سلام شرقي – نسوان فويس
تنتشر إعلانات التوظيف على منصات التواصل الاجتماعي بشكل واسع ومتواصل، حتى أصبح من النادر أن يتصفح المستخدم تلك المنصات دون أن يصادف إعلاناً عن وظيفة أو فرصة عمل. غير أن كثيراً من هذه الإعلانات تفتقر إلى أبسط معايير الموثوقية؛ إذ تكتفي بطلب إرسال السيرة الذاتية عبر رقم هاتف، دون الإفصاح عن اسم الجهة المعلنة أو موقعها الإلكتروني أو حتى بريد رسمي للتواصل.
ورغم أن الإنترنت فتح بالفعل نافذة واسعة للحصول على فرص عمل للكثير من الشباب والشابات، فإن هذا النوع من الإعلانات تحوّل، في بعض الحالات، إلى وسيلة لاستغلال الباحثين عن عمل، خصوصاً الفتيات، وصولاً إلى مضايقتهن أو جمع بياناتهن الشخصية بطرق مريبة.
ومع التوسع الكبير في إعلانات التوظيف عبر الإنترنت، وازدياد أعداد الباحثين عن فرص العمل، لا يزال هذا المجال بعيداً عن التنظيم الحقيقي، سواء من خلال إنشاء بوابات توظيف إلكترونية موثوقة، أو عبر تكثيف حملات التوعية والتدريب التي تساعد الشباب والشابات على التمييز بين الوظائف الحقيقية والإعلانات الوهمية.
أمضيت أكثر من عامين أتلقى الوعود الزائفة وألاحق فرصاً لم تكن موجودة أساساً، ببساطة لقد باعوا لي الوهم، وبعض مكاتب التوظيف استغلت حاجتي للعمل، وطلبت مني دفع رسوم مقابل إضافة اسمي إلى قوائم المتقدمين لوظائف أعلنوا عنها على فيسبوك، ثم اكتشفت لاحقاً أنها وظائف وهمية
سنوات من الوهم
تتحدث ريام محسن، عن تجربتها الطويلة في البحث عن عمل عبر الإنترنت لـ”نسوان فويس” بالقول: ” أمضيت أكثر من عامين أتلقى الوعود الزائفة وألاحق فرصاً لم تكن موجودة أساساً، ببساطة لقد باعوا لي الوهم، وبعض مكاتب التوظيف استغلت حاجتي للعمل، وطلبت مني دفع رسوم مقابل إضافة اسمي إلى قوائم المتقدمين لوظائف أعلنوا عنها على فيسبوك، ثم اكتشفت لاحقاً أنها وظائف وهمية”.
ورغم تلك الإخفاقات، لم تفقد ريام الأمل في العثور على فرصة حقيقية، خاصة أنها تحمل شهادة البكالوريوس في اللغة العربية، إضافة إلى حصولها على عدد من الدورات المتخصصة في التسويق الرقمي.
وتوضح أن إحدى الوظائف التي حصلت عليها عن بُعد شكّلت نقطة تحول بالنسبة لها، رغم أن المقابل المادي لم يكن يتجاوز ثلاثين ألف ريال شهرياً، أي ما يعادل نحو 55 دولاراً.
وتقول: “كان المبلغ بسيطاً جداً، لكنه أعاد لي الإيمان بأن هناك وظائف حقيقية يمكن الوصول إليها عبر الإنترنت”.
ومع مرور الوقت، أصبح البحث عن فرص العمل عبر المنصات الرقمية جزءً من روتينها اليومي، إذ اشتركت في العديد من الصفحات والمجموعات المتخصصة بنشر الوظائف، وتمكنت لاحقاً من الحصول على فرص موسمية لجهات أعلنت عن احتياجاتها عبر مواقع التواصل.
وتؤكد ريام أنها لا تزال حتى اليوم تتابع إعلانات التوظيف بشكل مستمر، وتشارك الفرص التي تجدها مع صديقاتها، مشيرة إلى أن إحدى صديقاتها حصلت بالفعل على وظيفة في المجال الطبي بعد تقديمها عبر إعلان منشور على فيسبوك.
وبعد سنوات من متابعة إعلانات الوظائف، تنصح ريام الباحثات عن عمل بضرورة التحقق من الإعلانات قبل التقديم، وعدم الاستسلام لليأس، وذلك عبر البحث عن اسم الشركة والاستفسار عنها، والتأكد من مصداقيتها قبل إرسال أي معلومات شخصية.
كما تشدد على أهمية عدم التواصل المباشر مع الأرقام المجهولة، وتقترح أن تطلب الفتاة من أحد أفراد أسرتها التأكد من الجهة المعلنة قبل مشاركة بياناتها.
يدرك المحتالين صعوبة طلب أرقام الفتيات بشكل مباشر، لذلك يلجؤون إلى إعلانات الوظائف كوسيلة لجمع أكبر قدر ممكن من الأسماء والأرقام والبيانات الشخصية، وبالفعل تعرضت بعض الضحايا لاحقاً لمحاولات تصيد إلكتروني عبر إرسال روابط مشبوهة إلى هواتفهم بعد الحصول على أرقامهم، وهي من أكثر الأساليب شيوعاً حالياً
بوابة نحو الاحتيال
مما لا شك فيه أن الإنترنت ساهم في خلق فرص عمل جديدة خارج إطار الوظيفة الحكومية التقليدية، وفتح المجال أمام أصحاب المهارات والخبرات، حتى لمن لا يحملون شهادات جامعية. غير أن هذا العالم المفتوح يتطلب، في المقابل، مستوى أعلى من الوعي الرقمي والمعرفة بأساليب الاحتيال المنتشرة.
