أسماء السلطان.. وإعادة تشكيل الحنين للوطن بقطعة صلصال

شارك المقال

قابلتها/ منيرة أحمد الطيار

من شقة هادئة في ألمانيا، حيث تختلف تفاصيل الحياة والوجوه واللغة والهوية، لم تكتفِ الفنانة اليمنية أسماء السلطان بمراقبة خارطة الوطن عبر الشاشات، بل قررت أن تعيد تشييده قطعةً قطعة. وتحت اسم (asma yahya artist) تحوّلت مادة “الصلصال الحراري” بين أناملها من مجرد خامة فنية إلى لغة بصرية تعيد ترميم ذاكرة كاد الاغتراب أن يطمس ملامحها.

أسماء السلطان: الحنين للوطن بالنسبة لي لم يكن مجرد شعور عابر، بل رغبة حقيقية في تحويل تلك التفاصيل التي سكنت الذاكرة إلى شيء ملموس يمكن رؤيته ولمسه وحمله في قبضة اليد

 

منازل بحجم الحنين

بدأت رحلة أسماء في عالم المصغرات بدافع بسيط؛ محاكاة وجبات يمنية شعبية على شكل “مغناطيس” لتزيين الثلاجة، لكن الحنين إلى الوطن جعلها تدرك مبكراً أن الجدران وحدها لا تحكي الحكاية كاملة، فقررت التوغل في تفاصيل البيت اليمني من الداخل، حيث تسكن الروح الحقيقية للمكان.

انتقلت أسماء من بناء الهياكل الخارجية إلى تأثيث اللحظات الإنسانية داخل أعمالها؛ فلا ترى في مجسماتها مجرد قطع صغيرة، بل تشعر بدفء ازدحام المطبخ اليمني قبيل أذان المغرب في رمضان، وتسمع ضجيج العائلة وهي تلتف حول شاشة تلفاز قديمة، وتستنشق رائحة البخور في طقوس الزفاف التي بدأت تتلاشى مع الزمن.

تقول أسماء لـ “نسوان فويس”، بلسان يملؤه الشغف: “الحنين للوطن بالنسبة لي لم يكن مجرد شعور عابر، بل رغبة حقيقية في تحويل تلك التفاصيل التي سكنت الذاكرة إلى شيء ملموس يمكن رؤيته ولمسه وحمله في قبضة اليد”.

تفاصيل تحت المجهر

خلف كل قطعة صغيرة يقل حجمها عن عقلة الإصبع، تكمن معركة طويلة من الصبر والدقة.؟

تمزج أسماء في فلسفتها الفنية بين موهبة الرسم وعلم “الهندسة” لضبط المقاسات المجهرية، فهي لا تعتمد على الصلصال وحده، بل تستخدم الخشب والقماش، وتعيد تدوير أغطية العلب والمواد المنسية لتمنح أعمالها ملمس الحجر الصنعاني العتيق، أو تعرجات خشب الأبواب المعتقة بمرور الزمن.

وتتحدث أسماء عن تحديات لا يدركها الجمهور إلا حين يقترب من “الديوراما” بعدسة مكبرة؛ فصناعة بسكويت “أبو ولد” الشهير برسمته الدقيقة وتفاصيله التاريخية كانت بمثابة اختبار حقيقي للصبر الفني.

هذه التفاصيل لا تُخلق من فراغ، بل هي ثمرة بحث طويل في أرشيف صور الزمن الجميل ومجموعات التوثيق الرقمي، لضمان أن كل قطعة تخرج بصدق يحاكي الواقع، وكأنها انتُزعت من بيت يمني قديم في صنعاء أو عدن، ثم زُرعت في قلب ألمانيا.

“أريد للعالم أن يرى اليمن بعيداً عن الحرب…

بل كبلد مليء بالجمال والتفاصيل والذاكرة”

سفيرة عبر الحدود

لم يقتصر صدى أعمال أسماء السلطان على اليمنيين المشتاقين إلى بيوتهم، بل امتد ليصل إلى الجمهور الألماني والأوروبي عبر منصتها (AsmaArtstore).

هناك، يقرأ الغرباء حكاية اليمن من زاوية مختلفة تماماً عن نشرات الأخبار والحروب، إذ ينجذب الجمهور الأجنبي إلى الحرفية اليدوية العالية، ويُقدّر ذلك الصبر الطويل الذي تتطلبه صناعة “المينياتور”، لتتحول تلك المصغرات إلى سفيرات ثقافية عابرة للحدود.

ووصلت أعمالها إلى بيوت في أوروبا وأمريكا، محمّلة بعبق الهوية اليمنية وتفاصيلها الصغيرة التي تحمل روح المكان أكثر مما تحمله الكلمات أحياناً.

وبين مسؤولياتها كأم في المهجر وتحديات الغربة، وجدت أسماء في هذا الفن ملاذها النفسي وتوازنها الداخلي.

لم يعد مشروع السلطان مجرد عمل تجاري، بل رسالة حضارية تهدف إلى مواجهة الصور النمطية المرتبطة بالصراع، مؤكدة أن اليمن ليس حرباً فقط، بل “جمال وحكايات وتفاصيل دقيقة تستحق أن تُروى للعالم كله بزهو واعتزاز”.

متحف بحجم الكف

اليوم، تسعى أسماء السلطان نحو أفق أبعد؛ حلم “متحف متنقل للمصغرات” يجوب العواصم العالمية، ويحكي تاريخ اليمن وحضارته بحجم كف اليد.

متحف صغير في حجمه، كبير في معناه، يؤكد للعالم أن الذاكرة اليمنية عصية على النسيان، وأن الأوطان التي تسكن القلوب يمكن إعادة بنائها من جديد بقطعة صلصال، وكثير من الحب، وإيمان مطلق بأن الجمال يكمن دائماً في أدق التفاصيل.

مقالات أخرى