لميس الصوفي – نسوان فويس
في بيت متهالك على خطوط التماس، في منطقة المطار غربي محافظة تعز، حيث تتصاعد أصوات القذائف وأزيز الرصاص، تقاوم سحر محمد، في العقد الرابع من عمرها، واقع الحرب بكتاب مدرسي وقلب مفعم بالأمل.
سحر، أم لأربعة أطفال: أريانا (10 سنوات)، عبود (9 سنوات)، محمد (15 عاماً)، ونارين (17 عاماً)، قررت العودة إلى مقاعد الثانوية بعد سنوات من النزوح وظروف الحرب، متحدية الواقع الصعب الذي فرضته عليها الحرب، أملاً في الالتحاق بالجامعة وتحقيق حلمها في إكمال التعليم.
نزوح يعيد الشغف
قبل سنوات، دمرت الحرب منزل سحر، ما اضطرها للنزوح مع أطفالها إلى منزل قريب، لا يبعد عن بيتها الأصلي سوى بضعة أمتار.
تقول سحر لـ “نسوان فويس”:”بيتنا كان بسيطاً وهشاً، ولم يكن ليحمينا من خطر القنص والقذائف، أما هذا المنزل فهو أكثر تحملاً”.
ذلك النزوح القسري غيّر حياتها، وكاد يطفئ شغفها بالحياة، فهي تعيش في منطقة محاصرة، تفتقر إلى أبسط مقومات العيش. لكن تلك التجربة نفسها أشعلت فيها شرارة العودة إلى التعليم بعد توقف دام سنوات.
“بعد أن أقنعت زوجي بالأمر، خصصت ساعات معينة للدراسة، والتزمت بها بعد انتهائي من جميع أعمالي المنزلية وتلبية متطلبات أسرتي” تضيف سحر.
وتتابع بحماس: “كنت أحلم بإكمال دراستي، واليوم أرى أطفالي ينظرون إليّ كبطلة، وأريد أن أكون أماً متعلمة تزرع فيهم الأمل”.
لم تكن الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة تُقاس بالكيلومترات، بل رحلة يومية بين الخوف والأمل. ففي كل صباح، تغادر سحر منزلها بعد شروق الشمس، وبعد أن تكون قد انتهت من إعداد وجبة الإفطار لأسرتها، قاطعةً مسافة ثلاث كيلومترات يومياً سيراً على الأقدام عبر طريق مليء بالحواجز والمخاطر، والاحتمالات السوداء
تحديات يومية
لم تكن الطريق إلى المدرسة مجرد مسافة تُقاس بالكيلومترات، بل رحلة يومية بين الخوف والأمل. ففي كل صباح، تغادر سحر منزلها بعد شروق الشمس، وبعد أن تكون قد انتهت من إعداد وجبة الإفطار لأسرتها، قاطعةً مسافة ثلاث كيلومترات يومياً سيراً على الأقدام عبر طريق مليء بالحواجز والمخاطر، والاحتمالات السوداء: “أحياناً أشعر أنني لا أذهب إلى حصة دراسية، بل إلى معركة صغيرة أقاتل فيها من أجل مستقبلي” تقول سحر.
ولا تقتصر التحديات على الطريق فقط، فقد واجهت سحر ضغوطاً نفسية واجتماعية دفعتها للتفكير في التوقف عن مواصلة تعليمها، لكنها أصرت على المضي قدماً: “التحديات موجودة نعم، لكن خوفي من أن أستسلم أكبر” تؤكد سحر.
كل يوم تعود منهكة إلى منزلها، لكنها أكثر تمسكاً بحلمها، مؤمنة بأن الظروف الصعبة يجب أن تكون دافعاً للاستمرار لا سبباً للتراجع.
صايم: كان يُنظر إلى النساء غالباً كضحايا فقط، لكن إصرارهن على مواصلة التعليم يعيد بناء الثقة الذاتية، ويقلل من اليأس الجماعي، ويحد من تسرب النساء من التعليم، ما يسهم في بناء جيل قادر على مقاومة الانهيار
نموذج ملهم
قصة سحر ليست استثناءً، بل تمثل نموذجاً يلهم كثيراً من النساء النازحات للعودة إلى التعليم. تقول ابنتها الكبرى أريانا لـ “نسوان فويس”:”ندرس أنا وأمي في الفصل نفسه، نذاكر دروسنا معاً ونشجع بعضنا البعض “.
وتضيف بفخر: “أمي علمتني أنه لا يوجد شيء قادر على سرقة حلم الإنسان”.
في سياق متصل تتحدث الناشطة الحقوقية، أريج النابهي، لـ “نسوان فويس” بالقول: ” قصص عديدة مثل قصة سحر تكسر الصورة النمطية عن المرأة، وتعزز مشاركتها في التنمية، باعتبار التعليم وسيلة مهمة لبناء سلام مستدام “.
من جهتها تؤكد الدكتورة في علم النفس الاجتماعي، نجاة صيام أن هذا النوع من القصص يمثل نموذجاً حياً يغير ديناميكيات المجتمع تحت الحرب.
وتقول في حديث لـ “نسوان فويس”:” كان يُنظر إلى النساء غالباً كضحايا فقط، لكن إصرارهن على مواصلة التعليم يعيد بناء الثقة الذاتية، ويقلل من اليأس الجماعي، ويحد من تسرب النساء من التعليم، ما يسهم في بناء جيل قادر على مقاومة الانهيار”.

حلم مشترك
تستعد سحر وابنتها أريانا هذا العام لخوض امتحانات المرحلة الثانوية معاً. وبعد أشهر من المذاكرة والمتابعة، تأملان تحقيق حلمهما المشترك. تقول سحر: “حلمي أن أتخصص في علوم الحاسوب، وإن شاء الله احققه”.
ويشير تقرير حديث صادر عن صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى وجود نحو 1.5 مليون فتاة يمنية خارج التعليم خلال سنوات الحرب. كما يشير التقرير إلى الجهود التي يبذلها الصندوق بالشراكة مع اليونيسف ومنظمات المجتمع المدني لإطلاق مبادرات تعليمية تستهدف النساء، وأسهمت في الحد من تفاقم ظاهرة تسرب الفتيات من التعليم.
لكن التقرير يحذّر في الوقت نفسه من أن هذه الجهود تواجه خطر الإغلاق الوشيك بسبب نقص التمويل الحاد، وهو ما وصفه بـ “الانتكاسة الكارثية” لبرامج التعليم.
دور مجتمعي
إلى جانب دراستها، تتبرع سحر بوقتها في مدرسة حكومية قريبة، حيث تتطوع كمعلمة مساعدة لطلبة الصفوف الابتدائية، حيث تقضي ساعات يومياً في تعليم الأطفال مادة الحساب: “أشعر بفخر عظيم وأنا أعلم الأطفال، حتى وإن كان ذلك عملاً تطوعياً. فالعلم هو سلاحنا الوحيد ضد الجهل والحرب، وضد اليأس أيضاً” تقول سحر.
وتؤكد أنها ستواصل تعليم الأطفال رغم أن عملها التطوعي لا يدر عليها أي عائد مادي.
رسالة سحر
في ختام حديثها، توجه سحر رسالة لكل امرأة يمنية، قائلة: “لا تدعي الحرب أو النزوح يسرق منك حلمك. ابدئي خطوة صغيرة اليوم، سواء بكتاب أو بدرس صغير على الهاتف. فأنت قوية بما يكفي لتبني مستقبلاً لك ولأطفالك. التعليم ليس رفاهية… بل بقاء”.

