام.

وأضاف اليزيدي أن كون المجتمع الحضرمي محافظاً لا يعني غياب هذه المشكلات، بل إن كثيراً منها يظل غير معلن رغم حضوره في سجلات المحاكم ومحاضر الشرطة والجهات المختصة. واعتبر أن وجود دور إيواء تديرها الدولة ليس ترفاً أو رفاهية، بل ضرورة إنسانية لتوفير الحماية للنساء اللاتي يجدن أنفسهن بلا مأوى أو سند.

وشدد على أن المسؤولية الأساسية تبقى على عاتق الدولة في فرض سيادة القانون وحماية الفئات الأكثر ضعفاً، واتخاذ الإجراءات القانونية بحق كل من يمارس العنف أو ينتهك حقوق الآخرين، بما يضمن معالجة جذور المشكلة إلى جانب توفير الحماية للمتضررات.

من جانبها، أكدت صفحة «حضرموت ضد الفساد» تأييدها لإنشاء دار الإيواء النسائي، معتبرة أن المشكلة الحقيقية لا تكمن في وجود مكان يحمي النساء المحتاجات، بل في حالات الظلم والعنف والطرد التي تتعرض لها بعض النساء دون سند أو حماية.

ودعت الصفحة إلى توجيه الجهود نحو معالجة أسباب المشكلات الاجتماعية، وممارسة الرقابة على الدار لضمان حسن إدارتها، بدلاً من مهاجمتها أو التشكيك في أهدافها.

بيان رسمي وتوضيحات

ورداً على الجدل المتصاعد، أصدر مكتب وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل بساحل حضرموت بياناً أوضح فيه أن دار الإيواء النسائي ليست جهة لتشجيع الخلافات الأسرية أو التفكك الأسري، وإنما مؤسسة اجتماعية وإنسانية تقدم الحماية والرعاية للفئات النسوية التي تواجه ظروفاً استثنائية وفقاً للقوانين واللوائح النافذة.

وأكد البيان أن الدار مخصصة للنساء اللاتي لا يجدن مأوى بسبب مشكلات اجتماعية أو أسرية، أو يتعرضن لخطر الابتزاز أو الاستغلال، وأن استقبال الحالات يتم بعد دراسة أوضاعها الاجتماعية والتأكد من حاجتها للحماية والرعاية.

وأشار المكتب إلى أن الدار استقبلت خلال السنوات الماضية مئات الحالات المحتاجة للحماية والرعاية، موضحاً أن المبنى الجديد تم تمويله من الوكالة الكورية للتعاون الدولي عبر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، قبل أن يُسلَّم رسمياً للدولة ممثلة بمكتب الشؤون الاجتماعية والعمل.

كما شدد البيان على أن الحفاظ على كرامة المرأة وحمايتها من الاستغلال أو الانتهاك مسؤولية إنسانية وقانونية، مؤكداً أن المكتب يحتفظ بحقه القانوني تجاه ما وصفه بالشائعات والمعلومات غير الدقيقة التي تم تداولها بشأن الدار.

مطالب بحماية مؤسسية مستدامة

وفي هذا السياق، استعرضت المحامية هدى الصراري، رئيسة مؤسسة دفاع للحقوق والحريات، تجربتها خلال عملها ضمن فريق الحماية القانونية والمناصرة في اتحاد نساء اليمن بعدن، مشيرة إلى أن من أبرز التحديات التي واجهتها غياب دور إيواء مؤسسية ومستدامة للنساء والفتيات المعرضات للعنف، تكون ممولة ومدعومة من الدولة وتوفر الحماية والرعاية والأمن والخدمات الأساسية للمستفيدات.

وأوضحت الصراري أن الحاجة إلى هذه الدور تبرز بصورة خاصة بالنسبة للنساء القادمات من محافظات أخرى، والناجيات من العنف الأسري، والفتيات المعرضات للخطر، إضافة إلى النساء اللاتي أنهين فترات العقوبة المحكوم بها عليهن وترفض أسرهن استلامهن، وكذلك النساء المحتجزات على ذمة قضايا ولم تصدر بحقهن أحكام قضائية.

وأضافت في حديثها لـ”نسوان فويس” أن بعض دور الإيواء التابعة لاتحاد نساء اليمن قدمت خدمات مهمة خلال السنوات الماضية، إلا أن استمراريتها ظلت مرتبطة بتمويل المشاريع والبرامج المؤقتة، الأمر الذي يؤدي إلى تقلص الخدمات أو توقفها بانتهاء التمويل، رغم أن خدمات الحماية والإيواء تمثل احتياجاً دائماً وليست تدخلاً مؤقتاً أو طارئاً.

وشددت الصراري على أن إنشاء دور إيواء متخصصة للنساء والفتيات المعرضات للعنف يجب أن يكون جزءاً من مسؤوليات الدولة والتزاماتها في مجال الحماية الاجتماعية وحقوق الإنسان، من خلال توفير تمويل مستدام يغطي تكاليف الإيواء والغذاء والرعاية الصحية والدعم النفسي والتأهيل والتدريب المهني وإعادة الإدماج المجتمعي.

ولفتت إلى أن منظمات المجتمع المدني ذات الخبرة، وفي مقدمتها اتحاد نساء اليمن، يمكن أن تضطلع بأدوار الإشراف والمتابعة والرقابة الفنية لضمان جودة الخدمات المقدمة للمستفيدات.

وأكدت الصراري أن اليمن ما يزال يفتقر إلى سياسات وبرامج مؤسسية كافية لحماية النساء المعرضات للعنف، كما أن الاستجابة الحكومية لتوجيه الموارد والدعم الدولي نحو إنشاء وتطوير هذه المشاريع الحيوية لا تزال دون المستوى المطلوب، الأمر الذي يترك العديد من النساء والفتيات دون حماية فعالة ويعرضهن لمخاطر إضافية من العنف والاستغلال والتشرد.

واعتبرت أن الحاجة باتت ملحة لتبني حلول مستدامة تضع حماية النساء والفتيات في صلب أولويات السياسات العامة، وتضمن توفير شبكات أمان اجتماعي قادرة على الاستجابة للاحتياجات المتزايدة لهذه الفئات.

وبين مؤيد يرى في الدار وسيلة إنسانية لحماية النساء المحتاجات، ومعارض يطالب بضمانات ورقابة إضافية، يبقى النقاش مفتوحاً حول أفضل السبل لتحقيق التوازن بين متطلبات الحماية الاجتماعية والحفاظ على الثقة المجتمعية تجاه مثل هذه المشاريع.

مقالات أخرى