دماء في حقائب السفر

شارك المقال

بشرى الغيلي 

يبدو الرحيل في الذاكرة الإنسانية بمثابة فرصة للعبور من ضيق الظروف نحو أفق يَعِدُ بالأمان والعيش الكريم. وكما يتردد في أدبيات الاغتراب، فإن المرء يسافر ليوفر لأبنائه مستقبلاً أفضل. غير أن المشكلة تبدأ حين يهاجر الجسد، بينما تظل عقلية “التسلط” في محطتها الأولى، لتظهر لاحقاً في مجتمعات الشتات.

حين تستيقظ عواصم الاغتراب بين الحين والآخر على حوادث إنهاء بعض الآباء لحياة أسرهم، فإننا لسنا أمام مجرد “خلاف عائلي” عابر يمكن طيّه في أرشيف الحوادث اليومية. إننا نقف أمام ظاهرة معقدة تُعرف في علم الإجرام بـ “إبادة العائلة”، وهي ظاهرة تتطلب تفكيكاً بمبضع علم الاجتماع والنفس، بعيداً عن التبريرات السطحية التي تعزوها حصراً لضغوط المعيشة.

صدمة الواقع وفقدان السيطرة

لفهم الجذور العميقة لهذا العنف، يجب تفكيك البنية الفكرية والاجتماعية التي ينشأ عليها الرجل تقليدياً. فالأعراف الموروثة تمنحه مساحة من السلطة الواسعة، وتكرس مكانته بصفته المالك لقرار الأسرة، حيث تُعتبر الزوجة والأبناء في بعض الأحيان تابعين لإرادته.

عندما ينتقل هذا الإنسان بعائلته إلى مجتمعات الغرب، يجد نفسه في بيئة قانونية لا تعترف بسلطته السابقة، وتساوي بينه وبين زوجته في الحقوق، وتمنح أبناءه مساحات من الاستقلال. هنا يختبر الرجل حالة من فقدان البوصلة؛ فالقواعد التي تربى عليها لم تعد مقبولة في هذا الواقع الجديد.

وإذا ترافق هذا التباين مع تعثر مالي أو تراجع في مكانته الاجتماعية مقارنة بوطنه، تتشكل لديه حالة من الإحباط الداخلي. وفي ظل عجزه عن التكيف مع القوانين المحيطة به، يتجه نحو المساحة الوحيدة التي يظن أنها خاضعة له:(عائلته) يُصبح المنزل هو المكان الذي يحاول فيه فرض سيطرته لتعويض إحساسه بالتضاؤل في الخارج.

الانهيار النرجسي ووهم الامتلاك

من الزاوية النفسية، لا يقدم الأب على إيذاء أسرته بسبب اكتئاب عادي. علماء النفس يربطون هذا السلوك بـ “الرغبة الشديدة في السيطرة”، وحين يعجز الإنسان عن التحكم بالآخرين، فإنه قد يجد وسيلته في إيذائهم.

في طريقة تفكيره، يعاني الجاني من (نرجسية مَرَضية)؛ هو لا يرى أفراد أسرته كشخصيات مستقلة لها حقوقها، بل يراهم امتداداً لذاته. وحين تبدأ الزوجة في المهجر بامتلاك صوتها، أو يندمج الأبناء في ثقافة المجتمع متمردين على أوامره؛ يختبر الأب ما يُعرف بـ “الانهيار النرجسي”.

هذا الانهيار يتحول إلى غضب وانفعال. قرار الإيذاء هنا ليس عفوياً, بل هو محاولة لاستعادة مكانته المفقودة. وينهي حياتهم ليمحو شعوره بالعجز، وكأنه يطبق قناعته بأن رفضهم الخضوع لشروطه يسقط حقهم في الحياة. إنه يفعل ذلك ليستعيد سيطرته، حتى لو كان الثمن حياتهم وحياته.

شواهد من تاريخ المغتربين

تتبع تاريخ الجاليات المهاجرة يكشف أن هذه الحوادث تتكرر كلما استشعر الأب أن الأمور قد أفلتت من يده. والتاريخ الجنائي يضم أمثلة تؤكد هذا السياق.

