هيفاء العديني – نسوان فويس
“إن كنت أنا – منى – أستطيع النحت على الحجر، فهذا يعني أن كل النساء الأخريات يستطعن القيام بذلك، وأحببت أن أكون تجربة واقعية تلهم زميلاتي الفنانات التشكيليات”.
بهذه الكلمات الواثقة، بددت الأخصائية النفسية منى الذبحاني شكوك البدايات، لتنطلق في رحلة أعمق نحو تحقيق ذاتها وإثبات حضورها في واحد من أكثر الفنون صعوبة وندرة في اليمن.
ففي بلدٍ تتنوع تضاريسه وتمتلئ جباله وصخوره بالحجارة التي استخدمها اليمنيون منذ قرون في العمارة والنقوش، ظل فن النحت جزءاً من الذاكرة الحضارية القديمة، الممتدة إلى زمن النقوش الحِمْيرية والمعابد والأسوار التاريخية، قبل أن يتحوّل مع مرور الزمن إلى فن غائب عن المشهد التشكيلي المعاصر، لا تحضر نماذجه اليوم إلا في المتاحف والمواقع الأثرية.
لكن الذبحاني قررت أن تعيد لهذا الفن شيئاً من روحه، وأن تخوض تجربة بدت للكثيرين مستحيلة بالنسبة لامرأة يمنية في مجتمع محافظ، لتصبح بذلك أول امرأة يمنية تمارس النحت على الحجر كأحد أصعب وأهم الفنون التشكيلية والبصرية.
“أحياناً كان الحجر أرحم من المجتمع.. لأنني كنت أستطيع أن أنحت فيه ما لا أستطيع قوله بالكلمات”
بداية الشغف الفني
بدأت رحلة منى مع النحت بوصفه وسيلة (للتنفيس الانفعالي)، إذ وجدَت في صلابة الحجر مساحة لتفريغ المشاعر وصياغة الأفكار بطريقة مختلفة عن الكلمات.
تقول في حديث مع” نسوان فويس” إن علاقتها بالفنون بدأت منذ الطفولة، ولم تقتصر على النحت فقط، بل امتدت إلى الرسم والتصوير وصناعة الأفلام.
هذا الشغف دفعها عام 2009 للانضمام إلى “بيت الفن” في مدينة تعز، حيث بدأت تصقل موهبتها عبر الاحتكاك بالفنانين التشكيليين والتدرب على تقنيات العمل الفني.
لكن الطريق لم يكن سهلاً، فالنحت على الحجر يحتاج إلى أدوات خاصة وإمكانات مادية ليست متاحة بسهولة، فضلًا عن غياب الدعم المؤسسي لهذا النوع من الفنون.
وتضيف “: “النحت على الحجر ليس سهلاً، فهو يتطلب أدوات خاصة وميزانيات كبيرة. في عام 2010 حظيت بفرصة الانضمام إلى ورشة رعتها وزارة الثقافة تحت إشراف الفنان الراحل عبد الولي المجاهد، وكنت أتمنى لو استمرت هذه التجربة لتمهد الطريق لغيري من الفنانات التشكيليات”.

“لم أترك المنحوتة مكسورة لأنني استسلمت.. بل لأنني أردتها شاهدة على ما تتعرض له المرأة حين تدخل مساحة يعتبرها البعض للرجال فقط”
صدام المجتمع المحافظ
ورغم أن النحت ارتبط تاريخياً بالحضارة اليمنية القديمة، إلا أن هذا الفن لا يزال يواجه نظرة مجتمعية متباينة، خصوصاً حين يتعلق الأمر بالنحت التشخيصي المرتبط بالإنسان أو الحيوان.
في هذا السياق، يرى الفنان التشكيلي، عدنان جمن، أن النحت على الحجر ربما يُمارس أحياناً بوصفه حرفة أكثر من كونه فناً، مشيراً إلى أن المعماري اليمني التقليدي يمتلك مهارات كبيرة في تشكيل الحجر ضمن التراث المعماري والحرفي.
ويضيف جمن في حديث لـ”نسوان فويس”: “التحديات بخصوص النحت والمجسمات التشخيصية عموما كبيرة، وربما تكون مرتبطة بعقليات التحريم والتكفير في معظم الأحيان، خصوصاً إذا تناول النحت الإنسان أو الحيوان، لكن المنحوتات التجريدية ربما تكون أوفر حظاً”.

