سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس
في عدد من المحافظات اليمنية، تتحول الخلافات الزوجية أحيانًا إلى حالة تُعرف شعبيا بـ “الحنق”، حيث تعود المرأة إلى منزل أسرتها بعد نزاع مع زوجها، لتبقى هناك أشهرًا أو سنوات دون طلاق أو عودة إلى بيت الزوجية. وخلال هذه الفترة تجد نفسها عالقة بين وضعين متناقضين؛ فهي ليست زوجة تنعم بحقوقها واستقرارها الأسري، ولا مطلقة تستطيع أن تبدأ حياة جديدة.
وتزداد معاناة بعض النساء عندما يتحول هذا الوضع إلى وسيلة ضغط أو عقاب يمارسها الزوج، فيمتنع عن إرجاع زوجته إلى منزلها، ويرفض في الوقت ذاته إنهاء العلاقة رسميًا. وبين بيت الأهل والمحاكم والانتظار الطويل، تبقى كثير من النساء معلقات بين الأرض والسماء، يحملن صفة الزوجة دون أن يعشن حياة زوجية حقيقية. في هذا التقرير نعرض المشكلة، ونستعرض الجوانب القانونية لها..
هاجر:”تزوجت وأنجبت طفلي، وكانت بيني وبين زوجي بعض الخلافات الأسرية المعتادة. بعد تصاعد المشاكل سافر زوجي وتركني في بيت أهلي، ومنذ ذلك الوقت مرّت الشهور ثم السنوات دون أن يعود أو يحسم مصيرنا”
علاقة زواج بلا زوج
في مدينة تعز، كانت هاجر محمد تردد مثل غيرها من الفتيات ما سمعته طوال حياتها من عبارات اجتماعية تؤكد أن مستقبل المرأة مرتبط ببيتها وزوجها. لكنها لم تتخيل يومًا أن تصبح أسيرة علاقة زوجية لا تمنحها الاستقرار ولا تتيح لها الانفصال.
تقول هاجر لـ “نسوان فويس”: “تزوجت وأنجبت طفلي، وكانت بيني وبين زوجي بعض الخلافات الأسرية المعتادة. بعد تصاعد المشاكل سافر زوجي وتركني في بيت أهلي، ومنذ ذلك الوقت مرّت الشهور ثم السنوات دون أن يعود أو يحسم مصيرنا”.
تتوقف قليلًا قبل أن تضيف: “لا هو مستعد يرجعني إلى بيتي، ولا يوافق على الطلاق. أصبحت معلقة؛ لا متزوجة أعيش حياة طبيعية، ولا مطلقة أبدأ من جديد”.
ومع غياب أي دعم من الزوج، وجدت نفسها مضطرة للبحث عن مصدر دخل يعينها على مواجهة أعباء الحياة. تقول: “أحاول إعالة نفسي وطفلي قدر استطاعتي، لكن الأصعب من الظروف المادية هو الشعور بأنني أعيش في علاقة زواج بلا زوج”.
وتستعيد هاجر واحدة من أكثر اللحظات قسوة في حياتها: “في مرة ضاقت بي الحال ولم أجد مصاريف لابني ولا لي. وعندما تعود المرأة إلى بيت أهلها لا تعود معاملتها كما كانت قبل الزواج. يومها قررت الاتصال بزوجي والتنازل عن كل شيء من أجل طفلي. لكن أول ما سمع صوتي قال: (اتعفيني أنتِ وابنك عند أهلك، ولا لي دخل فيكم)”.
وتتابع: “سألته لماذا لا تطلقني إذا كنت لا تريدني، فكان رده: (أنا حر). يومها بكيت كثير وشعرت أن حياتي كلها أصبحت رخيصة بين يديه، وأنه قادر على التحكم بمصيري دون أن أملك أي وسيلة لتغيير ذلك”.
المقطري: “المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب النصوص القانونية، فالقانون اليمني شرّع دعاوى الفسخ للهجر أو عدم الإنفاق، بَيد أن الأزمة ترتبط بطول إجراءات التقاضي وصعوبة الوصول إلى العدالة بالنسبة للنساء محدودات الدخل، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها مدينة تعز”
قصة هاجر ليست استثناء. فهناك نساء كثيرات وجدن أنفسهن في الموقف ذاته، ومن بينهن رنا علي – المقيمة في تعز أيضًا- التي كانت تحلم بحياة أسرية مستقرة، لكنها وجدت نفسها بعد عامين من الزواج في مواجهة مصير مختلف.
تقول رنا في حديثها لـ ” نسوان فويس”: “تزوجت من أجل الاستقرار والسعادة، لكنني اكتشفت أنني متزوجة بالاسم فقط. زوج موجود في الأوراق، لكنه غائب عن حياتي بالكامل”.
وتوضح أن حياتها الزوجية كانت مليئة بالخلافات، وأن زوجها كان يكرر تهديدا واحد كلما احتدمت المشاكل بينهما. وتقول: “كان يقول لي باستمرار إنني لن أنال الطلاق أبدًا، وإنه سيبقيني معلقة”.