في هذا السياق يؤكد المختص في المجال الرقمي، عبد الباسط عقلان، أن قطاع التوظيف يُعد من أكثر المجالات استهدافاً لعمليات الاحتيال، خصوصاً في ظل ارتفاع معدلات البطالة وزيادة أعداد الباحثين عن عمل من الجنسين.
ويوضح أن بعض المحتالين ينشئون صفحات وحسابات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، وينشرون عبرها إعلانات توظيف مزيفة، ثم يطلبون من المتقدمين إرسال السير الذاتية أو البيانات الشخصية إلى أرقام هواتف خاصة.
ويضيف في حديث لـ “نسوان فويس”: “هذه المؤشرات يجب أن تمنح الفتيات انطباعاً أولياً بأن الإعلان غير موثوق، وأن الهدف الحقيقي قد يكون جمع البيانات الشخصية واستغلالها بطرق خاطئة”.
ويتابع عقلان: ” يدرك المحتالين صعوبة طلب أرقام الفتيات بشكل مباشر، لذلك يلجؤون إلى إعلانات الوظائف كوسيلة لجمع أكبر قدر ممكن من الأسماء والأرقام والبيانات الشخصية، وبالفعل تعرضت بعض الضحايا لاحقاً لمحاولات تصيد إلكتروني عبر إرسال روابط مشبوهة إلى هواتفهم بعد الحصول على أرقامهم، وهي من أكثر الأساليب شيوعاً حالياً “.

في تقرير نشره موقع الأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2021 بعنوان: “المتاجرون بالبشر يجدون ضحاياهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي”، أشار إلى إن الإنترنت أصبح وسيلة سهلة لجذب الضحايا، لأن القيود المادية والجغرافية التقليدية لم تعد موجودة، كما بات المتاجرون ينشئون مواقع مزيفة أو ينشرون إعلانات عبر منصات توظيف ومواقع تواصل تبدو مشروعة.
مهارات ضرورية للحماية
ينصح عبد الباسط عقلان الباحثات عن عمل بضرورة تتبع الإعلانات المنشورة على مواقع التواصل الاجتماعي والتحقق من الجهة التي تقف خلفها، من خلال البحث عن اسم الشركة وموقعها الإلكتروني وحساباتها الرسمية وعنوانها وأرقام التواصل الخاصة بها.
كما يدعو إلى تقييم محتوى الإعلان نفسه، موضحاً أن بعض الإعلانات تكشف زيفها من خلال صياغتها أو الرواتب المبالغ فيها أو غياب التفاصيل الأساسية.
ويؤكد أيضاً أهمية فحص الروابط الإلكترونية وعدم التسرع في إرسال أي معلومات أو ملفات شخصية قبل التأكد الكامل من الجهة المعلنة.
ووفقاً لتحليل صادر عن منظمة العمل الدولية لبيانات الوظائف المنشورة على الإنترنت، فإن أصحاب العمل لم يعودوا يبحثون فقط عن المهارات التقنية، بل باتوا يهتمون أيضاً بالإلمام الرقمي والمهارات الاجتماعية والتفكير النقدي، وهو ما يعكس أهمية امتلاك الباحثات عن عمل قدراً من المعرفة الرقمية التي تساعدهن على تجاوز مخاطر الاحتيال والاستغلال.
من جهته، يقول أحمد ردمان، مسؤول موارد بشرية في إحدى الشركات التجارية بمحافظة حضرموت، في حديث لـ “نسوان فويس”: ” كثافة إعلانات الوظائف على مواقع التواصل تدفع كثيرين إلى التسرع في إرسال بياناتهم الشخصية أملاً في ضمان أسبقية التقديم”.
ويوضح أن قسم الموارد البشرية في الشركة التي يعمل بها يعتمد آلية واضحة عند الإعلان عن الوظائف، تقوم على نشر الشروط المطلوبة وطلب إرسال ما يثبت توافرها عبر البريد الإلكتروني، دون اشتراط إرفاق كل التفاصيل الشخصية منذ البداية.
وينصح ردمان الباحثات عن عمل، خصوصاً الفتيات، بالاكتفاء في المرحلة الأولى بإرسال بيانات محدودة، وتأجيل تسليم الملفات الكاملة إلى مراحل لاحقة مثل المقابلات أو بعد الاتفاق النهائي على الوظيفة.
كما يستذكر تجربة إعلان نشره قسم الموارد البشرية في شركته عبر فيسبوك، حيث طلبوا من المتقدمين إرسال طلباتهم إلى البريد الإلكتروني، لكن كثيرين كانوا يطالبون برقم هاتف لإرسال السير الذاتية، وهو ما يعكس – بحسب قوله – ضعف الخبرة الرقمية لدى بعض الباحثين عن عمل أو عدم امتلاكهم لبريد إلكتروني.
ولا يبدو أن هذه الظاهرة تقتصر على اليمن وحدها؛ إذ أشار مركز موارد سرقة الهوية، وهو منظمة وطنية غير ربحية في الولايات المتحدة، تأسست عام 1999 بهدف تقديم الدعم المجاني لضحايا سرقة الهوية ومساعدتهم في حل بقضاياهم، إلى ارتفاع عمليات الاحتيال الوظيفي بنسبة 118% خلال عام 2023 مقارنة بالعام السابق، كما أقر 81% من مسؤولي التوظيف بأن شركاتهم نشرت إعلانات وظائف غير موجودة أو تم شغلها بالفعل.
ولهذا، يواصل المختصون في الأمن الرقمي الدعوة إلى اتباع خطوات وقائية والتحقق من سمعة الشركات والجهات المعلنة، لتجنب الوقوع في فخ الاحتيال الذي يتطور باستمرار ويتخذ أشكالاً وأساليب أكثر تعقيداً.

