علياء محمد – نسوان فويس
تدخل نهى توفيق إلى أحد المتاجر بحثاً عن منتجات العناية الشخصية أو مستحضرات العناية بالشعر والبشرة، فتنجذب تلقائياً إلى العبوات ذات التصميم الوردي الأنيق، وتدفع ثمنها باعتبارها الخيار الأنسب لها، دون أن تدرك أن اختيارها لمنتج مماثل موجود في القسم المخصص للرجال، ويؤدي الوظيفة نفسها ويحتوي على مكونات متشابهة، كان من الممكن أن يوفر لها جزءاً من المبلغ الذي أنفقته، لولا الاختلاف في اللون والتغليف وطريقة التسويق.
هذا الفارق السعري لا يُعد مجرد مصادفة أو اختلاف عابر بين المنتجات، بل يعكس ظاهرة اقتصادية معروفة باسم “الضريبة الوردية”. ورغم أن المصطلح يوحي بوجود ضريبة رسمية تفرضها الحكومات، فإن المقصود به في الواقع تكلفة إضافية غير معلنة تفرضها بعض الشركات على المنتجات والخدمات الموجهة للنساء مقارنة بنظيراتها المخصصة للرجال.
مصطلح “الضريبة الوردية” يُستخدم للإشارة إلى الزيادة غير المبررة في أسعار السلع والخدمات التي تستهدف النساء مقارنة بمنتجات مشابهة أو مماثلة مخصصة للرجال، رغم تشابه الجودة أو التطابق الكامل أحيانًا في المكونات والوظائف
ظاهرة أصبحت جزءاً من الحياة الاستهلاكية اليومية للنساء في مختلف أنحاء العالم، تشمل طيفاً واسعاً من السلع والخدمات، بدءاً من أدوات الحلاقة والعطور، مروراً بالملابس ومنتجات العناية الشخصية، ووصولاً إلى بعض الخدمات الصحية.
الجدير بالذكر أن مصطلح “الضريبة الوردية” يُستخدم للإشارة إلى الزيادة غير المبررة في أسعار السلع والخدمات التي تستهدف النساء مقارنة بمنتجات مشابهة أو مماثلة مخصصة للرجال، رغم تشابه الجودة أو التطابق الكامل أحيانًا في المكونات والوظائف، مما يعني عملياً أن المرأة قد تتحمّل تكلفة إضافية لمجرد أنها الفئة المستهدفة من المنتج.
ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
المنتج والسعر والهوية
لمياء يوسف، إحدى المستهلكات، ترى أن الفجوة السعرية بين المنتجات النسائية والرجالية أصبحت واضحة في عدد كبير من القطاعات، خصوصاً في مجالات مستحضرات التجميل والعناية الشخصية والملابس.
وتوضح في حديث لـ”نسوان فويس” أن بعض المنتجات النسائية تُطرح بأسعار أعلى من المنتجات الرجالية المماثلة لها، رغم تشابه المواد المستخدمة أو الوظائف الأساسية التي تؤديها، مشيرة إلى أن الفارق غالباً ما يتمثل في التصميم أو العلامة التجارية أو الأسلوب التسويقي المستخدم في تقديم المنتج.
وتؤكد أن النساء يُشكلن واحدة من أكثر الفئات إقبالاً على شراء منتجات العناية بالبشرة والشعر ومستحضرات التجميل، وهو ما يدفع بعض الشركات إلى استغلال حجم الطلب المرتفع ورفع أسعار هذه المنتجات لتحقيق أرباح أكبر.
كما تشير إلى أن التغليف يؤدي دوراً مؤثراً في تشكيل تفضيلات المستهلكين، حتى وإن لم يكن العامل الوحيد أو الحاسم في قرار الشراء، موضحة أن عدداً كبيراً من النساء ينجذبن إلى المنتجات ذات التصميم الجذاب أو التغليف الذي يوحي بالفخامة والتميز.
تمييز سعري جندري
أظهرت دراسات استهلاكية أجريت في عدد من الدول أن النساء يتحملن سنوياً تكاليف إضافية نتيجة الفروقات السعرية القائمة بين المنتجات النسائية والرجالية.
ويرى الخبير الاقتصادي، سامي محمد قاسم، أن ما يُعرف بالضريبة الوردية يُعد أحد أشكال التمييز السعري في الأسواق، حيث يتم تسويق منتجات متشابهة أو متقاربة في خصائصها ووظائفها بأسعار مختلفة تبعاً للفئة المستهدفة من المستهلكين.
