خلف ستائر الاسترخاء.. هل توفر غرف المساج في اليمن الأمان الذي تبحث عنه النساء؟

شارك المقال

منيرة أحمد الطيار – نسوان فويس

في زحام الحياة اليومية التي تعيشها المرأة اليمنية، بين أعباء العمل ومسؤوليات المنزل وضغوط الواقع المعيشي، لم تعد لحظات الاسترخاء رفاهية عابرة، بل تحوّلت إلى حاجة متزايدة تفرض نفسها بقوة.

الكثير من الإعلانات تصادف المتصفح لمنصات التواصل الاجتماعي، يُلاحظ تنافس عشرات الإعلانات لصالونات التجميل والنوادي الصحية في صنعاء وعدن وتعز على تقديم خدمات المساج والحمام المغربي بوصفها حلولًا سريعة لاستعادة التوازن الجسدي والنفسي.

غير أن ما يبدو في ظاهره مساحة للراحة والاسترخاء يثير أسئلة أكثر حساسية؛ فخلف الستائر المخملية والإضاءة الخافتة يبرز تساؤل جوهري: هل تمتلك الأيدي التي تلامس أجساد النساء التأهيل المهني الكافي؟ وهل توفر هذه الأماكن الحد الأدنى من الخصوصية والأمان الذي تحتاجه المرأة لتشعر بالطمأنينة؟

“دخلت أدور على ساعة راحة يفتهن ظهري فيها من الوجع، لكن لقيت نفسي جالسة مفتجعة. بدل ما أرتاح رجعت قلقة، واتشنج جسمي، ورجع ظهري يوجعني أكثر مما كان”

حكايات خلف الستائر

تجلس سحر (44 عامًا)، على حافة سرير التدليك وهي تغالب ترددا لا تعرف مصدره، رغم حاجتها الشديدة إلى جلسة تخفف آلام ظهرها. في هذه الأثناء تستعيد تجربتها في حديث لـ “نسوان فويس” بمرارة قائلة: “دخلت أدور على ساعة راحة (يفتهن) ظهري فيها من الوجع، لكن لقيت نفسي جالسة (مفتجعة)، وحدها العاملة موجودة في المكان، وبدل ما أرتاح رجعت قلقة، واتشنج جسمي، فوق ذلك ضغطت العاملة بقوة، فرجع ظهري يوجعني أكثر مما كان”.

تجربة سحر ليست حالة فردية، بل نموذج لفهم واقع أكثر تعقيداً، فقد كشف استطلاع رأي أجرته معدة التقرير أن قرار الخضوع لجلسة مساج بالنسبة لكثير من اليمنيات لا يبدأ بالرغبة في الاسترخاء، بل بسؤال ثقيل: من هي المرأة التي سأسمح لها بملامسة جسدي؟

أرقام تثير القلق

ولكي لا يبقى الحديث في إطار الانطباعات الشخصية، استند التقرير إلى عملية رصد وتتبع للمنصات الإعلانية النشطة في العاصمة صنعاء خلال الربع الأول من عام 2026. وأظهرت نتائج الحصر وجود أكثر من 16 مركزاً ونادياً يعلن رسمياً عن تقديم خدمات المساج والحمام المغربي، في حين تعمل ما لا يقل عن عشر جهات أخرى بنظام التوصية الشخصية أو “التزكية”.

وتزامن هذا الرصد مع استبيان شمل خمسين سيدة، رسمت نتائجه خارطة واضحة للمخاوف، إذ أظهرت البيانات أن 85.7% من المشاركات لم يسبق لهن خوض التجربة رغم حاجتهن الجسدية إليها، وكانت الخصوصية في مقدمة أسباب العزوف، تلى ذلك التكلفة المرتفعة، ثم ضعف الثقة بكفاءة العاملات.

أما النتيجة الأكثر لفتاً للانتباه فتمثلت في أن 57.1% من الزبونات اللواتي خضعن للجلسات لم يسألن مطلقاُ عن المؤهلات أو الشهادات المهنية لمقدمات الخدمة، وهي ثغرة قد تفتح الباب أمام إصابات وتبعات جسدية صامتة.

 تفرض بعض صالونات التجميل والنوادي الصحية مبالغ تصل إلى عشرين ألف ريال يمني للجلسة الواحدة، تحت عناوين ترتبط بالرفاهية والديكور والخدمات المصاحبة، فيما يكشف الواقع في المراكز الطبية المتخصصة عن صورة مختلفة تماماً، إذ لا تتجاوز متوسط أسعار جلسات المساج في المراكز العلاجية المتخصصة بصنعاء خمسة آلاف ريال يمني

مفارقة في الأسعار

في مقابل هذا الإقبال المتزايد على الصالونات والنوادي الصحية، برزت مفارقة لافتة عند مقارنة التكاليف؛ إذ تفرض بعض صالونات التجميل والنوادي الصحية مبالغ تصل إلى عشرين ألف ريال يمني للجلسة الواحدة، تحت عناوين ترتبط بالرفاهية والديكور والخدمات المصاحبة، فيما يكشف الواقع في المراكز الطبية المتخصصة عن صورة مختلفة تماماً، إذ لا تتجاوز متوسط أسعار جلسات المساج في المراكز العلاجية المتخصصة بصنعاء خمسة آلاف ريال يمني، بينما تتراوح أسعار الجلسات التأهيلية المصممة وفق الحالة المرضية بين ثلاثة آلاف وخمسة آلاف ريال، وقد تصل في بعض الحالات المعقدة إلى سبعة آلاف ريال فقط، وذلك تحت إشراف متخصصين أكاديميين مؤهلين.

