دولة الحصباني – نسوان فويس
عشرات الفتيات اللواتي يرتدن كل صباح مبنى متهالك في مدينة تعز، هو جزء من مبنى المعهد الوطني للعلوم الإدارية، المبنى الذي اتخذته طالبات معهد الخنساء التقني التجاري للبنات (معهد حكومي) مقرًا مؤقتًا لهن، وعوضاً من أن يكون مساحة للتعلم، صار مساحة يومية للخوف والقلق، بسبب السقف المتشقق، والجدران المتضررة، والممرات التي تتحول إلى مجارٍ لمياه الأمطار كلما هطل المطر.
وضع قاتم، وجزء من حياة يومية تعيشها مئات الطالبات منذ سنوات، وليست مجرد تفاصيل عابرة في مؤسسة تعليمية تفتقر لأبسط مقومات السلامة.
قاعات تبتلعها الأمطار
تصف حنان محمد طاهر، عميد معهد الخنساء، هذا الواقع بمرارة وألم كبير، خلال حديثها لـ “نسوان فويس”، تقول: ” يعمل المعهد منذ سنوات داخل مبنى متضرر من الحرب، متهالك السقف، غير مهيأ، ولا صالح للاستخدام الآمن”.
لكن الأزمة، كما تؤكد طاهر، لا تتوقف عند حدود التهالك الظاهر، بل تتضاعف خلال موسم الأمطار حين تتسرب المياه من السقف إلى داخل القاعات الدراسية، فتتشكل برك ومستنقعات داخل الفصول نفسها، متسببة بتهالك المكاتب والأثاث، علاوة لتحول ممرات المعهد إلى مجاري مفتوحة للمياه، وهو ما يعيق الحركة ويفاقم معاناة الطالبات اللواتي يجدن صعوبة بالغة في الاستمرار بالدوام”.
الجدير بالذكر أن أجزاء من الأسقف المستعارة كانت قد تساقطت داخل بعض القاعات جراء هطول الأمطار أواخر أبريل/نيسان الماضي، مع آثار واضحة للرطوبة والتلف على الجدران والممرات، لكنها زادت سوءً اليوم وبالتزامن مع هطول الأمطار الموسمية.
كما تظهر القاعات الدراسية بأثاث متآكل وبيئة غير مهيأة للتعليم الآمن، في وقت تواصل فيه الطالبات حضور المحاضرات وسط مخاوف مستمرة من تدهور المبنى.
في مدينة أنهكتها الحرب، تبدو صورة الطالبات وهن يحاولن متابعة المحاضرات وسط هذه الظروف، كأنه مشهد مكثف عن حال التعليم كله في اليمن. تتسأل طاهر بصوت يحمل شيئاً من العجز والغضب: “كيف يمكن للطالبة أن تركز في دراستها وهي تخشى من سقف قد يسقط فوق رأسها بأي لحظة، أو مياه قد تغمر مكانها فجأة؟! احتمالات فرص النجاة منها متروكة للأقدار واللطف الإلهي فقط “.
مضيفةً: ” تتعطل الدراسة كثيرًا بسبب الأمطار، وبعض القاعات تُغلق بالكامل، فيما تُنقل المحاضرات بصورة عشوائية، وأحيانًا يُضطر الكادر للتدريس في حوش المبنى نفسه”.
مدير معهد الخنساء التقني والتجاري: غياب البيئة التعليمية المناسبة في المعهد، لا يؤثر فقط على سير العملية التعليمية، بل انعكس مباشرة على الطالبات أنفسهن، حيث عزفت بعض الفتيات عن الالتحاق بالمعهد، بينما اضطرت أخريات إلى ترك الدراسة بسبب غياب الاستقرار والخوف المستمر
تعليم وسط الخوف
ورغم أن إدارة المعهد وثقت الأضرار ورفعتها مرارًا إلى الجهات المختصة عبر تقارير رسمية ومخاطبات وفيديوهات، إلا أن الاستجابة، بحسب العميدة، بقيت “مجرد وعود دون تنفيذ فعلي على أرض الواقع“.
