إكرام فرج – نسوان فويس
لم تكن مريم (22 عاماً – اسم مستعار) تتوقع أن تنتهي حياتها الزوجية عبر إشعار صغير يضيء شاشة هاتفها.
في مساء عادي، وبينما كانت تنتظر اتصالاً من زوجها المغترب للاطمئنان عليها، وصلتها رسالة مقتضبة عبر تطبيق “الواتساب” كُتب فيها: أنتِ طالق.
تقول بصوت متقطع: “في البداية ظننت أنه يمزح أو غاضب فقط. أعدت قراءة الرسالة مرات كثيرة، ثم انهرت بالبكاء؛ لم أستوعب أن سنوات من الحياة المشتركة يمكن أن تنتهي بكلمات مكتوبة على شاشة هاتف”.
تؤكد مريم أن الصدمة لم تكن في واقعة الانفصال وحدها، بل في الطريقة الباردة التي وصل بها الخبر، إذ دخلت بعدها في حالة نفسية صعبة، رافقتها اضطرابات حادة في النوم وانعزال تام عن الناس لشهور طويلة.
وفي قصة مشابهة، تروي “أمل” (اسم مستعار) أنها تلقت اتصالاً هاتفياً قصيراً من زوجها المغترب، أخبرها خلاله بانتهاء علاقتهما الزوجية، قبل أن يغلق الخط دون إتاحة أي فرصة للنقاش.
وتقول أمل لـ”نسوان فويس”: “كنت أحاول استيعاب ما يحدث لكنه أنهى المكالمة بسرعة؛ شعرت وكأن الأرض انسحبت من تحتي، ولم أستفق من ذهولي إلا بعد أيام”.
وتضيف أن هذا الطلاق المفاجئ تسبب لها بانهيار نفسي حاد، زادت من مرارته نظرة المجتمع وأسئلة المحيطين القاسية التي لاحقتها فور الانفصال.
توسع مع الغربة ووسائل التواصل
خلال السنوات الأخيرة، تصاعدت حالات الطلاق عن بُعد في اليمن، خاصة مع ظروف الحرب والاغتراب وتشتت الأسر؛ حيث تحولت مكالمات الهاتف ورسائل التطبيقات إلى وسيلة سهلة لإنهاء العلاقات الزوجية، بدلاً من المواجهة المباشرة أو اللجوء ابتداءً إلى الأطر العائلية والقضاء.
ورغم غياب الإحصاءات الرسمية الدقيقة التي تفصل الطلاق الإلكتروني عن التقليدي، إلا أن المؤشرات العامة تظهر قفزة مخيفة في نسب الانفصال؛ إذ تشير بيانات الجهاز المركزي للإحصاء بساحل حضرموت، إلى أن حالات الطلاق المسجلة بين عامي 2022 و2024، في المحافظة بلغت 2,533 حالة.
وترى الأخصائية الاجتماعية، مريم بقرف، أن من أبرز العوامل التي ساهمت في انتشار هذه الظاهرة هي كثرة الشكوك، وضعف الشخصية، والزواج المبكر، إضافة إلى تأثير البعد الجغرافي.
وتوضح بقرف لـ”نسوان فويس” أن: “الغربة الطويلة قد تخلق فراغاً وبروداً عاطفياً داخل العلاقة، ما يؤدي إلى تفاقم الخلافات وسهولة اتخاذ قرارات مصيرية متسرعة عبر وسائل التواصل”.
وتشير إلى أن المجتمع غالباً ما يحمل المرأة تبعات الانفصال أكثر من الرجل، إذ تتعرض المطلقة لنظرات سلبية وإشاعات تضاعف من انكسارها النفسي والاجتماعي.

صدمة نفسية مضاعفة وغياب للمواجهة
من جانبها، تؤكد الأخصائية النفسية، إخلاص الحكيمي، أن الطلاق عبر الهاتف أو الرسائل يمثل صدمة عاطفية عنيفة لأنه يحدث فجأة ودون مقدمات أو حوار سابق.
وتوضح الحكيمي في حديثها لـ”نسوان فويس” أن: “ردود الفعل النفسية تبدأ بالذهول وعدم التصديق، وتتطور سريعاً إلى نوبات بكاء وقلق مستمر، وتفكير مفرط، يصاحبه شعور عميق بالإهانة وانخفاض تقدير الذات”.
وتنوه إلى أن غياب المواجهة المباشرة يحرم المرأة من فرصة الفهم أو التعبير عن مشاعرها، مما يتركها عالقة مع أسئلة مؤلمة دون إجابات. ويؤكد خبراء الصحة النفسية أن الوسيلة المستخدمة تعزز الشعور بأن العلاقة أُنهيت ببرود جارح، مما يترك أثراً طويل الأمد على قدرة المرأة في الثقة بالآخرين وخوض تجارب ارتباط جديدة، خاصة إذا ترافق ذلك مع عزلة اجتماعية أو غياب الدعم الأسري.
ويشدد المختصون على أهمية تقديم الدعم المبكر للمطلقة، وتعزيز استقلالها النفسي ومستواها الذاتي لمساعدتها على تجاوز التجربة بصورة صحية بعيداً عن أحكام المجتمع.
البعد القانوني وتحديات الإثبات
بدوره، يوضح المحامي مختار الجمرة أن الطلاق الواقع عبر مكالمة هاتفية أو رسالة نصية عبر تطبيقات التواصل يعد طلاقاً نافذاً ومعتداً به قانوناً في اليمن، متى استوفى أركانه وشروطه الشرعية.
ويشير الجمرة في حديثه لـ”نسوان فويس” إلى أن الهاتف ليس سوى وسيلة لنقل الكلام، بينما الطلاق تصرف قولي يرتب أثره بمجرد صدوره بلفظ صريح من الزوج، أما الرسائل المكتوبة فيأخذ الطلاق فيها حكم “الطلاق بالكتابة”، متى ثبت أن الزوج هو من حررها وقصد بها إيقاع الانفصال.
مؤكداً أن القضاء اليمني استقر في عدد من أحكامه على الاعتداد بهذا النوع، مع إمكانية إثباته عبر التسجيلات الصوتية، والرسائل الإلكترونية، وشهادة الشهود.
وعن الحقوق، يؤكد المحامي أن للمرأة المطلقة عبر الهاتف كافة الحقوق القانونية من نفقة وحضانة ومستحقات مالية، لكن الإشكال الأساسي يكمن في إثبات الواقعة؛ إذ قد تضطر المرأة إلى خوض معركة قضائية لإثبات وقوع الطلاق أولاً قبل المطالبة بحقوقها.
وينصح الجمرة النساء اللواتي يتلقين الطلاق عن بُعد بضرورة الاحتفاظ بكافة وسائل الإثبات (كالرسائل والتسجيلات وبيانات الاتصال) وعدم حذفها، والتوجه مبكراً إلى المحكمة لحفظ الحقوق ومنع ضياع الأدلة الرقمية.
بين ضغوط المجتمع، وأوجاع الصدمة النفسية، وتعقيدات الإثبات القانوني، تبقى قصص النساء اللواتي يتلقين طلاقهن عبر الشاشات واحدة من أكثر صور الانفصال قسوة؛ حيث تنتهي حياة كاملة بكلمات مقتضبة، تاركة خلفها ندوباً غائرة يصعب أن تندمل.
تم توليد الصورة عبر الذكاء الاصطناعي بواسطة إداة جمناي

