حدائق تعز في العيد.. متنفسات عامة بلا خصوصية ومهمات مراقبة تسرق فرحة النساء

شارك المقال

سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس

تشكل أيام العيد مساحة استثنائية للعائلات التي تبحث عن لحظات فرح وسط ضغوط الحياة اليومية وتحدياتها المتراكمة في مدينة تعز، التي تعاني أساساً من حصار خانق وضيق شديد في منافذها الترفيهية، إذ أن عدد الحدائق محدود جداً مقارنة بالكثافة السكانية، على الرغم من ذلك تتحول الحدائق العامة والمتنزهات المحدودة فيها خلال هذه الأيام العيدية إلى الوجهة الأولى للأسر، حيث يأمل الجميع في قضاء وقت ممتع، يمنح الأطفال مساحة للعب، ويمنح النساء فرصة للراحة خارج جدران المنازل.

لكن خلف هذه المتنفسات العيدية، تختبئ تجربة مغايرة تعيشها العديد من النساء؛ حيث يتحول “المتنفس العام” أحياناً إلى مساحة شديدة الازدحام تفتقد إلى التنظيم والخصوصية، ما يجعل تجربة العيد أقل راحة وأكثر إنهاكاً مما هو متوقع.

غياب الحدود البصرية والترقب المستمر

تقول منى سعيد، وهي أم لأربعة أطفال، إن زيارة الحدائق كانت دائمًا جزءً أساسيًا من طقوس العيد في أسرتها، إلا أن التجربة تغيرت تمامًا مع ازدياد حدة الازدحام العشوائي في السنوات الأخيرة.

تروي منى لـ “نسوان فويس” تجربتها قائلة: “وصلنا إلى الحديقة في رابع أيام العيد، وكان الازدحام خانقًا لدرجة أننا استغرقنا وقتًا طويلًا بمجرد البحث عن زاوية صغيرة بالكاد تتسع لجلوسنا”.

تتوقف قليلًا ثم تضيف: “جلست بجانب امرأة أخرى لا أعرفها، لدرجة أن كتفي كان يلامس كتفها. شعرت أننا نعيش في مساحة واحدة بدون أي حدود بصرية أو شخصية، كنا نسمع أحاديث بعضنا بوضوح، ولم يكن هناك أي شعور بالخصوصية”.

بالنسبة لمنى، لم يكن الإزعاج كامنًا في كثرة الناس، بل في غياب التنظيم الذي يضمن لكل عائلة مساحة مريحة مستقلة. كانت تحاول أن تتابع حركة أطفالها وتستمتع بالجلسة، لكنها وجدت نفسها منشغلة بالمكان ومن حولها أكثر من الاستمتاع باللحظة نفسها.

وتتابع: كنت أحاول أن أظهر للأطفال أنني سعيدة، لكنني في داخلي كنت أشعر بالتوتر والضغط النفسي. لم أستطع الاسترخاء أو تركهم يلعبون بحرية لأن المكان كان فوضويًا بشكل يبعث على عدم الطمأنينة”.

وأردفت منى واصفةً كيف انتهت النزهة سريعًا: “خرجت من المنزل وأنا أخطط للجلوس مع زوجي وأطفالي لوقت متأخر، لكن التلاصق البشري جعل زوجي يطالبني باستمرار بتعديل ملابسي والحرص على غطاء وجهي، بسبب مرور الغرباء اللصيق بنا، فلم أعد أتحمل هذا الجو وضيق المكان، وطلبنا العودة إلى المنزل مبكرًا”.

وتوضح منى أن الحدائق كانت في السابق أكثر هدوءً وتنظيمًا، بينما أصبحت اليوم عبارة عن مساحات تكديس بمسافات شبه معدومة بين العائلات، مستنتجة: ” في مثل هذه الأجواء، لا تستطيع المرأة الاستمتاع بوقتها، فهي تكون دائمًا في حالة تأهب وانتباه مستمر لما يدور حولها، وهذا يسرق منها متعة العيد. نذهب بحثًا عن الراحة، لكن الواقع يضعنا في مهمة مراقبة مستمرة”.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

البوابات المزدحمة.. مصيدة للمضايقات والتحرش

من جانب آخر، تروي كاتبة علي، وهي أم لطفلين، تجربتها لـ “نسوان فويس”: خرجت مع جارتها وأطفالها إلى الحديقة في ثاني أيام العيد، لكني واجهت صعوبات في إيجاد مكان مناسب للجلوس.