ويعتبر في حديث لـ “نسوان فويس” أن هذه الممارسة تمثل صورة واضحة من صور التمييز السعري المرتبط بالنوع الاجتماعي، إذ تُسعّر بعض المنتجات الموجهة للنساء بأسعار أعلى من المنتجات المماثلة الموجهة للرجال، رغم محدودية الفروق الفعلية بينها أو غيابها في بعض الأحيان.
ويضيف أن جزءاً كبيراً من هذه السلع يندرج ضمن فئة المنتجات غير الأساسية أو المنتجات ذات الطابع الكمالي، وهو ما يجعل عملية التسعير لا تعتمد فقط على تكاليف الإنتاج أو معادلات العرض والطلب التقليدية، وإنما تتأثر كذلك بعوامل أخرى مثل قوة العلامة التجارية والصورة الذهنية للمنتج والاستراتيجيات التسويقية المعتمدة.
وفي السياق نفسه، أوضح قاسم أن ارتفاع معدلات الإقبال والولاء للعلامات التجارية لدى شريحة من المستهلكات يمنح الشركات مساحة أوسع لتسعير المنتجات النسائية عند مستويات أعلى، حتى عندما تكون متشابهة إلى حد كبير مع منتجات موجهة للرجال.
وأكد أن هذه الفروقات السعرية لا ترتبط بالضرورة بارتفاع تكاليف التصنيع أو الإنتاج، وإنما تعكس في كثير من الحالات سياسات تسويقية وتجارية تهدف إلى تعظيم الأرباح وتحقيق الأهداف البيعية من خلال استثمار السلوك الشرائي للفئات المستهدفة.
وحول الآثار الاقتصادية لهذه الظاهرة، أشار إلى أن من أبرز تداعيات الضريبة الوردية ترسيخ فكرة أن المنتجات المخصصة للنساء يجب أن تكون أعلى سعرًا من غيرها بغض النظر عن تكلفتها الفعلية، كما قد تسهم في تعزيز أنماط التمييز السعري داخل الأسواق وتؤثر في آليات المنافسة العادلة وتسعير المنتجات الجديدة مستقبلاً.

التغليف يصنع الفارق
ترى خبيرة التجميل، سماح كمال، استناداً إلى خبرتها المهنية، أن بعض المنتجات النسائية تحتوي بالفعل على مكونات أو تركيزات مختلفة تتناسب مع احتياجات البشرة أو الشعر، إلا أن فارق السعر لا يرتبط دائماً بالجودة أو المكونات الفعلية.
وتؤكد لـ”نسوان فويس” أن هناك حالات عديدة يكون فيها المنتج النسائي متشابهاً بدرجة كبيرة مع نظيره الرجالي، بينما يقتصر الاختلاف على التغليف أو طريقة التسويق أو الهوية البصرية المستخدمة في عرضه.
كما تشير إلى أن التسويق والهوية البصرية يؤديان دوراً رئيسياً في رفع أسعار المنتجات الموجهة للنساء، إذ تنفق الشركات مبالغ كبيرة على تصميم العبوات والإعلانات وبناء صورة ذهنية محددة للمنتج، وهو ما ينعكس في نهاية المطاف على السعر الذي يدفعه المستهلك.
يؤدي التسويق النفسي دوراً محورياً في التأثير على قرارات الشراء، إذ لا يقتصر على إبراز خصائص المنتج ومميزاته، بل يتجاوز ذلك إلى ربطه بمشاعر مثل الثقة بالنفس والجاذبية والاهتمام بالذات، وهو ما يتيح لبعض العلامات التجارية تسويق منتجات متقاربة في الجودة بأسعار متفاوتة اعتماداً على قوة الصورة الذهنية المرتبطة بها
سيكولوجية القرار الشرائي
ولفهم أسباب لجوء الشركات إلى هذه الممارسات، يقول عبد الجليل بن حيدر، استشاري التسويق، إن هناك عدة عوامل تفسر ارتفاع أسعار بعض المنتجات النسائية مقارنة بنظيراتها الرجالية، ومن أبرزها استراتيجية تقسيم السوق التي تعتمد على تسعير المنتجات وفق القيمة التي يدركها المستهلك، وليس فقط وفق تكلفة إنتاجها الفعلية.
