حين يصبح الهاتف طرفًا ثالثًا في الزواج

شارك المقال

سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس 

“ما كنت متوقعة أن تطبيقاً قد يخرب زواجي”، بهذه الكلمات بدأت “عبير” (اسم مستعار) حديثها لمنصة “نسوان فويس”، وهي تسترجع تفاصيل سنوات تغيّرت فيها حياتها بهدوء، قبل أن تنقلب فجأة إلى خلافات ومشاكل أسرية كادت تعصف باستقرارها الزوجي.

تزوجت عبير – 30 عامًا- قبل خمس سنوات، وانتقلت للعيش مع زوجها في المدينة بعيداً عن أسرتها المستقرة في الريف. لكن ظروف العمل دفعت زوجها للسفر خارج اليمن بشكل مستمر. وبين مسؤوليات المنزل ورعاية الأطفال، ومع غياب شبه كامل للحياة الاجتماعية والدعم الأسري، تقول إنها كانت تقضي ساعات طويلة بمفردها، بينما ينشغل كل من حولها بحياته. ومع مرور الوقت، أصبح الهاتف رفيقها اليومي، حتى قادها أحد التطبيقات إلى عالم جديد من المحادثات الصوتية والغرف الافتراضية؛ وهو ما غيّر مسار حياتها تدريجيًا.

ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

الفراغ الذي يفتح أبوابًا غير متوقعة

تصف عبير لـ “نسوان فويس” تلك المرحلة قائلة: “كنت أجلس بالساعات وحدي؛ زوجي بعيد، وأهلي كلٌّ مشغول بحياته، ولم أكن أخرج كثيراً، فكان الهاتف هو عائلتي البديلة”.

هذا الفراغ العاطفي والاجتماعي دفعها لقضاء وقت أطول على الشاشة، متنقلة بين التطبيقات بحثاً عن التسلية وكسر العزلة. لاحقاً، اكتشفت تطبيقاً للمحادثات الصوتية يتيح إنشاء غرف نقاش وتعارف، مع إمكانية تبادل الهدايا الرقمية، وأحياناً تحويلات مالية بين المستخدمين.

وتضيف: “في البداية شعرت بالخوف، لكن مع الوقت اعتدت الأمر. كنت أتحدث باسم مستعار، وأشعر أنني أتعرف على أشخاص جدد للتسلية”. ومع استمرار الاستخدام، لم يعد الأمر مجرد ترفيه مؤقت، بل تحول إلى نشاط يومي تقضي فيه ساعات طويلة داخل غرف صوتية تتحدث فيها مع غرباء في حوارات متواصلة.

ورغم أن التطبيق يتيح تلقي مبالغ مالية وهدايا، تؤكد عبير أنها لم تتلقَّ شيئاً، مضيفة: “لم أكن أرى أن الموضوع خاطئ، بل كنت أعتبره تسلية وفائدة في آن واحد”.

لكن هذا المسار لم يمر دون تبعات؛ إذ اكتشف زوجها لاحقاً تفاصيل استخدامها للتطبيق، وما يتضمنه من تواصل رقمي، ومنذ ذلك اليوم اشتعلت المشاكل وتحولت الخلافات إلى حالة من الشك المتبادل والنقاشات اليومية الحادة، ما ألقى بظلاله على العلاقة الزوجية ودفعها نحو نفق مظلم من التوتر.

إذا كان السفر قد صنع فجوة غياب حقيقي في قصة عبير، فإن التكنولوجيا قادرة على صياغة غياب من نوع أخر، غياب بجسد حاضر وروخ غائبة خلف الشاشة. هذا ما تعيشه تهاني -43 عامًا- التي تصف حياتها الزوجية بأنها باتت في حكم المنتهية، بعد أن تحول الهاتف إلى جدار عازل يفصلها عن زوجها داخل منزل واحد.

تتشارك تهاني مع زوجها تفاصيل العيش ورعاية أطفالهم الثلاثة، لكنها في الواقع تواجه تلك المسؤوليات بمفردها.

تقول لـ “نسوان فويس” بنبرة يملؤها الخذلان: “يقضي زوجي جل وقته في المنزل منكبّاً على هاتفه، استدرجته ألعاب الفيديو وتطبيقات المحادثة الجماعية مع الغرباء، ومن بينهم فتيات، حتى أصبح غريبًا في بيته”.

لم تقف تهاني مكتوفة الأيدي؛ بل حاولت مراراً لفت انتباهه وكسر هذا الإدمان الرقمي الذي يلتهم أسرتهما، ووصلت الخلافات بينهما إلى مغادرتها منزل الزوجية واللجوء لبيت أهلها غاضبة لأكثر من مرة، على أمل أن يشعر بحجم الفراغ الذي يتركه.

