رشا جرهوم.. من “طيرمانة” الأحلام إلى أروقة مجلس الأمن

شارك المقال

فاطمة العنسي – نسوان فويس

في زوايا الذاكرة الممتدة بين عدن وصنعاء، لم تكن رشا جرهوم مجرد طفلة تراقب والدتها، الوزيرة السابقة حورية مشهور، وهي تخوض غمار السياسة والعمل العام؛ بل كانت بذرة وعي تنمو بهدوء في تربة عائلية مشبعة بالشجاعة والإيمان بالتغيير.

تستعيد رشا خلال حديث لـ “نسوان فويس”، تلك السنوات المبكرة التي رافقت فيها والدتها إلى ورش العمل والفعاليات العامة؛ فبينما كان إخوتها ينشغلون باللعب خارج القاعات، كانت هي تلتقط تفاصيل النقاشات الدائرة حول الحقوق والحريات والواجبات، محاولةً فهم العالم الذي اختارت والدتها أن تواجهه بكل ما فيه من تحديات.

في وقت مبكر أدركت أن الطريق الذي سلكته والدتها حورية مشهور لم يكن مفروشًا بالورود، بل كان مليئًا بالعقبات والصراعات اليومية. كانت ترى والدتها تنتقل بسلاسة بين إعداد وجبة الغداء للأسرة وبين خوض معارك سياسية وفكرية أثناء عملها كنائب رئيس اللجنة الوطنية للمرأة، مع التيارات المتشددة داخل البرلمان اليمني، وهو مشهد ترك أثره العميق في تكوينها الشخصي والمهني.

اليوم، وبعد سنوات طويلة من التراكم والخبرة، تقف رشا جرهوم في قلب المشهد الدولي بوصفها واحدة من أبرز القيادات النسوية اليمنية العاملة في مجال السلام، حاملةً إرث والدتها، لكن بأدوات تناسب تعقيدات العصر الحديث.

وإذا كان جيل الأم قد واجه الصور التقليدية لدور المرأة والنظرة المجتمعية المقيدة لمشاركتها السياسية، فإن جيل رشا وجد نفسه أمام جبهات جديدة لا تقل صعوبة، من بينها العنف الرقمي المنظم، والتنمر الإلكتروني، وحملات التشويه والاستهداف المباشر التي جعلت من العمل السياسي والحقوقي للمرأة اليمنية مهمة باهظة الثمن.

وجاء الإعلان عن فوز جرهوم بجائزة “إيريني – قوة السلام” لعام 2026، ضمن برنامج Hera Legacy – Domina Pacis Medal الذي تنظمه الجمعية الدولية للوسطاء والخبراء المتعددين (IAMPE).

ولم يكن هذا الفوز حدثاً معزولاً أو مفاجئاً، بل بدا وكأنه محطة طبيعية في مسار طويل من العمل المتواصل، إذ أن الجائزة التي استُلهم اسمها من “إيريني” إلهة السلام في الحضارة الإغريقية، تُمنح للشخصيات التي تسهم في بناء السلام وتعزيز الحوار الإنساني ودعم المشاركة المجتمعية.

حورية مشهور
حورية مشهور

بذرة الوعي الأولى

لم يكن صعود رشا إلى المشهد الدولي حدثاً مفاجئاً أو منفصلاً عن جذوره؛ فكل خطوة تخطوها اليوم تعود في جانب منها إلى تلك التجارب المبكرة التي عايشتها إلى جانب والدتها.

فالسيدة مشهور تعتبر واحدة من أبرز الشخصيات النسائية التي تركت بصمة واضحة في الحياة السياسية والحقوقية اليمنية؛ مجسّدة من خلال مسيرتها نموذجاً للمرأة القيادية المنحازة لقضايا الحريات والعدالة وبناء الدولة المدنية.

وبرز دورها بشكل استثنائي خلال توليها وزارة حقوق الإنسان في حكومة الوفاق الوطني، حيث تجاوزت حدود الدور الإداري التقليدي لتتحول إلى صوت مدافع عن المعتقلين والمخفيين قسراً، ساعية إلى بناء جسور تواصل بين السلطة والحركات الشبابية والمنظمات الدولية.

“لا أنتظر أن يمنحني أحد مقعداً على طاولة المفاوضات، بل أسعى مع زميلاتي إلى إعادة تعريف شكل الطاولة نفسها، لأن أي سلام لا تشارك النساء في صياغته سيبقى سلاماً ناقصاً”

السلام أبعد من الجوائز

ورغم الجوائز الدولية والتكريمات التي حصلت عليها خلال مسيرتها، ترفض رشا جرهوم التعامل معها باعتبارها غاية بحد ذاتها أو مجرد أوسمة للعرض.

وتؤكد خلال حديثها لـ “نسوان فويس” أن هذه الجوائز بالنسبة لها تشكل حافزًا ودعمًا معنويًا ورسالة حماية للناشطات والعاملات في الداخل اليمني، كما تساعد في فتح أبواب ظلت مغلقة لسنوات أمام أصوات النساء.