لكن هذه النظرة لم تكن مجرد نقاشات نظرية بالنسبة لمنى، بل تحوّلت إلى تجربة شخصية مؤلمة ما تزال تتذكرها حتى اليوم.
تروي قائلة: “دخل علينا اثنان من المتشددين ونحن منهمكون في العمل داخل بيت الفن، وحاولا ثنينا عن إكمال المشروع بحجة أنه مخالف للشريعة”.
وتضيف: “ورغم محاولة الزملاء التفاوض معهما، إلا أنهما بمجرد أن رأيا امرأة تنحت وسط الرجال، تعمد أحدهما دفع منحوتتي وإسقاطها”.
بالنسبة لمنى، لم يكن الأمر مجرد اعتداء على قطعة فنية، بل كان اعتداءً عليها كامرأة اختارت دخول مساحة يعتبرها البعض حكراً على الرجال.
تقول: “لم يفعل ذلك مع منحوتات أي من الرجال”.
لكنها، بدلاً من الاستسلام، قررت أن تترك المنحوتة كما سقطت، ناقصة وغير مكتملة، لتتحول لاحقاً إلى شاهد على تلك الحادثة، وإلى رمز لفكرة أكبر: أن الفن لا يجب أن يكون مساحة مغلقة أمام النساء.
الفن كوسيلة مقاومة
في بلد يعيش حرباً طويلة وأزمات اقتصادية متلاحقة، تبدو الفنون التشكيلية من أكثر القطاعات التي تعاني من غياب الدعم المؤسسي والبنية التحتية.
في هذا السياق يشير وكيل وزارة الثقافة، عبد الرحمن النهاري، إلى أن الفنون التشكيلية، وخصوصاً النحت والخزف والطباعة، تحتاج إلى معدات ومواد خام وورش متخصصة، وهي أمور مكلفة وغير متوفرة بشكل كافٍ في اليمن.
ويقول في حديث لـ “نسوان فويس”: “بسبب غياب البنية التحتية توجد شحة في المعاهد المتخصصة وندرة في الورش والمختبرات الفنية”.
ويضيف أن الحرب وتدهور الوضع الاقتصادي أثّرا بشكل مباشر على الميزانيات الثقافية واستمرارية البرامج الفنية، مؤكداً أن المشهد يعتمد اليوم بصورة كبيرة على المبادرات الفردية.
ورغم ذلك، لم تتوقف الذبحاني عند تجربة النحت فقط، بل واصلت العمل في مجالات فنية متعددة، فرسمت جداريتين في منطقة التربة بمحافظة تعز، وأشرفت على فريق عمل لتنفيذهما، كما شاركت في عدد من الجداريات داخل المدينة قبل عام 2015.
” لم اقتصر على النحت، بل رسمت جداريتين في منطقة التربة، وأشرفت على فريق أيضا لتنفيذ هذه الجداريتين معي، وشاركت في العديد من الجداريات في مدينة تعز قبل 2015، كما أني أقمت معرض شخصي لرسومي المائية، ومعرض آخر لصوري الفوتوغرافية” .

لاحقاً مزجت منى بين الفن وتخصصها الأكاديمي في العلاج النفسي.
وتوضح: “أدخلت الفنون، والرسم بالأخص، ضمن جلسات العلاج النفسي التي أقيمها، لأن الفنون من أهم الركائز التي يستند عليها علم النفس”.
وتضيف: “وجدت أن الرسم يساعد العملاء على التعبير عن أفكارهم ومشاعرهم بطريقة مريحة، فجميعنا بحاجة إلى وسائل للتنفيس والتعبير، ويوجد داخل كل إنسان جانب فني بطريقة أو بأخرى”.
بالنسبة لمنى الذبحاني، لم يعد الفن مجرد ممارسة جمالية أو هواية شخصية، بل تحول إلى وسيلة للمقاومة والتعبير والنجاة النفسية أيضاً؛ فالفنون التشكيلية، كما تقول، تمنح الفنان فرصة ليعبّر عن وجوده وعن العالم من حوله، كما تكشف في الوقت ذاته حجم العنف الذي قد يتعرض له الفنانون، والنساء بشكل خاص.
ورغم كل التحديات، لا تزال منى تواصل رحلتها مع الحجر والألوان، محاولةً أن تترك أثراً مختلفاً في مجتمع اعتاد أن يرى هذا الفن حكراً على الرجال، وأن تثبت أن المرأة قادرة، حتى وسط الحرب والرفض، على أن “تنحت” مكانها بنفسها.