“غياب البيئة التعليمية المناسبة في المعهد، لا يؤثر فقط على العملية التعليمية، بل انعكس مباشرة على الطالبات أنفسهن، حيث عزفت بعض الفتيات عن الالتحاق بالمعهد، بينما اضطرت أخريات إلى ترك الدراسة بسبب غياب الاستقرار والخوف المستمر”. تقول طاهر.
غير أن الأثر النفسي، كما تصفه طاهر يبدو أكثر قسوة من الخراب المادي نفسه، نتيجة حالات القلق والخوف والاضطراب وعدم الاستقرار النفسي الذي تعيشه الطالبات، وهو ما ينعكس على تركيزهن ومستواهن الأكاديمي ودافعيتهم للاستمرار في التعليم.
في ظل هذا الواقع، لم تجد إدارة المعهد سوى حلول مؤقتة، مثل إغلاق القاعات الأكثر تضررًا، وتوزيع الطالبات على مساحات أقل خطورة، أو إقامة بعض المحاضرات في ساحة المبنى، وهي إجراءات تصفها العميدة بأنها “غير قادرة على معالجة المشكلة من جذورها“.
رغم كل الظروف التي يمر بها معهد الخنساء التقني والتجاري بتعز، إلا أنه لا يزال يواصل عمله ويحتضن نحو 350 طالبة في تخصصات تقنية ومهنية متعددة، تشمل المحاسبة، وإدارة الأعمال، واللغة الإنجليزية، والجرافيكس، وتقنية المعلومات، والأمن السيبراني، إضافة إلى الخياطة والتفصيل

وعود بلا حلول
وراء هذا المبنى المتهالك تقف قصة مشروع متعثر منذ سنوات؛ إذ توقف العمل على مبنى المعهد الجديد في منطقة ثعبات بصالة بسبب الحرب، رغم الوعود المتكررة باستكماله. وتشير طاهر إلى أنه جرى الإعلان بالفعل عن استئناف المشروع ضمن البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن للعام 2025: ” لكننا ما زلنا محلك سر، ولا نعرف ما السر وراء هذا التعثر الطويل” تقول طاهر.
وتستطرد أن كل محاولات التواصل مع الجهات المعنية تنتهي بوعود جديدة فقط.
وتحمّل عميدة المعهد السلطة المحلية، ومكتب التخطيط، ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني مسؤولية استمرار الأزمة، مؤكدة أن هناك” تقصيراً واضحاً يتمثل في غياب المساءلة والمتابعة الجادة”. ومع ذلك، ترى أن الحلول العاجلة ليست مستحيلة، إذ يمكن – بحسب قولها – استكمال دور التسوية أو الدور الأول من مبنى ثعبات، لأنه يحتاج فقط إلى تشطيبات أساسية مثل الأبواب والشبابيك والتلييس.
ورغم كل الظروف التي يمر بها معهد الخنساء التقني والتجاري بتعز، إلا أنه لا يزال يواصل عمله ويحتضن نحو 350 طالبة في تخصصات تقنية ومهنية متعددة، تشمل المحاسبة، وإدارة الأعمال، واللغة الإنجليزية، والجرافيكس، وتقنية المعلومات، والأمن السيبراني، إضافة إلى الخياطة والتفصيل.
وتوضح طاهر أن أقسام المحاسبة والجرافيكس والخياطة تُعد الأكثر إقبالاً بين الطالبات، بينما بلغ عدد خريجات المعهد خلال السنوات العشر الماضية نحو ثلاثة آلاف طالبة.
لا تبدو قصة معهد الخنساء مجرد أزمة مبنى متضرر، بل حكاية تعكس حال التعليم كوسيلة مقاومة، تحاول الفتيات عبره التشبث بالحياة، وتجاوز ثقل، الحرب والإهمال، وحكاية إصرار وإيمان بالتعليم، حتى في أكثر الظروف قسوة، قد يكون أحد طرق النجاة.

