منيرة أحمد الطيار- نسوان فويس
لم تكن نادية، ذات الثلاثة والعشرين عاماً، بحاجة إلى مجرد تشخيص طبي مكتوب على ورقة رسمية، بقدر حاجتها إلى من يُصدّق أنين جسدها المتعب. تقول بصوت مثقل الإرهاق لـ “نسوان فويس”: “أصحى من النوم تعبانة… كأني ما نمت”. كانت تستعيد بذلك شهوراً طويلة من الإنهاك المتواصل الذي لم يترك في روحها مساحة لشيء سوى التعب.
لم يكن الأمر مجرد إرهاق عابر، بل ثِقلاً يومياً يضغط على صدرها وعقلها معاً، حتى غدت أبسط المهام أشبه بجبال من المشقة.
بدأت حكاية نادية بقرار بدا بسيطاً وعادياً؛ اتباع حمية غذائية لإنقاص الوزن. تقول: “خففت أكلي كثير… كنت أشتي أنحف بس”. لكنها لم تكن تدرك أن تلك الخطوة ستقودها إلى دوامة من الدوار المستمر والوهن والانهيار الجسدي.
وحين طرقت أبواب العيادات والمستشفيات، كانت الإجابة شبه موحدة: “أنتِ مريضة بفقر دم حاد”. بدأت رحلة المكمّلات الغذائية وأقراص الحديد، غير أن جسدها واصل التدهور دون أي تحسن حقيقي. ومع كل زيارة لطبيب جديد، كانت تسمع العبارة ذاتها: تحاليلك طبيعية، ربما أنتِ فقط متوترة.
تؤكد الدكتورة بتول حسن، اخصائية غدد صماء وسكري، في حديث لـ ” نسوان فويس” أن ما مرت به نادية ليس حالة فردية نادرة إنما ظاهرة سريرية شائعة تُعرف طبياً بمقاومة الجسم للهرمونات أو النقص النسبي ويرى الأطباء أن المعايير المختبرية التقليدية قد لا تعكس دائماً احتياج الخلايا الفعلي فبينما تظهر الأرقام ضمن النطاق الطبيعي يكون الجسد في حالة استغاثة فعلية مما يجعل الأعراض السريرية (مثل الإنهاك المزمن وبرودة الأطراف) هي المؤشر الأصدق من فحص المخبر الذي قد يخطئ في قراءة أنين الخلايا.
في دراسة سريرية تُعد من الأكبر والأشمل في اليمن للدكتور محمد الهتار من جامعة جبلة للعلوم الطبية والصحية بمحافظة إب، تم تحليل أكثر من 4000 حالة على مدى سبع سنوات خلصت الدراسة إلى نتيجة حاسمة تكسر حاجز الصمت مفادها أن 92.4% من المصابين باضطرابات الغدة الدرقية هم من النساء
حين يصرخ الجسد
بين ما تشعر به نادية وما يُقال لها، بدأت فجوة عميقة تتشكل ليس في جسدها فحسب، بل في ثقتها بنفسها “حتى أنا شكّيت في نفسي.. قلت يمكن أنا أتوهم ” تضيف بمرارة:” هذه اللحظة يتحوّل الألم إلى شك أوسع”.
في دراسة سريرية تُعد من الأكبر والأشمل في اليمن للدكتور محمد الهتار من جامعة جبلة للعلوم الطبية والصحية بمحافظة إب، تم تحليل أكثر من 4000 حالة على مدى سبع سنوات خلصت الدراسة إلى نتيجة حاسمة تكسر حاجز الصمت مفادها أن 92.4% من المصابين باضطرابات الغدة الدرقية هم من النساء. هذا الرقم لا يضع المرض في إطاره الطبي فحسب، بل يعيد تعريفة كقضية صحة عامة تمسّ كيان المرأة اليمنية في بيئة تتقاطع فيها مجاعات مستترة وإجهاد مزمن وتداعيات حرب لا تنتهي.
ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
المنطقة الرمادية الخفية
ما يجعل معاناة نادية وأمثالها أكثر تعقيداً هو طبيعة المرض الخفية. فبحسب دراسة جامعة جبلة، فإن 10.7% من الحالات تقع ضمن ما يُعرف بـ “القصور تحت السريري” وهي مرحلة “رمادية” لا تُعلن فيها الغدة فشلها الكامل في الأوراق الرسمية، بينما يكون الجسد قد بدأ فعلياً بالدخول في حالة الانهيار البطيء.
هذه المنطقة الرمادية تصفها الدكتورة بتول بأنها مرحلة الخداع الهرموني حيث يرتفع هرمون الـ (TSH) بشكل طفيف لا يستدعي العلاج في نظر الطب التقليدي لكنه كفيل بإحداث انهيار في الوظائف الحيوية للمرأة، ويشدد المتخصصون على ضرورة عدم الاكتفاء بالأرقام بل يجب الربط بين هذه الأرقام وتفاصيل الشكوى فالخمول، واضطراب الدورة الشهرية وتساقط الشعر هي أدلة دامغة تفوق في قيمتها التشخيصية ورقة المختبر الصماء.
نورا خالد: المرأة المصابة باضطراب الغدة الدرقية تتحوّل، في نظر الآخرين، من مريضة تحتاج إلى علاج هرموني حقيقي، إلى “متوهمة” تُحاكم اجتماعياً بتهم الكسل أو المبالغة أو “النكد”، بينما تكون الحقيقة أن جسدها يطلق إشارات استغاثة صامتة طلباً لاستعادة التوازن الهرموني المفقود
داخل المتاهة النفسية
من جهتها تربط الأخصائية النفسية، نورا خالد، بين اعتلال واضطرابات الغدة الدرقية وظهور بعض الأعراض النفسية كالاكتئاب والقلق، حيث تشير إلى أن بعض هذه الأعراض تتشابه، ما يدفع الأطباء بتشخيصه كسبب نفسي بصورة مضللة بمجرد ظهور نتائج مخبرية “طبيعية” – ومن ثم توجيه التشخيص مباشرة نحو التفسير النفسي، وكأن جسد المرأة لا يمرض إلا من بوابة التوتر والضغط النفسي.