ويضيف متحدثا لـ “نسوان فويس” أن الشركات تلجأ أحياناً إلى إضفاء خصائص شكلية وتسويقية على المنتجات بهدف إبرازها كمنتجات نسائية، حتى وإن كانت متشابهة وظيفياً مع المنتجات الرجالية، كما أن قنوات التوزيع ومواقع البيع قد تسهم في رفع الأسعار عندما تُطرح هذه المنتجات في متاجر أو أقسام تُصنف على أنها أكثر فخامة.
أما فيما يتعلق بالتسويق النفسي، فيؤكد بن حيدر أنه يؤدي دوراً محورياً في التأثير على قرارات الشراء، إذ لا يقتصر على إبراز خصائص المنتج ومميزاته، بل يتجاوز ذلك إلى ربطه بمشاعر مثل الثقة بالنفس والجاذبية والاهتمام بالذات، وهو ما يتيح لبعض العلامات التجارية تسويق منتجات متقاربة في الجودة بأسعار متفاوتة اعتماداً على قوة الصورة الذهنية المرتبطة بها.
ومن جانب آخر، أوضح أن الألوان والتغليف يمثلان من أهم الأدوات المستخدمة في هذا السياق، حيث تسهم الهوية البصرية في توجيه المنتج نحو فئة محددة من المستهلكين. فغالباً ما تُستخدم الألوان الوردية والبنفسجية والتصاميم الناعمة في المنتجات النسائية لإضفاء إحساس بالأنوثة والنعومة والأناقة، بينما تميل المنتجات الرجالية إلى استخدام ألوان وتصاميم ورسائل تسويقية تركز على القوة والعملية والتحمل، بما يعزز شعور المستهلك بأن المنتج صُمم خصيصاً لتلبية احتياجاته.
وفيما يتعلق بمدى تأثر النساء بالتسويق أكثر من الرجال، يقول بن حيدر: “الفكرة الشائعة تقول نعم، لكن الواقع أكثر تعقيداً من ذلك. صحيح أن النساء يتعرضن لحملات تسويقية مكثفة في مجالات معينة، كما أن الرسائل الإعلانية تستهدف الجوانب العاطفية والمرتبطة بالهوية الشخصية، إلا أن ارتفاع مستوى الوعي الاستهلاكي وتوفر المعلومات عبر المنصات الرقمية أسهما في جعل الكثير من المستهلكات أكثر حرصاً على المقارنة بين المنتجات وتقييمها قبل اتخاذ قرار الشراء”.
مواجهة الضريبة الوردية
تُبرر العديد من الشركات فرض أسعار أعلى على بعض المنتجات النسائية بوجود تكاليف إضافية مرتبطة بالتصميم والتغليف والتسويق.
ويؤكد مختصون قانونيون أنه لا توجد في كثير من الحالات نصوص قانونية صريحة تمنع التمييز السعري القائم على النوع الاجتماعي، طالما أن التاجر يعلن الأسعار بشكل واضح ولا يمارس أي شكل من أشكال الغش التجاري.
وفي المقابل، توجد وسائل عديدة يمكن للمستهلكات من خلالها الحد من تأثير الضريبة الوردية، ويأتي في مقدمتها رفع مستوى الوعي الاستهلاكي وتعزيز ثقافة المقارنة بين المنتجات.
وهو ما تقترحه سماح لتجنب الوقوع في فخ الضريبة الوردية، إذ ترى أن تغيير السلوك الشرائي ورفع مستوى الوعي لدى النساء، طريقة ناجعة لإيقاف هذا الاستغلال.
وتنصح المستهلكات بعدم الاعتماد على شكل المنتج أو شهرته فقط عند اتخاذ قرار الشراء، بل بقراءة المكونات ومقارنة المواد الفعالة والحجم والسعر قبل اختيار المنتج.
وتضيف أن المنتج المناسب هو الذي يحقق النتيجة المطلوبة ويلبي الحاجة الفعلية للمستهلكة، وليس بالضرورة المنتج الأعلى سعرًا أو الأكثر شهرة.
لكن السؤال سيبقى مطروحاً أمام الشركات والمجتمع: إلى متى ستواصل النساء دفع تكلفة إضافية غير معلنة لمجرد أن المنتج الذي اخترنه يحمل لوناً أو تصميماً موجهاً إليهن؟

