في اليمن: دم النساء فاسد… والرجال معنيون بإنقاذ الحياة

شارك المقال

منيرة أحمد الـطيار – نسوان فويس

تنزف النساء في غرف الولادة، ويئن الأطفال في مراكز الثلاسيميا، ليكون المستهلك الأكبر لـ(قرب) الدم في اليمن هم فئتي النساء والأطفال.

تتداخل بعض المعتقدات، وبعض التصورات الخاطئة لتشكل ثقافة متوغلة في البدائية والجهل تمنع المرأة من إنقاذ روح، بعض هذه المعتقدات ممارسة النساء للحجامة لاستخراج (الدم الفاسد)، وغيرها من الممارسات التي تقصي النساء في اليمن من منح الحياة، ومد شريانها للآخر المحتاج لها

يوم عالمي للحياة

يحتفل العالم باليوم العالمي للمتبرعين بالدم 14 يونيو/حزيران، حيث تتعالى أصوات المنابر الإعلامية التوعوية التي تُعلي من شأن التبرع، وتثني على “واهبي الحياة” لكن دم المرأة يكاد يغيب تماماً عن بنوك الدم، ليتحول التبرع بالدم من فعل إنساني عام منقذ للحياة -في الوعي والواقع اليمني- إلى فعل محصور على الرجال.

تتداخل بعض المعتقدات، وبعض التصورات الخاطئة لتشكل ثقافة متوغلة في البدائية والجهل تمنع المرأة من إنقاذ روح، بعض هذه المعتقدات ممارسة النساء للحجامة لاستخراج (الدم الفاسد)، وغيرها من الممارسات التي تقصي النساء في اليمن من منح الحياة، ومد شريانها للآخر المحتاج لها.

ما يتبرعنيش نسوان

خلف الأرقام الجافة تختبئ قصص تقطر قسوة مجتمعية؛ (س. ع) فتاة عشرينية من صنعاء، وقفت عاجزة أمام سرير والدتها التي كانت ترقد في حالة حرجة وتحتاج لنقل دم عاجل لإنقاذ حياتها. رغم أنها – حد تأكيدها – لـ”نسوان فويس” تتمتع بصحة ممتازة وتطابقت فصيلة دمها تماماً مع والدتها، إلا أن إخوتها الذكور رفضوا بشكل قاطع وخشن استعدادها التبرع لوالدتها، تحت مبرر أن النساء لا يتبرعنّ بالدم، وعليه منعوا الفتاة من التبرع، متجهين للبحث عن متبرعين بدلاء، مفضلين المخاطرة بوقت المحتاجة للدم الثمين على أن تتبرع ابنتها بدمها، في صورة تعكس كيف يُكبل المجتمع رغبة المرأة في الإنقاذ.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

مفارقة الحجامة.. الخوف من الأنيميا ووهم “الدم الفاسد”

في المقابل، تبرز زاوية العزوف الاختياري المكبّل بالموروث الصحي الخاطئ. (أروى. م) تؤكد أنها تذهب بانتظام إلى عيادات الحجامة وتدفع مقابل ذلك أموالاً، لكنها ترفض تماماً فكرة التبرع بالدم، لأسباب تشرحها لـ “نسوان فويس” قائلة: “التبرع بالدم يضعف بنية المرأة ويسبب فقر الدم (الأنيميا) والدوخة، أما الحجامة فهي تخرج الدم الفاسد فقط وتحافظ على صحتي”.

هذا الوهم المجتمعي يؤكده الواقع الرقمي في مراكز السحب؛ حيث يوضح الفني المخبري عبد الله عبد الحفيظ، لـ “نسوان فويس”، حجم الفجوة قائلاً:

“طبياً، لا توجد نسبة تذكر للمتبرعات بالدم في اليمن، فالنساء لا يقبلن على التبرع الطوعي إلا في حالات نادرة جداً، وغالباً ما يأتين فقط إذا شُخّصن بـ زيادة في الدم ورغبن في التخلص منه لراحة أجسادهن”.

هذا السلوك يعكس وعياً مشوهاً؛ فالمرأة اليمنية مستعدة لدفع المال في عيادات الحجامة الشعبية أو التبرع فقط كـ “علاج شخصي لزيادة الدم”، لكنها تتردد في وهبه طوعاً لإنقاذ حياة طفل أو أم تنزف!

تؤكد المعايير الطبية للمركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه أن النساء يستطعن التبرع بالدم بكل أمان مادامت صحتهن سليمة، وذلك بمعدل مرة كل 16 أسبوعاً (4 أشهر)، وهي فترة أمان بيولوجية كافية لتعويض مخزون الحديد، بينما يتبرع الرجال كل 12 أسبوعاً

الأبواب مفتوحة والنساء يستطعن!