وتضيف خالد في حديث لـ “نسوان فويس”: “عندما تُقال للمريضة جملة: كل شيء طبيعي، تبدأ صدمة التشكيك، إذ لا تفقد المريضة ثقة المحيطين بها فحسب، بل تبدأ تدريجياً بفقدان ثقتها في نفسها وفي عقلها أيضاً”.
وتوضح أن المرأة المصابة باضطراب الغدة الدرقية تتحوّل، في نظر الآخرين، من مريضة تحتاج إلى علاج هرموني حقيقي، إلى “متوهمة” تُحاكم اجتماعياً بتهم الكسل أو المبالغة أو “النكد”، بينما تكون الحقيقة أن جسدها يطلق إشارات استغاثة صامتة طلباً لاستعادة التوازن الهرموني المفقود.
علميًا ترى الدكتورة بتول أن الربط السريع بين (النتائج الطبيعية) والتشخيص النفسي هو قفز فوق الحقائق البيولوجية، إذ يؤثر نقص هرمونات الغدة الدرقية مباشرة على الناقلات العصبية في الدماغ مما يسبب أعراضاً تشبه تماماً الاكتئاب والقلق وهنا تتحول القضية من توهم نفسي إلى خلل كيميائي يستوجب التأكد قبل إطلاق الأحكام على المرأة والتشكيك بمرضها وتعبها.

مجتمع يضاعف الوجع
في هذا الفراغ التشخيصي، يتطوع المجتمع بتقديم تفسيراته القاسية. تقول “أم خالد” (40 عاماً) لـ “نسوان فويس”: “كنت أقول لهم تعبانة… يقولوا لي بطّلي دلع”. وهكذا تتحوّل الأعراض الطبية الموثقة إلى صفات شخصية؛ فالخمول يُفسَّر على أنه إهمال، وزيادة الوزن يُنظر إليه كشراهة، أما التقلبات المزاجية فتُختزل في “طبع سيئ”.
وتزداد خطورة الأمر حين نعلم أن الإصابات بين النساء تتركز في الفئة العمرية من 30 إلى 49 عاماً، وهي مرحلة ذروة العطاء الأسري والمهني؛ فعندما تُصاب المرأة في هذا السن بخمول غير مفهوم لا تتعطل حياتها الشخصية فحسب، بل تتصدع شبكة كاملة من المسؤوليات الأسرية، مما يضاعف شعورها بالذنب والتقصير تحت وطأة أوصاف جارحة مثل “مهملة” أو “فاترة”.
الهروب نحو البدائل
في ظل ارتفاع تكاليف الفحوصات وصعوبة الوصول للرعاية، خصوصاً في المناطق الريفية، تجد بعض النساء أنفسهن مدفوعات نحو خيارات يائسة وخطرة.
تروي سميرة، البالغة من العمر (34 عاماً) والمقيمة في ريف محافظة عمران، تجربتها لـ “نسوان فويس”، قائلة: “قالوا لي اشربي لش خلطة أعشاب وبتتعافي من اضطراب الغدة”. لكن رحلتها مع تلك الوصفات انتهت بنزيف حاد أدخلها في مضاعفات صحية خطيرة.
ويحذر الأطباء من أن الاستخدام العشوائي لليود أو الخلطات الشعبية مجهولة المصدر قد يقود إلى نتائج كارثية، مثل “التسمم الغدي” أو تفاقم تضخم الغدة بشكل دائم. غير أن هذا السلوك لا يمكن فصله عن السياق الاجتماعي والاقتصادي المحيط؛ ففي بيئة يُشكَّك فيها بالمرض، ويصبح فيها التشخيص والعلاج عبئاً يفوق قدرة كثير من النساء، يبدو البحث عن حل سريع أو منخفض التكلفة أمراً مفهوماً، مهما كانت مخاطره.
صرخة تبحث اعترافًا
تتجاوز قصة اضطرابات الغدة الدرقية في اليمن حدود المرض الهرموني، لتتحول إلى مرآة تعكس صراعاً مريراً تخوضه المرأة على أكثر من جبهة. إنها حكاية جسد ينهار تحت وطأة الظروف المعيشية القاسية، في وقت يقف فيه “النظام المخبري” عاجزاً عن التقاط الأنين المختبئ خلف برودة الأرقام، بينما يتحول المجتمع إلى محكمة أخلاقية تُفسّر تعب النساء باعتباره مبالغة أو تهرباً من المسؤولية.
ولم تأتِ دراسة الهتار لتوثيق الأرقام فحسب، بل لإعادة الاعتبار لأصوات ظلت مهمشة تحت ركام التشكيك. فعندما تكشف الدراسة أن 92.4% من المصابين هن نساء، وأن نسبة كبيرة منهن يعشن داخل “المنطقة الرمادية” للتشخيص، فهي تدحض خطاب “الكسل والدلع” الذي طارد نادية وآلاف النساء غيرها.
وتختصر نادية الحكاية كلها بجملة بسيطة، لكنها موجعة بما يكفي لوضع الحقيقة في مكانها الصحيح: “نحنا مش نتوهم… نحنا بس تاعبات”.

