المرأة البدوية في اليمن.. حارسة القبيلة وصوت الصحراء الصامد

شارك المقال

بشرى الغيلي – نسوان فويس 

ألسنةُ اللهبِ تداعبُ كفّيها السمراوين وهي تروّضُ الخبزُ الجمري فوقَ أحجارِ الصحراءِ المستعرة؛ مشهدٌ مهيبٌ يختزلُ شموخَ المرأةِ البدويةِ التي لا تسكنُ الخيمةَ فحسب، بل هي الوتدُ الذي يمنحُ الرملَ ثباتَه، وزيرةُ السيادةِ التي تطحنُ القهوةَ بعزّةٍ يترددُ صداها بين الجبال، لتسكبَ للضيفِ كرامةً تسبقُ الفنجان، وابنةُ (الحيود) التي روّضت قسوةَ الجغرافيا بقلبٍ يفيضُ شجاعةً وبصيرةٍ تقرأُ وجوهَ النجومِ قبلَ الرمال.

المرأة في بوادي اليمن هي امتداد لبادية دول الجزيرة العربية وعرب الشمال والعشائر العربية، حيث ما تزال تحتفظ بمكانتها الرمزية والاجتماعية داخل القبيلة، بوصفها حارسةً للهوية وركناً أساسياً في إدارة الحياة اليومية وشؤون الأسرة والمجتمع.

“نسوان فويس” تروى في هذا التقرير فصلاً من حكاية مجدٍ خفي، تحرسُ فيه المرأة البدوية الهويةَ وتديرُ شؤون القبيلةِ بالصبر والحكمة وخبرة حياة قائمة على تسخير المتاح وتطويع الطبيعة، دون أن تغفل عن غصّات الحرمان التي تحاول كسر كبريائها.

مزنة الحسيني: تدير المرأة البدوية شئون الخيام والمزرعة في ظل غياب الزوج، وتقوم بعملية الحرث والحصاد إلى جانب إنتاج السمن والحقين.

​وتتفنن منزلياً في إعداد مائدة تقليدية، من المعصوبة بزيت السمسم أو الحليب والسمن، إلى الشتيحة والخبز الجمري الذي يُصنع ببراعة فوق أحجار النار

وادي حباب

​”نحب البادية لأنها مكان ساكن وهادئ وبعيد عن ضوضاء المدن”؛ هكذا تصف مزنة الحسيني، وهي تربوية من وادي حباب – وادي ممتد من خولان بمحافظة صنعاء وحتى صرواح وبدبدة بمحافظة مأرب وسط البلاد، ارتباطها بالبادية.

وفي حديثها لـ”نسوان فويس” تكشف عن حجم المسؤولية الملقاة على عاتق المرأة التي تدير شئون الخيام والمزرعة في ظل غياب الزوج، فتتولى الحرث والحصاد بتعاون نسائي، إلى جانب إنتاج السمن والحقين.

​وتتفنن نساء البادية في إعداد مائدة تقليدية، من المعصوبة بزيت السمسم أو الحليب والسمن، إلى الشتيحة والخبز الجمري الذي يُصنع ببراعة فوق أحجار النار. أما القهوة فهي مقدسة؛ تُحضّر صباحاً وتسمى “فَتَح” ليستهل بها الآباء يومهم، بينما تُعد للمرأة النفساء قهوتها المُرسّخة التي تُغلى لساعة بمزيج من التوابل.

​يومياتُ الصبر

“حياتنا بسيطة وواضحة”؛ كلمات تختصر فلسفة الحياة في البادية، قالتها السيدة أم هيلة (40 عاماً) أثناء حديثها لـ “نسوان فويس”، تحكي أم هيلة حكاية اليوم في البادية قائلة: ” تبدأ الحكاية من مورد الماء، المحطة الصباحية لسقي الأغنام قبل انطلاقها، وهو أيضاً الملتقى الأسبوعي للفتيات لغسل الملابس وتبادل أخبار المنطقة في فضاء اجتماعي رحب”.

​وحين يشح العشب وتجف الأرض، تبدأ رحلة “العزيب”، وهي الانتقال إلى مناطق أخرى بحثاً عن المراعي، في رحلة مليئة بالتحديات تحمل فيها الأسر خيامها وأغنامها وزادها القليل.

تتابع أم هيلة: “ننتقل أحياناً إلى مراعي مناطق أخرى، وهذا عرفٌ مقبول ومقدّر بين القبائل”.

مؤكدة أن شجاعة الفتاة البدوية تُختبر في تلك الفيافي البعيدة، حيث ترافق أمها أو إخوتها في رعي الأغنام ومواجهة قسوة الصحراء.

ورغم الظروف الصعبة وتأثيرها المباشر على التعليم، لا تزال كثير من الأسر البدوية تحاول تعليم بناتها.

وبخصوص العلاقات البينية بين أفراد القبيلة، يظهر التماسك الاجتماعي بصورة واضحة في الأعراس والمناسبات، إذ تُهدى العروس رأساً من الغنم لتبدأ حياتها بقطيعها الخاص.

كما تحيي النساء ليالي الزفاف بلعبة “البالة”، وهي مساجلات شعرية تحفظها البدويات وترددها في ليالي السمر وهدوء المراعي.