من الأمثلة الواضحة، المأساة التي وقعت في كندا 30/يونيو عام 2009، بقضية (مقتل عائلة الشافعي) حيث أقدم أب بالتعاون مع ابنه الأكبر، على إغراق سيارته وبداخلها بناته الثلاث وزوجته. لم تكن الجريمة بدافع الفقر، بل نتيجة تباين ثقافي؛ حيث بدأت الفتيات بالاندماج في المجتمع. بالنسبة للأب، كان استقلالهن تحدياً لمكانته، فكان الإيذاء وسيلته لفرض كلمته.

وفي الولايات المتحدة، تُستحضر جريمة “ياسر سعيد” في تكساس عام 2008 الذي أنهى حياة ابنتيه لتبنيهما نمط حياة رفضه. أشار الادعاء العام أثناء المحاكمة إلى أن الدافع الأساسي كان هوس التحكم في مصائر الفتيات، وليس مجرد خلاف عائلي.

العزلة المزدوجة للمرأة المغتربة

وفي لب هذه المشكلة تدفع المرأة اليمنية المغتربة الثمن، حيث تعيش حالة من الغربة المزدوجة، فهي غريبة في مجتمع جديد تصارع فيه حواجز اللغة، وغريبة داخل بيتها مع رجل يتحول تدريجياً إلى مصدر للخطر.

المشكلة الحقيقية تكمن في الصمت وضغوط المحيط الاجتماعي. فغالباً ما تُحاصر المرأة المعنفة بضغوط من مجتمعها: “اصبري من أجل عيالك”، “لا تفضحينا أمام العالم”. هذا الضغط باسم “السمعة” هو الذي يمهد الطريق لتفاقم المشكلة؛ لأنه يدفع الزوجة لتحمل العنف، لتحمي بيتها، بينما تمنح المعتدي الوقت لتنفيذ جريمته. جدران الغربة تصبح قاسية، لأن صوت المرأة يُكتم مرتين: بضغط العائلة  والمجتمع الذي يفضل المظاهر على السلامة.

مسارات الحل

إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب خطوات عملية:

أولاً: التوعية بمفهوم الشراكة

يجب التأسيس لوعي ينزع القداسة عن فكرة “السيطرة”، ويستبدلها بمفهوم لشراكة والاحترام المتبادل. لا بد أن يدرك الجميع أن الفرد نجاحه وتفهمه هو نجاح للأسرة بأكملها.

ثانياً: كسر الصمت المجتمعي

يقع على عاتق المنصات كمبادرة (نسوان فويس) في تناولها للموضوع وفتح الباب أمام المؤسسات الثقافية دور في تفكيك الخطاب الذي يطالب المرأة بتحمل الأذى. وتحويل العنف الأسري من “شأن داخلي” إلى قضية أمن وسلامة لا تقبل المساومة.

ثالثاً: برامج الإرشاد الأسري

تحتاج العائلات المهاجرة إلى آليات دعم وإرشاد نفسي للتعامل مع تغير الأدوار. كتوفير مساحات للاستشارات للرجال والنساء، لرصد مؤشرات الاحتقان النفسي والتدخل قبل تفاقم التوتر.

رابعاً: تسهيل الحماية القانونية

توعية النساء المغتربات بحقوقهن في بلد الاغتراب، وتوفير شبكات أمان بلغتهن الأم، لتمكينهن من طلب المساعدة الرسمية فور استشعار الخطر.

الأمان الحقيقي

الجرائم التي تُرتكب باسم الأسرة في الغربة هي نتيجة لعقلية ترفض التغيير. وما لم نواجه هذا الخلل بشجاعة، فإن جوازات السفر لن تكون سوى وثائق ننقل بها أزماتنا المتوارثة. الأمان الحقيقي لا يمنحه السفر إلى بلاد جديدة، بل يبدأ حين تتخلص النفس من حب التحكم بالآخرين ومصائرهم.

مقالات أخرى