لكن التحدي الحقيقي، كما تقول، لا يوجد في القاعات الفخمة بجنيف أو نيويورك، وإنما في ضمان وصول صوت النساء اليمنيات البسيطات إلى تلك المنصات الدولية.

يتركز همّ جرهوم الأساسي في ألا يضيع صوت مزارعة في ريف تعز، أو صيادة في سواحل أبين، أو نازحة في مخيم مؤقت، وسط اللغة الدبلوماسية المعقدة والمصطلحات السياسية الثقيلة.

وتحرص من خلال “مبادرة مسار السلام”، على نقل قصص النساء المتأثرات بالحرب والتغيرات المناخية والصراعات الممتدة، وتحويل معاناتهن اليومية إلى أوراق سياسية وإحاطات تقدم أمام صناع القرار وعلى طاولات مجلس الأمن.

تقول:” لا انتظر أن يمنحني أحد مقعداً على طاولة المفاوضات، بل اسعى مع زميلاتي إلى إعادة تعريف شكل تلك الطاولة نفسها، انطلاقاً من قناعة راسخة بأن أي سلام لا تشارك النساء في صياغته سيبقى سلاماً ناقصاً ومهدداً بالانهيار”.

رشا جرهوم
رشا جرهوم

 جرهوم: ” نجحت مبادرة مسار السلام في توفير الحماية والدعم لأكثر من 170 امرأة يمنية تعرضن لمخاطر مباشرة “

نحو دولة المواطنة

تبدو الواقعية حاضرة بقوة إلى جانب الحلم أثناء حديثها، كونها تدرك أن كثيراً من الفاعلين السياسيين ما زالوا يبررون تغييب النساء عن مواقع التأثير وصناعة القرار بحجج تتعلق بتوازنات القوى أو عدم ملاءمة الظروف.

لكنها لا ترد على ذلك بالشعارات، بل بالعمل الميداني والنتائج الملموسة، جرهوم تضيف:” نجحت مبادرة مسار السلام في توفير الحماية والدعم لأكثر من 170 امرأة يمنية تعرضن لمخاطر مباشرة” مؤكدة أن الحماية والتمكين مساران متلازمان لا يمكن الفصل بينهما.

وبالنسبة لها، فإن الحصول على مقعد في المفاوضات ليس سقف الطموح، بل مجرد وسيلة لتحقيق هدف أكبر، بينما يتمثل الهدف الحقيقي في بناء دولة مدنية حديثة تقوم على المواطنة المتساوية، دولة لا تُعامل فيها المرأة باعتبارها استثناءً أو واجهة تجميلية للمشهد السياسي، بل شريكاً أصيلاً في رسم المستقبل وصناعة القرار.

وحين تُسأل عن اللحظة التي تشعر فيها بأن التكريم قد اكتمل، لا تتحدث عن الميداليات والألقاب أو الصور الرسمية، وإنما تعود دائماً إلى المرأة اليمنية البسيطة في القرى البعيدة.

وتتابع: ” التكريم الحقيقي سيكتمل يوم تستطيع أي امرأة يمنية، في أبعد قرية، أن تمارس حقها في اتخاذ القرار وأن تنتزع حقوقها كاملة دون خوف من تهديد أو إقصاء أو تهميش “.

حين يصبح الأثر تكريماً

مُنحت رشا جائزة “إيريني – قوة السلام” تقديراً لإسهاماتها في دعم النساء، وتعزيز المشاركة الفاعلة لهن، والعمل مع المجتمعات المتأثرة بالنزاعات والصراعات.

وجرى اختيارها من بين عدد من المرشحات عبر لجنة تحكيم دولية ضمت خبراء وممارسين في مجالات الوساطة والدبلوماسية من عدة دول.

كما ضمت قائمة الفائزات شخصيات من أرمينيا وجورجيا وكندا، الأمر الذي وضع اليمن في قلب الحراك النسوي الدبلوماسي العالمي.

ومن المقرر أن تتسلم جرهوم جائزتها الجمعة المقبلة الموافق 26 من يونيو/حزيران 2026 بالعاصمة الأرمينية يريفان، خلال افتتاح مؤتمر IAMPE الدولي الذي يجمع خبراء وممارسين في مجالات الوساطة والدبلوماسية وبناء السلام.

تؤمن جرهوم أن التكريم الحقيقي لا يقاس بعدد الدروع والأوسمة، وإنما بحجم الأثر الذي يتركه الإنسان في حياة الآخرين.

فيما يبدو الفوز بجائزة “إيريني – قوة السلام” خطوة جديدة في رحلة طويلة، تحولت خلالها ابنة الوزيرة إلى أيقونة لتعزيز سلام اليمنيات على المستوى الدولي، حاملةً معها حلماً قديماً يتجدد باستمرار: أن ترى اليمن دولة عادلة تتسع للجميع، وأن تجد كل امرأة يمنية مكانها الطبيعي في المجتمع.

مقالات أخرى