العبيدي: البدوية امرأة متمرسة في الحياة، تتقن فراسة قص الأثر وتبرع في الطب الشعبي لعلاج ما استعصى في ظل غياب المستشفيات، في المقابل تتعرض حقوقها لانتهاكات كبيرة، فالمرأة البدوية عادةً تُحرم من التعليم بسبب الزواج المبكر، ويُأخذ حقها من الميراث في بعض المناطق بحجة منع انتقال أملاك القبيلة

​وزيرة الكرم

“هي وزارة الداخلية والخارجية”؛ بهذه العبارة يصف المخرج والفنان زيدون العبيدي مكانة المرأة البدوية في حديثه لـ “نسوان فويس”.

ويرى العبيدي أن المرأة البدوية هي “عمود البيت” التي تتصدر لاستقبال الضيوف وتأمر بنحر الذبائح إكراماً لهم، مجسدةً أعرق قيم الكرم والعروبة.

ويضيف: “البدوية امرأة متمرسة في الحياة، تتقن فراسة قص الأثر وتبرع في الطب الشعبي لعلاج ما استعصى في ظل غياب المستشفيات، في المقابل تتعرض حقوقها لانتهاكات كبيرة، فالمرأة البدوية عادةً تُحرم من التعليم بسبب الزواج المبكر، ويُأخذ حقها من الميراث في بعض المناطق بحجة منع انتقال أملاك القبيلة “.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

​أرشيف القبيلة

في سياق متصل يرى زبن الله شريف، شخصية اجتماعية، أن المرأة البدوية شكّلت عبر العصور الركيزة الأساسية لبقاء القبيلة، خصوصاً خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حيث أدارت الاقتصاد الرعوي والزراعي وشكلت جبهة داخلية قوية.

ويشير في حديث لـ” نسوان فويس” إلى أن العرف القبلي حصّن المرأة بقوانين صارمة تجعل المساس بها “عيباً أسود” يستوجب الاستنفار القبلي العام المعروف بـ “النكف”.

وفي القرن العشرين، برزت المرأة البدوية ـ بحسب شريف ـ كأرشيف حي يحفظ الأنساب والمعارك عبر الشعر الشفهي، بينما لا تزال حتى اليوم تمثل صمام أمان يحافظ على تماسك البنية القبلية ويمنع تفككها رغم موجات النزوح والتغيرات الاجتماعية.

مكانة عالية

​”احترامنا ومكانتنا عند أهلنا عالية وممتازة”؛ تقول حمدة طعيمان (37 عاماً)، بفخر واضح، لكنها لا تخفي في الوقت نفسه شعورها بالألم بسبب غياب الرعاية الصحية وضعف فرص التعليم.

وتكشف في حديث لـ “نسوان فويس”، عن مفارقة مؤلمة: “الظلم الأكبر هو ضياع الحقوق في المواريث؛ فرغم كل هذا الاحترام، نادراً ما تُعطى البدوية حقها المادي، فيضيع ورثها تماماً رغم التقدير المعنوي الذي تحظى به”.

​سلطة التهدئة

من جهتها، ​تؤكد طايفة القردعي، لـ “نسوان فويس” أن المرأة البدوية ليست طرفاً ضعيفاً داخل القبيلة، بل تؤدي دور “الواسطة” وصانعة السلام.

وتوضح أن المرأة تمتلك سلطة إنهاء النزاعات القبلية، إذ يكفي أن تتقدم بين المتقاتلين كـ “نزيلة”، أو أن تضع “المقرمة” في ساحة النزاع، حتى تتحول إلى رمز للصلح لا يجرؤ أحد على كسر هيبته.

وتشير القردعي إلى أن هذه المكانة لم تأتِ من فراغ، بل تأسست على أعراف قبلية قديمة جعلت المرأة رمزاً للشرف، ومنحتها حق “الجوار” والحماية، بحيث يصبح أي شخص احتمى بها في ذمة القبيلة بأكملها.

​تفاخر بنسائها

​”ليست مجرد جزء من الحكاية، بل هي الحكاية ذاتها”؛ بهذه الكلمات يصف طالب المرادي، وهو شخصية اجتماعية، المرأة البدوية في حديثه لـ “نسوان فويس”.

ويؤكد أن المرأة البدوية تقود بصمت، وتمتلك ذكاءً فطرياً يجعلها خبيرة بمنازل النجوم وقص الأثر وإدارة تفاصيل الحياة اليومية ببراعة نادرة.

ويضيف: “إلى جانب إدارتها لمكارم القبيلة ورعاية طقوسها النبيلة ككرم الضيافة، فهي أيضاً خزينة للشعر الشعبي ومؤرخة بصوت الشعر”.

ويوجه المرادي رسالة لكسر الصورة النمطية عن البادية قائلاً: “لا تقيسوا قيمة الإنسان بمظهر حياته بل بأثره.. البادية تفاخر بنسائها اللواتي كنّ ولا يزلن الجدار الأخير الذي تستند إليه القبيلة”.

وتفتقر السجلات الديموغرافية اليمنية إلى أي إحصائيات حديثة تُفرز البدو الرُحل كشريحة مستقلة، إذ دمجتهم التعدادات السكانية ضمن سكان الريف، فيما تظل نسبة 9.8% من إجمالي السكان، الواردة في تعداد عام 1973، وهو آخر تقدير تاريخي لحجم هذا المكون الاجتماعي.

ورغم مرارة الحرمان من التعليم والميراث، تظل بصمة المرأة البدوية حاضرة، وقائمة لا تكسرها الأيام؛ فهي الحكاية التي لا تنتهي، والقوة التي تمنح القبيلة بقاءها، والوجه الأجمل لهوية يمنية تضرب جذورها في عمق التاريخ.

مقالات أخرى