المناسبات النسائية.. تحوّل يغيّر وجه الفرح

شارك المقال

خديجة خالد – نسوان فويس

لم تعد الأعراس والمناسبات النسائية في اليمن كما كانت. فبين عرس أُقيم عام 2010 وآخر في 2025 تبدو الفجوة واسعة في شكل الاحتفال وطبيعة الحضور وحتى السلوكيات داخل القاعات النسائية. وبرغم الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة والانقسامات التي عاشها المجتمع، إلا أن هذه المناسبات شهدت تحولات لافتة، خصوصًا بين النساء والفتيات، حتى بدت وكأنها تعكس صورة مجتمع يتغير بهدوء وسط كل الفوضى المحيطة به.

في الماضي، كانت الأعراس مساحة للفرح الجماعي والرقص الشعبي والزغاريد ولمّ الشمل بين الأقارب والصديقات، بينما أصبح كثير من هذه المناسبات اليوم أقرب إلى جلسات مغلقة يغلب عليها التدخين والاستعراض والتأثر بما يُعرض عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وبين الأمس واليوم تغيّرت تفاصيل كثيرة، من شكل الأغاني والرقص إلى طريقة التفاعل والحضور وحتى طبيعة العلاقات داخل المناسبات النسائية نفسها.

 المناسبات لم تعد كما كانت

تقول الستينية أم أحمد، من محافظة إب، إن الأعراس قبل سنوات كانت تمتلئ بالرقص والزغاريد والأغاني الشعبية، فيما كان القات يقتصر غالبًا على كبار السن، أما اليوم فقد تغيّر المشهد بالكامل. وتضيف في حديثها لـ “نسوان فويس” أن فتيات صغيرات أصبحن يحضرن إلى الأعراس وهن يحملن القات والشيشة داخل حقائبهن، بينما تحولت قاعات الأفراح إلى جلسات مغلقة تنشغل فيها الحاضرات بالتدخين والقات أكثر من التفاعل والرقص.

وتشير أم أحمد إلى أن الرقص الشعبي الذي كان روح الأعراس أصبح نادرًا، وحلّت مكانه رقصات دخيلة وأنماط احتفال مختلفة لم تكن مألوفة في السابق. وتقول إن كثيرًا من الفتيات أصبحن يفضلن الجلوس ضمن مجموعات صغيرة من الصديقات، بعيدًا عن أجواء التفاعل الجماعي التي كانت تميز الأعراس اليمنية قديمًا. وتضيف بحسرة أن بعض الأعراس أصبحت تنتهي دون أن تشهد الرقصات الشعبية التي كانت تشعل القاعات بالحيوية والفرح.

أما أم خلود من محافظة البيضاء، فتصف التغييرات بحزن قائلة: “راح من كل شيء أحسنه”. تستعيد بذاكرتها مناسبات كانت النساء يحضرنها بشغف حقيقي للقاء الصديقات والقريبات، وكانت الفنانة الشعبية حدثاً نادراً ومميزاً لا يتكرر كثيراً. وتوضح أن الأعراس كانت أبسط من اليوم لكنها أكثر دفئاً وقرباً بين الناس، حيث كانت النساء يشاركن بالغناء والرقص دون تكلف أو استعراض.

لكن اليوم، بحسب وصفها، أصبحت كثير من الفتيات يحضرن المناسبات وكأنهن مرغمات، يقضين معظم الوقت في مضغ القات وتدخين الشيشة، فيما أصبحت الفنانات الشعبيات حاضرات في كل مناسبة تقريباً، من الأعراس إلى عقود القِران.

وتشير إلى أن الأغاني نفسها تغيّرت، إذ باتت تميل نحو الألحان الخليجية والاستعراضية، فيما تراجع حضور الأغنية الشعبية اليمنية التي كانت جزءاً أساسياً من روح المناسبة.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

تغير في سلوكيات النساء

ترى الدكتورة ألطاف الأهدل أن ما شهدته الأعراس النسائية خلال الفترة بين 2010 و2026 ليس مجرد تغير عابر، بل نتيجة تراكمات اجتماعية وثقافية فرضتها الحرب والانفتاح التكنولوجي ووسائل التواصل الاجتماعي. وتوضح أن المجتمع أصبح أكثر انفتاحاً على ثقافات وسلوكيات جديدة بفعل السفر والهجرة والفضاء الرقمي، ما جعل الأجيال الجديدة أكثر ميلاً لتقليد المشاهير والمؤثرين في اللباس والسلوك وحتى طريقة التفكير.

وتشير الأهدل إلى أن الحرب خلقت حالة من الهشاشة الاجتماعية والنفسية انعكست على شكل العلاقات داخل المجتمع، بما فيها المناسبات النسائية التي تحولت لدى بعض الفتيات إلى مساحة للعزلة والتنفيس بدلاً من التفاعل الاجتماعي. كما تربط جزءاً من هذه التحولات بتراجع دور الأسرة وانشغال كثير من العائلات بالأوضاع الاقتصادية الصعبة، ما أضعف الرقابة والتوجيه الاجتماعي مقارنة بالماضي.

