أمل وحيش – نسوان فويس
بين مطرقة الاحتياج وسندان غياب المعيل أو قلة حيلته، تجد كثير من النساء اليمنيات أنفسهن في مواجهة مباشرة مع أعباء الحياة وقسوتها. إذ تقرر هؤلاء النسوة غزل “سجادة أمل” من خيوط الشمس، تنقلهن من قلب المعاناة إلى فضاء العطاء والتمكين بدلاً من الاستسلام.
يتعلمن أعمال وحرف ومهن، لا كوسيلة لسدّ الرمق، بل تحوّلت كنافذة تتنفسن عبرها، ويمنحن عبرها حياتهن وحياة أسرهن شيئاً من الكرامة والأمل والاستقرار.
في هذا التقرير، عدد من القصص لنساء ملهمات استطعن الخروج من دوامة اليأس والإحباط وضيق الحال، إلى فضاء الانتصار على الذات، متغلبات على العجز القائم ببذل مزيد من العطاء.
العمل كرامة، ووسيلة لدعم الأسرة ومساندة الرجل، شرط ألا يتخلى الأخير عن مسؤولياته أو يركن كلياً إلى عملها، انطلاقا من أن غايتها المساندة لا الاستبدال

كفاح فوق التنور
منذ عشر سنوات، وتحديداً منذ قررت وزوجها الاستقلال بأسرتهما الصغيرة في منزل منفصل بصنعاء، لم تكن بلقيس حسن تملك سوى إرادتها وخاتم ذهب، لم تتردد حينها في بيعه، لتشتري ” تنوراً”، معلنة بذلك بداية رحلة كفاح في صناعة الذمول- نوع من أنواع الخبز- والخبز وكعك العيد والكعك اليمني بأنواعه.
بدأت بلقيس مشروعها بغرض مساندة زوجها في مواجهة ظروف الحياة الصعبة، لكن القدر شاء أن يفقد زوجها عمله. وأمام إيجار شهري يبلغ ستين ألف ريال، ومصاريف مدارس ومتطلبات معيشية لا تنتهي، أصبحت بلقيس الركيزة التي تقوم عليها الأسرة، لتواجه بجهدها وصحتها عثرات الحياة، وتوفر لأبنائها أبسط مستلزمات العيش.
في بداياتها، واجهت اعتراضات من محيطها، إذ كان اللوم يوجَّه لفكرة عمل المرأة بدلاً نفسه، لكنها كانت ترد دائماً بثقة: “الشغل مش عيب، العيب هو مد اليد للناس”.
وتستذكر بلقيس تلك اللحظة التي لا تُنسى في حديث لـ “نسوان فويس” حين تسلمت أول دخل من بيع مخبوزاتها؛ كانت فرحتها غامرة وهي ترى نفسها قادرة على شراء جزء ولو بسيط من احتياجات أطفالها من عرق جبينها، دون أن تحتاج لأحد.
وتحمل بلقيس رسالة واضحة لكل امرأة، مفادها أن العمل كرامة، ووسيلة لدعم الأسرة ومساندة الرجل، شرط ألا يتخلى الأخير عن مسؤولياته أو يركن كلياً إلى عملها، انطلاقا من أن غايتها المساندة لا الاستبدال.
مختتمة قصتها بالقول: “الحمد لله، ربك يعين.. ورغم التعب، كل شيء يهون لأجل الأبناء”.

حلم خارج المختبر
بخبرة تمتد لعشر سنوات، استطاعت أمل يحيى عبد الحق، الباحثة في مجال الميكروبيولوجي، أن تؤسس مشروعها الخاص في صناعة المنظفات تحت اسم “كلينيو”.
وأوضحت لـ “نسوان فويس” أن دافعها الأساسي كان استثمار وقتها فيما ينفع، مشيرة إلى الترابط الوثيق بين تخصصها العلمي وهذا المجال القائم على أسس كيميائية دقيقة.
هذا المشروع حد تأكيدها لم يكن مجرد نشاط تجاري بالنسبة لها، بل أحدث فارقاً ملموساً في حياتها وحياة أسرتها على المستويين المادي والمعنوي.
وعن مصدر قوتها تقول: “أنا مؤمنة بنفسي وبقدراتي، وأستمد هذه القوة من إيماني بالله، ومن المبدأ الذي أعيش عليه، وهو أن أكون خير خليفة على الأرض”.
وتؤكد أمل أن للعمل الحر أثراً نفسياً عميقاً، لأنه يعزز فكرة الاعتماد على الذات، خصوصاً حين يكون الدخل نابعاً من تعب المرأة وجهدها. واصفة شعورها عند حصولها على أول عائد مادي بقولها: “شعور جميل يعزز فكرة أننا نستطيع فعل أي شيء وتحقيق أي هدف ما دمنا نأخذ بالأسباب”.