وعندما طالبت بحل واضح للأزمة، سواء بالصلح أو الانفصال، تلقت ردًا لا تزال تتذكره حتى اليوم: “قال لي: بخليك كذا لا مزوجة ولا مطلقة”.
مرّت الأشهر وتحولت إلى أكثر من عام من الانتظار. وخلال هذه الفترة لم تكن المعاناة مقتصرة على غياب الزوج، بل امتدت إلى نظرة المجتمع وأسئلته اليومية.
تقول رنا: “الناس يسألون باستمرار: متى ستعودين إلى زوجك؟ ولماذا لا تتزوجين؟ ولا أحد يدرك أن القرار ليس بيدي. أنا معلقة بين خيارين لا أملك أيًا منهما”.
وتشير إلى أن الوضع يصبح أكثر قسوة عندما تكون الأسرة محدودة الدخل وغير قادرة على تحمل تكاليف التقاضي.
وتقول: “بعت سلسلة ذهب كانت معي حتى أبدأ إجراءات المطالبة بحقوقي، لكنني اكتشفت أن المحاكم تحتاج إلى مبالغ كبيرة وصبر لسنوات طويلة. قد تبيع المرأة كل ما تملك، وفي النهاية لا تصل إلى حل سريع”.
وتضيف: “هذا الأمر يكسر المرأة نفسيًا. تشعر أنها تدفع ثمن خلاف لم تعد تملك القدرة على إنهائه”.

بين النص القانوني والواقع المعقد
تضع هذه المعاناة اليومية للنساء كلفة التقاضي وطول الإجراءات في مواجهة مباشرة مع نصوص التشريع اليمني، الذي يفترض أنه وضع حلولاً حاسمة لمنع بقاء المرأة معلقة.
حيث يواجه قانون الأحوال الشخصية اليمني رقم (20) لسنة 1992 سلوك تعليق الزوجة بوضوح. وتنص المادة (50) منه على حق الزوجة في طلب الفسخ للضرر في حال امتنع الزوج عن الإنفاق عليها. كما تمنح المادة (52) المرأة حق طلب الفسخ للهجر إذا غاب الزوج أو تركها مدة تزيد عن سنة دون عذر مقبول، حتى وإن كان يترك لها مالاً تنفق منه، باعتبار الهجر بحد ذاته ضرراً يبيح إنهاء العلاقة.
غير أن الواقع العملي يصطدم بعقبات إجرائية؛ وتوضح المحامية وئام المقطري هذه الفجوة قائلة: “المشكلة الأساسية لا تكمن في غياب النصوص القانونية، فالقانون اليمني شرّع دعاوى الفسخ للهجر أو عدم الإنفاق، بَيد أن الأزمة ترتبط بطول إجراءات التقاضي وصعوبة الوصول إلى العدالة بالنسبة للنساء محدودات الدخل، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة التي تعيشها مدينة تعز”.
وتضيف المقطري في حديثها لـ “نسوان فويس”: “بعض الأزواج يستغلون هذه التعقيدات الإجرائية، كصعوبة إعلان الزوج أو سفره، لإطالة أمد النزاع كنوع من الكيد والسيطرة، وهو ما يحول عقد الزواج من ميثاق غليظ إلى أداة للضغط النفسي، الأمر الذي ينعكس سلباً على الأطفال الذين ينمون في بيئة مشتتة وغير مستقرة”.
ووفقاً للمقطري، فإن الحد من هذه المعاناة يتطلب اتخاذ خطوات عملية من قبل السلطات القضائية والمجتمعية، أبرزها: تسريع إجراءات التقاضي، من خلال إنقاص الفترات الزمنية الممنوحة في قضايا الأحوال الشخصية والنفقة الزوجية لكونها قضايا مستعجلة تمس قوام الحياة اليومية.
وكذا تفعيل العون القضائي، بتوفير آليات دعم قانوني مجاني للنساء المعسرات وغير القادرات على دفع رسوم المحاماة وأجور التنقل.
بالإضافة إلى تطوير مكاتب التوجيه الأسري، ويكون بتعزيز دور مكاتب الإرشاد التابعة لوزارة العدل لحسم النزاعات ودياً قبل وصولها للمحاكم وتراكم العقبات الإجرائية.

وفي الوقت الذي تستمر فيه المعاناة خلف الأبواب المغلقة، يبقى السؤال قائماً أمام المؤسسات القانونية والاجتماعية: إلى متى تظل المرأة حبيسة وضع رمادي، يدفع من عمرها كلفة خلافات جمدها العناد وطول الإجراءات؟
فخلف كل حالة “حنق” طويلة الأمد تقف امرأة تنتظر قرارًا يعيد إليها حقها في حياة مستقرة، سواء بالعودة إلى بيت زوجية قائم على التفاهم والاحترام، أو بإنهاء علاقة فقدت مقومات استمرارها. وحتى يحدث ذلك، ستظل كثير من النساء عالقات بين الأرض والسماء، يحملن صفة الزوجة دون أن يمتلكن حياة زوجية حقيقية.