وتضيف أن الثقافة المحلية لم تعد تُقدَّم للأجيال الجديدة بصورة قوية كما في السابق، الأمر الذي جعل تقليد الثقافات الأخرى أكثر سهولة، سواء في اللباس أو طريقة الاحتفال أو حتى السلوك داخل المناسبات. وترى أن بعض الأسر أصبحت أكثر تساهلاً مع سلوكيات كانت مرفوضة اجتماعياً قبل سنوات، بسبب تغير الأولويات وضغوط الحياة اليومية.

 ضغط التقليد

وتفسر الأخصائية النفسية شيماء العز هذه التحولات من منظور علم النفس الاجتماعي، موضحة أن الفتيات يكتسبن كثيراً من السلوكيات عبر التقليد والتأثر بالمشاهير ووسائل التواصل الاجتماعي.

وتقول لـ ” نسوان فويس” إن ضغط الجماعة والرغبة في القبول الاجتماعي يدفعان بعض الفتيات إلى ممارسة سلوكيات لم تكن مألوفة سابقاً، خوفاً من الظهور بصورة مختلفة أو “متخلفة” مقارنة بالآخرين.

وترى العز أن سنوات الحرب الطويلة وما رافقها من ضغوط نفسية وشعور دائم بعدم الاستقرار دفعت بعض النساء والفتيات إلى البحث عن مساحات للهروب المؤقت من الواقع، وهو ما انعكس على طبيعة الأعراس التي تحولت أحياناً إلى مساحة للمبالغة في الاستهلاك والاستعراض.

كما تشير إلى أن مفهوم المكانة الاجتماعية تغيّر لدى البعض، إذ أصبح المظهر الخارجي والحضور الرقمي عاملاً مهماً في تكوين الصورة الاجتماعية بدلاً من ارتباطها بالقيم والسمعة الأسرية كما كان سابقاً.

وتضيف أن بعض الفتيات أصبحن يربطن بين هذه السلوكيات وبين مفاهيم الانفتاح والتمدن، في حين أن كثيراً من هذه الممارسات ناتج عن الرغبة في التقليد أو إثبات الذات أكثر من كونها تعبيراً حقيقياً عن الحرية الشخصية.

ورغم ذلك، تؤكد العز أن لهذه التحولات جانباً إيجابياً يتمثل في منح النساء مساحة أكبر للتعبير عن أنفسهن والمشاركة الاجتماعية، لكنها في المقابل ساهمت في تطبيع بعض السلوكيات التي كانت مرفوضة مجتمعياً، وخلقت ضغوطاً نفسية مرتبطة بالمقارنة والاستعراض المستمر.

الفنانات الشعبيات

وسط هذه التحولات، برز الحضور الكثيف للفنانات الشعبيات كأحد أبرز ملامح التغيير في الأعراس النسائية. وترى الناقدة آزال الصباري أن الأسباب تعود إلى الظروف الاقتصادية من جهة، وإلى تغيّر نظرة المجتمع لغناء النساء من جهة أخرى.

وتوضح في حديثها لـ”نسوان فويس” أن كثيراً من النساء دخلن هذا المجال كمصدر رزق خلال سنوات الحرب، في ظل تراجع ما يُعرف بثقافة العيب المرتبطة بالغناء النسائي.

كما تشير الصباري إلى أن حضور الفنانة أصبح بالنسبة لبعض الأسر جزءاً من المظاهر الاجتماعية والمفاخرة أمام الآخرين، مع وجود عدد كبير من الأصوات الجديدة التي دخلت هذا المجال بسبب سهولة المنافسة والبحث عن خيارات أقل تكلفة. وتضيف أن كثرة الفنانات الشعبيات غيّرت شكل الأعراس نفسها، حيث أصبحت بعض المناسبات تعتمد على الاستعراض أكثر من اعتمادها على الطابع الاجتماعي والتراثي المعروف سابقاً.

وترى الصباري أن هذا الانتشار لا يعكس بالضرورة تطوراً في الذائقة الفنية، بل يعكس تحولاً تجارياً في طبيعة المناسبات أكثر من كونه تطوراً حقيقياً في الفن الشعبي. وتقول إن بعض الأغاني فقدت هويتها المحلية، وأصبحت تميل إلى التقليد السريع للأغاني الرائجة في وسائل التواصل الاجتماعي بحثاً عن الانتشار والطلب التجاري.

بين زغاريد الأمس ودخان الشيشة اليوم، تقف المناسبات النسائية شاهدة على تحولات عاشها المجتمع اليمني خلال سنوات الحرب والانفتاح على الثقافات المختلفة والتغيرات الاقتصادية. لم تعد الأعراس مجرد مساحة للفرح كما كانت، بل أصبحت مرآة تعكس تبدل القيم وأنماط الحياة وحتى شكل العلاقات بين الناس.

وبين من يرى هذه التحولات واقعاً فرضته الظروف، ومن يعتبرها فقداناً تدريجياً لروح المجتمع، يبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة المجتمع على مواكبة التغيير دون أن يخسر ملامحه التي عاش بها لعقود طويلة. ففي النهاية، لا تتغير الأعراس وحدها، بل تتغير معها حكاية مجتمع كامل يحاول النجاة وإعادة تعريف نفسه وسط زمن مضطرب.

مقالات أخرى