على عكس المتداول في الموروث الشعبي الشائع، الذي يربط التبرع بالدم بالذكور فقط، فإن اللوائح الرسمية والطبية لـ المركز الوطني لنقل الدم وأبحاثه في اليمن تكسر هذا الاحتكار؛ حيث يوضح المركز أن التبرع ليس حكراً على الرجال، بل سلوك متاح لكل شخص يتمتع بصحة جيدة، يبلغ من العمر بين 18-65 عاماً، ويزن أكثر من 50 كيلوغراماً، وليس لديه أمراض معدية أو حالات صحية مانعة.

وتؤكد المعايير الطبية للمركز أن النساء يستطعن التبرع بالدم بكل أمان مادامت صحتهن سليمة، وذلك بمعدل مرة كل 16 أسبوعاً (4 أشهر)، وهي فترة أمان بيولوجية كافية لتعويض مخزون الحديد، بينما يتبرع الرجال كل 12 أسبوعاً.

تحت الإشراف الطبي أم في عيادات غير مؤهلة؟

وهنا تبرز مقارنة صارخة يغفل عنها المجتمع: التبرع بالدم يتم داخل مستشفيات ومراكز حكومية معتمدة وتحت إشراف طاقم طبي متخصص، يخضع فيه المتبرع لفحص مجاني دقيق للضغط وقوة الدم والفيروسات قبل سحب قطرة واحدة لضمان سلامته. في المقابل، تندفع النساء نحو مراكز الحجامة الشعبية التي تديرها أحياناً عيادات غير مؤهله وأشخاص غير مختصين، مما يرفَع من مخاطر التلوث ونقل العدوى وغياب الرعاية الفورية في حال حدوث طارئ.

الجينات تحرم أمهات مستعدات

وإلى جانب العادات والوعي المشوه، هناك غصة بيولوجية قاهرة تمنع أمهات يرغبن فعلياً في التبرع لإنقاذ أطفالهن من الموت بمرض الثلاسيميا والدم الوراثي، والذين يبلغ عددهم في المركز العلاجي بصنعاء أكثر من 8500 مريض يحتاجون لنقل دم مستمر.

في هذا السياق، يكشف الدكتور مختار إسماعيل، مدير المركز العلاجي لمرضى الثلاسيميا، لـ “نسوان فويس” عن هذه الغصة قائلاً:

“يرغب الكثير من الآباء والأمهات في التبرع بالدم لأطفالهم، لكن الآباء والأمهات الحاملين للسمة الوراثية للمرض (الثلاسيميا الصغرى)، وكذلك مصابي فقر الدم المنجلي، لا يُسمح لهم بالتبرع بالدم أصلاً”.

ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

أمان مطلق داحض للأوهام

وتؤكد الإرشادات الطبية الصادرة عن منظمة الصحة العالمية أن تبرع النساء بالدم لا يشكل خطرًا على النساء المؤهلات للتبرع صحيًا ولا على بنيتهن الجسدية كما يُشاع في بعض المجتمعات، لسبب جوهري وهو أن الأمر لا يتم عشوائياً؛ إذ تخضع كل متبرعة لفحص طبي ومخبري دقيق ومسبق لقياس نسبة الهيموجلوبين والضغط والحديد للتأكد التام من سلامتها وأهليتها الجسدية قبل سحب قطرة دم واحدة.

وإذا تجاوزت المرأة الفحص بنجاح، فإن التبرع يعد آمناً تماماً، حيث يمتلك الجسم آليات بيولوجية سريعة قادرة على تعويض السوائل المفقودة خلال 48 ساعة، وتجديد خلايا الدم بالكامل، مما يساهم في تنشيط الدورة الدموية والنخاع العظمي، داحضةً بذلك أوهام “الضعف الدائم والوهن” الذي تعتقده الكثير من النساء.

حان وقت التكاتف

الدم هو السائل الوحيد الذي لا يمكن تصنيعه في المعامل، ومادامت النساء هن الفئة الأكثر احتياجاً للدم لإنقاذ حياتهن وحياة أطفالهن في غرف الولادة والنزيف، فإن الواجب الإنساني والديني يدعو النساء اليمنيات للتكاتف، وألا يبخلن على بعضهن بقطرة دم قد تكون الفاصل بين الحياة والموت.

إذ أن التبرع لم يعد مجرد رفاهية صحية، بل خطوة لإنقاذ أرواح عدة، تتصدرها النساء، المعرضات لأكثر من احتمال نزيف أكان ذلك عبر الاجهاض أو في الولادة أو لأي أسباب أخرى.

مقالات أخرى