وتطرح هذه الفجوة السعرية تساؤلات جدية حول جدوى دفع مبالغ مضاعفة في أماكن قد تفتقر إلى الخبرة الطبية المتخصصة، في الوقت الذي يمكن فيه الحصول على خدمة أكثر أماناً وبكلفة أقل في المراكز العلاجية.

مخاطر خلف اللمسات

وبالانتقال إلى الجانب المهني، تضع الأخصائية الفيزيائية، فرح حسين، في حديثها لـ “نسوان فويس” مجموعة من الحقائق الطبية التي غالباً ما تغيب عن أذهان كثير من النساء عند التفكير في جلسات المساج.

وتوضح في حديث لـ “نسوان فويس” أن هناك خطوطاً حمراء طبية يتم تجاوزها أحياناً داخل بعض غرف التجميل، مشيرة إلى أن التدليك القوي قد يؤدي إلى ارتفاع خطير في ضغط الدم لدى مرضى القلب وارتفاع الضغط، خاصة في ظل غياب أي ملف صحي للزبونة أو استفسار مسبق عن تاريخها المرضي.

محذرة من استخدام بعض الزيوت العطرية القوية خلال جلسات الحمام المغربي، إذ قد تتسبب في نوبات ضيق تنفس حادة لدى المصابات بالربو أو الحساسية التنفسية.

ولا تتوقف المخاطر عند هذا الحد، فبعد الحمام المغربي تكون العضلات في حالة استرخاء شديدة، ما يجعل الضغط العشوائي عليها أو على العمود الفقري أكثر خطورة، إذ قد يؤدي إلى الضغط المباشر على الفقرات والمفاصل بسبب فقدان العضلات لجزء من قدرتها الطبيعية على الحماية والدعم.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

بين الخصوصية والعلاج

ويتقاطع الجانب الطبي مع الجانب النفسي بصورة وثيقة. فبحسب الأخصائية فرح حسين، فإن شعور المرأة بالقلق أو الخوف من انتهاك خصوصيتها قد يحول جلسة الاسترخاء نفسها إلى مصدر للتوتر.

وتوضح أن ما يعرف علمياً بـ “الانقباض الدفاعي” يحدث عندما تشعر الزبونة بعدم الأمان بسبب ضيق المكان أو احتمال دخول أشخاص غرباء أو ضعف الخصوصية، وهو ما يدفع الجسم إلى إفراز هرمونات التوتر التي تمنع العضلات من الاستجابة الطبيعية للتدليك.

وفي هذه الحالة تفقد الجلسة جزءاً كبيراً من فائدتها العلاجية، لأن الجسم يبقى في حالة دفاع مستمرة بدلاً من الاسترخاء.

ومن هنا تبرز أهمية المراكز المنظمة التي تبدأ بسؤال الزبونة عن تاريخها المرضي وتوفر لها مساحة آمنة تحترم خصوصيتها، وهو ما وجدته أروى، التي وصفت تجربتها في أحد المراكز الطبية المتخصصة بأنها جمعت بين السعر المعقول والخبرة المهنية والخصوصية الصارمة، بعيداً عن الاجتهادات غير المدروسة.

تتوزع تبعية هذه المنشآت بين جهات مختلفة؛ فبعضها يعمل كأندية صحية تحت إشراف وزارة الشباب والرياضة، بينما تُصنف أخرى كصالونات تجميل وتحصل على تراخيص من مكاتب الأشغال، في حين يبدو حضور وزارة الصحة محدوداً أو غائباً في كثير من الحالات

فوضى في التراخيص

في السياق يبقى الجانب الرقابي الحلقة الأكثر غموضاً في هذا الملف، إذ لوحظ من خلال عملية الرصد تزايد الاعتماد على عاملات وخبيرات من جنسيات مختلفة، خصوصاً من الفلبين وروسيا، وهو ما يثير تساؤلات حول الجهات المسؤولة عن التحقق من مؤهلاتهن المهنية.

وتتوزع تبعية هذه المنشآت بين جهات مختلفة؛ فبعضها يعمل كأندية صحية تحت إشراف وزارة الشباب والرياضة، بينما تُصنف أخرى كصالونات تجميل وتحصل على تراخيص من مكاتب الأشغال، في حين يبدو حضور وزارة الصحة محدوداً أو غائباً في كثير من الحالات.

وتُمنح التراخيص غالباً بناءً على مواصفات المكان ومساحته وتجهيزاته، أكثر من ارتباطها بالكفاءة المهنية للعاملات أو المؤهلات العلمية التي يحملنها، ما يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول آليات التحقق من الشهادات والخبرات ومدى مطابقتها للمعايير الصحية المطلوبة.

حق السؤال أولاُ

مما لا شك فيه أن وجود هذا العدد المتزايد من مراكز المساج والحمام المغربي في صنعاء يعكس حاجة حقيقية في السوق، كما يكشف عن تزايد اهتمام النساء بالصحة الجسدية والنفسية، لكن هذا الانتشار نفسه يجب أن يُنظر إليه أيضاً بوصفه جرس إنذار يستدعي تعزيز الرقابة الصحية والمهنية على هذه الخدمات ووضع معايير أكثر وضوحاً لكفاءة العاملات وسلامة الممارسات المتبعة.

وفي المقابل، فإن حق المرأة في السؤال عن مؤهلات من تلمس جسدها والبحث عن البدائل الطبية ذات التكلفة الأقل والخبرة الأعلى هو جزء من وعيها الصحي.

مقالات أخرى