تقول كاتبة: “جئنا في وقت مبكر، ورغم ذلك لم نجد مكاناً مناسباً. كل المساحات مشغولة، والجلسات متلاصقة بشكل كبير، وحركة الناس مستمرة بلا انقطاع في الممرات الضيقة”.

وتشير إلى أن الوضع في أوقات الذروة يصبح أكثر تعقيداً، خاصة عند البوابات الرئيسية وممرات الألعاب، حيث يزداد التدافع البشري بشكل مرعب، ما يجعل حركة النساء والأطفال قطعة من العذاب.

وتصف كاتبة جانبًا مسكوتًا عنه في هذه الفوضى؛ حيث ترغب العديد من النساء اللواتي يخططن لقضاء يوم كامل من الصباح حتى المساء في خلع النقاب أو الاسترخاء لتناول الطعام براحة، غير أن الازدحام الشديد يمنعهن، بل ويفتح الباب للمعاكسات والمضايقات.

وتؤكد كاتبة أن بعض النساء يتعرضن لحوادث تحرش مباشرة نتيجة الزحام غير العادي عند بوابات الدخول والخروج، وهو ما يخلق حالة من الانزعاج والتوتر الشديد لدى العائلات، ويدفع العديد من الأسر إلى مغادرة الحدائق وإلغاء النزهة تمامًا رغم رغبتها في البقاء.

وعلى الرغم من أن بعض المتنفسات الشهيرة في المدينة، مثل حديقة “جاردن سيتي”، فرضت مؤخرًا إجراءات صارمة لتأمين الزوار عبر منع دخول الشباب بمفردهم، وتخصيص الفضاء بالكامل للعائلات والأطفال، إلى جانب تشديد الرقابة الأمنية ومنع مضغ “القات” داخل المرفق؛ إلا أن معضلة الازدحام المفرط والتلاصق بين العائلات نفسها يظل العائق الأكبر أمام راحة النساء.

وفي هذا السياق، ترى صباح راجح، القائم بأعمال اتحاد نساء اليمن في محافظة تعز، أن المشكلة ترتبط مباشرة بطريقة تصميم وإدارة الفضاءات العامة في المدينة وغياب الرؤية الحساسة للنوع الاجتماعي.

وتوضح راجح لـ “نسوان فويس”: أن المرأة بحاجة ماسة إلى الإحساس بالأمان والخصوصية حتى تتمكن من ارتياد واستخدام المرافق العامة بشكل طبيعي وبناء. وعندما تغيب هذه العناصر الأساسية، تتحول الزيارة الترفيهية إلى عبء ومرهقة نفسية، حتى وإن لم تحدث مضايقات أو تحرشات مباشرة.

وتضيف أن الحدائق في مدن مثل تعز -التي تعاني شحة البدائل- ليست مجرد أماكن للرفاهية العابرة، بل هي فضاءات اجتماعية ونفسية ضرورية لتفريغ الضغوط وتجديد طاقة الأسر.

وتشدد راجح على أهمية تحرك السلطات المحلية لإحداث فرق حقيقي، مؤكدة أن تحسين آليات التنظيم داخل الحدائق، وتوسيع المساحات الخضراء، وتخصيص مناطق حماية مستقلة ومحترمة للعائلات، يمكن أن يغير تجربة الزوار بالكامل، لاسيما النساء والأطفال.

وتختتم قولها: “إن تمكين النساء من استخدام الفضاءات العامة براحة وأمان لا يجب أن يُنظر إليه كمسألة كمالية أو رفاهية، بل هو جزء من حقهن الأساسي في الحياة الاجتماعية والمواطنة، بما يضمن لهن المشاركة في الأنشطة العامة دون خوف، أو قلق، أو توتر مسبق”.

فرح مؤجل في انتظار التنظيم

رغم كل هذه التحديات والعقبات التنظيمية، لا تزال الحدائق العامة في تعز تمثل جزءً حيًا من ذاكرة العيد؛ حيث ينتظر الأطفال زيارتها بشغف كل عام، وتحاول العائلات انتزاع لحظات بسيطة من الفرح وسط ظروف اقتصادية واجتماعية بالغة التعقيد.

وتبقى الحدائق العامة في تعز مساحة للفرح المؤجل الذي يحاول بشتى الطرق أن يجد مساره وسط الزحام، لكنه يحتاج إلى تنظيم مسؤول ورؤية إدارية أوسع، تجعل من هذه الأماكن متنفسات حقيقية وصالحة للجميع، لا تجربة مجهدة تدفع الأمهات للمغادرة مبكرًا بمرارة وغصة.

مقالات اخرى