هل ينافس الذكاء الاصطناعي المغنيات؟ تجارب يمنيات بين الإحساس وصوت الآلة

شارك المقال

سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس

لم يعد الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية عابرة، بل غدا لاعباً جديداً يفرض شروطه على صناعة الموسيقى. ومع قدرته الفائقة على توليد الأصوات، وابتكار الألحان، وإعادة إنتاج الأغاني في ثوانٍ معدودة، يتصاعد سؤال قديم بصيغة حديثة وحاسمة: هل يمكن للآلة أن تحل محل الفنان؟

في اليمن، حيث تواجه الموسيقى تحديات بنيوية واجتماعية معقدة، برزت تجارب فنانات شابات يحاولن إثبات حضورهن، ومواجهة واقع يمزج بين تحديات الميدان ومخاوف التكنولوجيا.

تحدي الواقع.. واقتحام الاستوديو

تقول مودة (23 عاماً)، وهي فنانة يمنية شابة بدأت رحلتها بفيديو عفوياً عام 2019: “لم يعد الذكاء الاصطناعي فكرة بعيدة؛ لقد اقتحم كل المجالات، ولم يعد الفن استثناءً”.

شكلت تلك اللحظة العفوية بداية مسار فني حقيقي لمودة، إذ بدأت بنشر مقاطع غنائية على منصات التواصل الاجتماعي عام 2020، قبل أن تخوض أولى تجاربها الاحترافية من خلال أغنية يا بنت قلبي بالتعاون مع الفنان محسن الحسني.

لكن الطريق نحو الشغف لم يكن سهلًا، إذ تستعيد مودة ذكريات خطوتها الأولى قائلة لـ”نسوان فويس”: “في المرة الأولى التي دخلت فيها الاستوديو، كنت بمفردي ومتوترة جداً.. تملكني الخوف من الخطأ أو ألا أكون بالمستوى المطلوب، لكني قررت تحدي نفسي، وكانت من أجمل تجارب حياتي”.

لم تقتصر عقبات مودة على الجانب الفني، بل امتدت إلى الأبعاد الاجتماعية. فكحال الكثير من الفتيات في اليمن، واجهت اعتراضات عائلية ومجتمعية على اختيارها الغناء، ما دفعها في البداية لاستخدام اسم مستعار، قبل أن تحسم أمرها بالظهور باسمها الحقيقي.

وتضيف: “أي فتاة في مجتمعنا قد تواجه هذه الاعتراضات، هذا واقع نعيشه، لكن دعم أسرتي لاحقاً كان حاسماً في استمراري؛ فكلما تملكني الخوف أو الضعف، كانوا يذكرونني بأنني قوية ويحثونني على عدم الاستسلام”.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

الإحساس لا يُستنسخ

مع الطفرة الراهنة للذكاء الاصطناعي، شعرت مودة في البداية أن هذه التقنيات تهدد مستقبل الفنانين ومكانتهم، لكنها أعادت تقييم موقفها بعد فترة من التأمل.

توضح مودة: “في البداية، اعتقدت أن التكنولوجيا ستسيطر على الفن تماماً، وأن أحداً لن يحتاج إلى مطربين بشريين بعد الآن، خاصة مع الانبهار الجماعي بأغانٍ صُنعت بالكامل عبر الآلة. لكنني أدركت لاحقاً أنه مهما تطورت التكنولوجيا، فإن إحساس الفنان الأصلي مستحيل أن تحاكيه الآلة، وهناك جمهور واسع لا يمكنه التخلي عن القيمة الإنسانية للفنان”.

ورغم هذا الانحياز للبشر، لا تستبعد مودة استخدام هذه الأدوات مستقبلاً، مضيفة: “أفضل أن تكون أعمالي نتاج جهد بشري خالص، لكن الإنسان وأفكاره يتغيرون، ولا تدري ماذا يخبئ المستقبل”.

تشاركها الرأي فريدة الحمادي، المنضمة إلى كورال تعز منذ عام 2024، والتي ترى أن دخولها عالم الغناء نبع من شغف قديم صقلته بالتدريب والعمل الجماعي.

وتعتقد فريدة أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يكون عاملاً مساعداً ولكن بشروط: “يمكن للآلة أن تسهم في التوزيع الموسيقي وتحسين جودة الصوت، لكن الإحساس لا يُستنسخ، لأنه مرتبط بالتجربة الإنسانية الحية والصدق والمشاعر”.

ومع ذلك، تحذر فريدة من أن بعض الجهات قد تعتمد مستقبلاً على الأصوات الاصطناعية لتقليل الكلفة، مما قد يقلص الفرص المتاحة أمام المواهب الشابة الصاعدة.

الآلة تعيد التركيب ولا تبتكر

من جانبه، يضع الملحن ومؤسس كورال تعز، سنان التبعي حدوداً واضحة لدور التكنولوجيا في الفن، معتبراً أن الذكاء الاصطناعي أداة لا يمكن تجاهلها لكنها تظل محدودة الأفق.

ويقول التبعي لـ نسوان فويس: “الذكاء الاصطناعي قادر على توليد الألحان، لكنه لا يبتكر من العدم، بل يعيد تركيب ما لُقِّن به من بيانات؛ ولهذا السبب تحديداً يفتقد إلى الهوية والبصمة الفنية الفريدة”.

ويشير التبعي إلى أن اللحن البشري يظل نابضاً بالروح والتجربة الشخصية، بينما تعتمد الآلة على الخوارزميات، ما يجعلها أسرع في الإنتاج ولكنها أقل عمقاً.

كما يحذر من الاستخدام العشوائي لهذه التقنيات، مؤكداً أنها قد تؤثر سلباً على الأغنية اليمنية وتراثها، لا سيما في ظل غياب بنية تحتية موسيقية متكاملة، وارتفاع تكاليف الإنتاج التقليدي التي قد تدفع البعض للاستسهال واللجوء للآلة.

في ظل هذا المشهد، لا يبدو أن الذكاء الاصطناعي سيزيح الفنان من عرشه قريباً، لكنه يفرض واقعاً جديداً وقواعد لعبة مختلفة على صناعة الموسيقى. وبين سرعة الآلة وقدرتها الفائقة على الإنتاج الكثيف، وإصرار الفنان على صون الإحساس البشري، يبقى السؤال مفتوحاً: هل يتغير شكل الفن وجوهره.. أم يتغير فقط طريق الوصول إليه؟

الصورة للفنانة الصاعدة فريدة الحمادي

مقالات أخرى