تتابع بمرارة: “حاولت بكل الطرق، تركت المنزل مراراً معترضة على هذا الوضع، لكن دون جدوى. في النهاية، عدت من أجل أطفالي فقط، وقررت أن أعيش لأجلهم.. أما هو، فقد اختار أن يعيش وحيداً في عالمه الافتراضي، حتى وإن كان ينام معنا تحت السقف ذاته”.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

غياب الوعي والاحتواء العاطفي

في هذا السياق، تقول صباح راجح، القائم بأعمال اتحاد نساء اليمن، لـ ” نسوان فويس” إن الاتحاد يسعى إلى تقديم الدعم النفسي والاستشارات للنساء اللاتي يواجهن ضغوطاً اجتماعية وأسرية، إلا أن الواقع المعيشي الصعب وغياب الوعي يشكلان عاملين رئيسيين في تفاقم هذه المشكلات.

وأضافت راجح: “نحن لا نضع تبريرات بقدر ما نحاول فهم الأسباب الحقيقية؛ فلا بد أن نعرف لماذا تلجأ بعض النساء، وحتى الرجال أيضاً، إلى الدخول في هذه التطبيقات. هناك فراغ عاطفي، وضغوط نفسية، وظروف اقتصادية صعبة، وكلها عوامل تدفع البعض للبحث عن متنفس في العالم الرقمي”.

وتؤكد أن الوحدة العاطفية وغياب التواصل الأسري قد يدفعان الأفراد إلى خلق علاقات رقمية بديلة تمنحهم شعوراً مؤقتاً بالاحتواء، لكنها قد تتحول لاحقاً إلى مصدر تهديد لكيان الأسرة، خصوصاً عندما تهتز الثقة الزوجية. وتوضح أن التطبيقات الصوتية تخلق إحساساً زائفاً بالقرب الاجتماعي، ما يجعل المستخدم يتعلق بها تدريجياً، لا سيما إذا كان يعاني من عزلة مسبقة.

بين الخصوصية والخلافات الأسرية

من الناحية القانونية، توضح المحامية وئام المقطري في حديثها لـ” نسوان فويس” أنه “رغم الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي والتطبيقات الإلكترونية في الواقع اليمني، إلا أنه لا يوجد حتى الآن تشريع خاص ينظم ما يُعرف بالجرائم الإلكترونية أو يضبط الفضاء الرقمي بشكل عام، الأمر الذي يجعل التعامل مع هذه القضايا خاضعاً للقواعد العامة في قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994، مع ترك مساحة لتقدير القضاء بحسب كل حالة”.

وتضيف المقطري: “بناءً على القواعد القانونية القائمة، فإن مجرد استخدام تطبيقات المحادثة أو التواصل مع أشخاص مجهولين لا يعد بحد ذاته سبباً كافياً لقيام نزاع أسري أو للمطالبة بالطلاق. غير أن الأمر قد يختلف إذا ارتبط هذا السلوك بعلاقة عاطفية أو تصرفات تخل بالواجبات الزوجية، حيث يمكن حينها اعتبارها قرينة تقدرها المحكمة ضمن ظروف القضية”.

أما فيما يتعلق بتلقي أموال أو هدايا من أشخاص مجهولين عبر هذه التطبيقات، فتبين المقطري أن “الأصل هو عدم التجريم، إلا إذا ارتبطت هذه التصرفات بجرائم أخرى مثل الاحتيال أو الابتزاز، وهي أفعال يعاقب عليها القانون اليمني وفق النصوص العامة”.

وحول ما يُتداول عن “الخيانات الإلكترونية”، أشارت المقطري إلى أن “القانون اليمني لم يسن لها حتى الآن أي تشريعات خاصة ولم يُكيفها قانونياً بصيغة مستقلة، وإنما يتم تكييفها وفق طبيعة الفعل ذاته؛ فإذا تجاوزت حدود التواصل إلى أفعال تمس الخصوصية أو تنطوي على محتوى مخل بالآداب أو الاستغلال، فقد تدخل ضمن جرائم يعاقب عليها القانون”.

تشير التقارير الرقمية إلى تصاعد مستمر في نسب استخدام المنصات التفاعلية وغرف الدردشة الصوتية في اليمن، حيث تحولت هذه التطبيقات من مجرد وسيلة ترفيه إلى ملاذ يومي لآلاف الشباب والنساء الباحثين عن كسر العزلة أو تحقيق مكاسب رقمية، في ظل واقع محلي تضيق فيه خيارات الترفيه والتمكين الاقتصادي.

وبين فراغ لا يُشغل بمهام نافعة، وهاتف لا يغادر اليد، وتطبيقات تفتح أبوابًا مشرعة للتواصل السريع، تتشكل في العمق قصص أسرية معقدة.. لا تنتهي حكاياتها عند حدود الشاشة.

مقالات أخرى