تواصل المرأة اليمنية، بمختلف فئاتها العمرية، دورها المحوري في رفد الاقتصاد المحلي، سواء عبر إطلاق مشاريع مبتكرة أو من خلال إتقان حرف يدوية تضمن لها إعالة أسرتها وتوفير حياة كريمة
ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
نقوش ضد الانكسار
تواصل المرأة اليمنية، بمختلف فئاتها العمرية، دورها المحوري في رفد الاقتصاد المحلي، سواء عبر إطلاق مشاريع مبتكرة أو من خلال إتقان حرف يدوية تضمن لها إعالة أسرتها وتوفير حياة كريمة.
وتبرز قصة “أم علي”(24 عاماً) سيدة مطلقة وأم لطفلين، كنموذج حي لهذا الصمود، إذ واجهت ظروفاً مادية قاسية قبل أن تمتهن حرفة تساعدها على تحمل أعباء الحياة.
وأمام احتياجات طفليها المتزايدة، ولدت فكرة تعلم ” النقش”.
لكنها اضطرت إلى الاستعانة بالتقنية لجلب صور وفيديوهات تعليمية تطبق عليها، بسبب عدم امتلاكها أي خبرة سابقة، ومن ثم تدرجت أولا بالرسم على الورق ثم على كفوف النساء.
وبإصرار لافت وممارسة استمرت عامين كاملين، تحوّلت أم علي إلى “نقاشة” ماهرة تستقطب النساء والفتيات في مختلف المناسبات.
هذا التحول لم يكن مادياً فقط، بل أحدث نقلة نوعية في شخصيتها؛ فبعد أن كانت تنتظر المساعدة من أسرتها أو من طليقها الذي لا يكاد ينفق على طفليه، أصبحت هي اليد المعطاءة والمسؤولة.
وعن الأثر النفسي لهذا الإنجاز، تؤكد أم علي أنه رغم المجهود البدني الشاق للمهنة، فإن حالتها النفسية تحسنت كثيراً، مضيفة أن العمل ساعدها على توفير الاحتياجات الأساسية لأطفالها، وترميم جراح الطلاق، وتجاوز خوفها من المستقبل، بل ومكنها من تقديم دعم بسيط لأسرتها من دخلها الخاص.

ترميم عبر الحرفة
تساهم الحرفة في ترميم تقدير الذات لدى المرأة من خلال الإنجاز الملموس، وهو ما يخفف من حدة القلق المرتبط بفقدان الأمان المادي، ويحفز المرونة النفسية لمواجهة الصدمات المستقبلية.
وبحسب المختص والمعالج النفسي مرتضى النجاري، في حديث لـ “نسوان فويس” فإن تعلم المهارات والحرف اليدوية يعد أداة فعالة للتفريغ الانفعالي والتركيز الذهني، ويساعد المرأة على إعادة بناء هويتها الشخصية بعيداً عن ألم الفقد وضغوط الحاجة الاقتصادية.
كما يؤكد النجاري أن التحول نحو الاستقلال المالي عبر الحرفة يكسر دائرة “العجز المكتسب”، ويستبدل مشاعر الدونية بوعي جديد بالقدرة والكفاءة، موضحاً أن الاعتماد على النفس يمثل حجر الزاوية في التعافي النفسي.
وعن أهمية العمل بالنسبة للمرأة، خاصة في ظل الظروف المعيشية القاسية، وكيف يحميها من الوقوع في الابتزاز أو الانحراف السلوكي نتيجة الحاجة، يقول النجاري: “يحمي العمل المرأة من خلال توفير دخل مستقل يقطع الطريق أمام المستغلين، كما يهيئ لها بيئة اجتماعية مهنية تعزز وعيها بحقوقها وكرامتها، ويمنحها تقديراً ذاتياً وانشغالاً بأهداف بناءة، ما يحصنها نفسياً وسلوكياً ضد أي إغراءات ناتجة عن الفراغ أو الحاجة”.
أصبح دور المرأة محورياً، سواء بصفتها المعيل الوحيد للأسر التي فقدت عائلها، أو كشريك يسند الرجل في مواجهة موجات الغلاء وتفاقم الفقر والبطالة
أمان من الداخل
أما فيما يتعلق بالأمان النفسي، فإن الاكتفاء الذاتي للمرأة يعد ركيزة أساسية لتحقيقه، كونه يحرر إرادتها من سلطة الاحتياج المادي المهين، ويخلق لديها حالة من الرضا الداخلي والاستقرار.
ويرى النجاري أن هذا الأمان لا يكتمل إلا بالتوازن بين الاستقلال المادي والدعم الاجتماعي والعاطفي السوي، حتى تصل المرأة إلى مرحلة من الصلابة النفسية والمرونة المنشودة.
كما أن للحرفة أو المهنة التي تدر دخلاً على الأسرة -خاصة في ظل غياب المعيل بسبب الوفاة أو الانفصال – دوراً مهماً في تعزيز شعور الأبناء بالأمان والثقة.
فعندما يرى الأبناء أمهم تكافح وتعمل من أجلهم، يغرس ذلك في نفوسهم الثقة، ويجعلهم يدركون أن الصعوبات يمكن تجاوزها بالعمل والصبر، لا بالاستسلام، وهو ما ينعكس مستقبلاً على شخصياتهم، ويزيد من قدرتهم على تحمل المسؤولية ومواجهة الضغوط بطريقة صحية ومنظمة.
لم يعد عمل المرأة في اليمن مجرد خيار ثانوي أو ترفاً تمليه الرفاهية، بل غدا ضرورة فرضتها الظروف المعيشية القاسية التي عصفت بالبلاد خلال سنوات الصراع.
لقد أصبح دور المرأة محورياً، سواء بصفتها المعيل الوحيد للأسر التي فقدت عائلها، أو كشريك يسند الرجل في مواجهة موجات الغلاء وتفاقم الفقر والبطالة.
وأثبتت المرأة اليمنية أنها الصمام والأمان والسند المتين، إذ استطاعت بصبرها وجلدها أن تحول مواطن الضعف إلى مكامن قوة، وأن تستبدل الهشاشة بصلابة استثنائية، لتحافظ على تماسك الأسرة واستمرار عجلة الحياة رغم كل الانكسارات.

