صانعات البهجة الصامتات.. حين يكون العيد موسماً للكفاح لا للراحة

شارك المقال

سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس

قبل حلول عيد الأضحى بأيام، تبدأ النساء العاملات في المشاريع الصغيرة والصالونات والمطابخ المنزلية سباقًا مرهقًا مع الوقت، مع تزايد الحجوزات والطلبات التي تتضاعف خلال موسم العيد.

ففي الوقت الذي يستعد فيه كثيرون للإجازة والزيارات العائلية، تعيش آلاف النساء أيامًا طويلة من العمل المتواصل، حيث يتحول العيد بالنسبة لهن إلى موسم اقتصادي مزدحم لا يعرف الراحة؛ إذ تواصل الكوافيرات والخبازات وصاحبات المشاريع المنزلية العمل حتى ساعات متأخرة من الليل لتلبية طلبات الزبائن، مستفيدات من موسم يعد الأكثر نشاطًا وربحًا خلال العام.

 مروة الجلال: إن الاستعدادات لموسم عيد الأضحى تبدأ مبكراً من خلال استقبال حجوزات معمول وكعك العيد، إضافة إلى تجهيز ضيافة الأعراس والحفلات العائلية، خاصة أن فترة العيد تتزامن مع موسم المناسبات الاجتماعية

العيد موسم شغل وليس راحة

داخل مطبخها الصغير، تبدأ مروة الجلال، صاحبة مشروع “عبود فود”، يومها منذ ساعات الصباح الأولى، بين إعداد الطلبات والرد على اتصالات الزبائن واستقبال الحجوزات الجديدة.

تقول مروة لـ”نسوان فويس”: إن الاستعدادات لموسم عيد الأضحى تبدأ مبكراً من خلال استقبال حجوزات معمول وكعك العيد، إضافة إلى تجهيز ضيافة الأعراس والحفلات العائلية، خاصة أن فترة العيد تتزامن مع موسم المناسبات الاجتماعية.

وتوضح أن ضغط العمل يزداد بشكل كبير قبل العيد، إذ تصل ساعات عملها إلى نحو عشر ساعات يومياً.

وتضيف مروة أن أيام العيد نفسها لا تقل ضغطًا عن الأيام التي تسبقه، نظراً لتدفق طلبات الضيافة طوال أيام الفرح، مؤكدة أن هذه المواسم أصبحت تمثل مصدر دخل أساسي للكثير من النساء العاملات في المشاريع المنزلية، خصوصًا في ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة وارتفاع تكاليف المعيشة.

ورغم الإرهاق وضغط الوقت، تؤكد أنها تستمر في العمل لأنها تشعر أن المشروع لم يعد مجرد فكرة منزلية بسيطة، بل مسؤولية حقيقية تساعدها على دعم أسرتها وتحقيق الاستقرار المادي.

 تُصنّف تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)  والبنك الدولي اليمن كواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والغذائية في العالم، حيث يواجه أكثر من نصف السكان انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي نتيجة تداعيات الصراع المستمر وانهيار العملة

ذروة الطلب وإجازة غائبة

أما فتحية أحمد، صاحبة صالون “فرح” للتجميل، فتقول إن أيام ما قبل العيد تعد الأكثر ضغطًا خلال السنة، بسبب الإقبال الكبير من النساء والفتيات على خدمات التجميل والتسريحات والحناء.

وتقول فتحية لـ”نسوان فويس” أن أيام العيد تشهد ذروة الحجوزات، موضحة بأن الكثير يعتقد أن العيد إجازة للجميع، لكن بالنسبة لها هو موسم عمل مكثف لأن النساء يحرصن على الظهور بإطلالة مميزة خلال العيد.

وتشير إلى أن بعض الزبونات يواصلن طلب المواعيد حتى أول وثاني أيام العيد، ما يجعل الإجازة غائبة بالنسبة للعاملات في الصالونات.

وتؤكد أن العمل في هذه الفترة يتطلب جهدًا نفسيًا وجسديًا كبيرًا، خاصة مع ضغط المواعيد ومحاولة التوفيق بين العمل ومتطلبات الأسرة والاستعدادات الخاصة بالعيد داخل المنزل.

ورغم التعب، ترى فتحية أن موسم العيد يشكل فرصة مهمة لتحسين الدخل، وتعويض فترات الركود التي تمر بها بعض المشاريع خلال بقية أشهر السنة.

المشاريع المنزلية طوق النجاة

لا تعكس حكايات مروة وفتحية مجرد كفاح فردي، بل تأتي كمواجهة مباشرة لواقع اقتصادي شديد القسوة تعريه الأرقام الدولية؛ إذ تُصنّف تقارير منظمة الأغذية والزراعة (الفاو)  والبنك الدولي اليمن كواحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والغذائية في العالم، حيث يواجه أكثر من نصف السكان انعدامًا حادًا في الأمن الغذائي نتيجة تداعيات الصراع المستمر وانهيار العملة.

وفي بيئة تصنفها المؤشرات الدولية كإحدى أصعب البيئات عالمياً لتمكين المرأة حيث حل اليمن في المرتبة الثانية قبل الأخيرة ضمن 177 دولة في مؤشر السلام والأمن العالمي للمرأة لعام 2023، متذيلاً لسنوات مؤشر الفجوة العالمية بين الجنسين الذي يُصدره المنتدى الاقتصادي العالمي،  تبرز معركة الصمود الاقتصادي لليمنيات. بمشاريع منزلية أنقذت ألاف الأسر من الجوع.

أروى العمري
أروى العمري

المشاريع النسوية.. ركيزة الاقتصاد المحلي

من جانبها، توضح أروى العمري، مديرة إدارة سيدات الأعمال وعضو مجلس إدارة الغرفة التجارية الصناعية في تعز، أن المشاريع الصغيرة تظهر بشكل أكبر خلال مواسم رمضان والأعياد، نتيجة ارتفاع الطلب وزيادة حركة الإنتاج، ما يجعل هذه المواسم فرصة مهمة لتحريك السوق المحلي وتوفير مصادر دخل للكثير من الأسر.

وتقول العمري إن ريادة الأعمال لم تعد مجرد وسيلة للربح فقط، بل أصبحت عاملًا أساسيًا في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، لأن المشروع الصغير يسهم في استقرار الأسرة والمجتمع ويوفر فرص عمل ودخلًا مستمرًا للكثير من النساء.

وأضافت في حديثها لـ”نسوان فويس” أن المرأة اليمنية اليوم أصبحت تفكر “خارج الصندوق”، خاصة مع توسع حضور النساء في التجارة الإلكترونية والتسويق الرقمي، حيث باتت رائدات الأعمال يعتمدن على وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية لعرض منتجاتهن والوصول إلى الزبائن، بل إن هناك نساء يعملن اليوم في التسويق الإلكتروني لصالح مشاريع نسوية أخرى، ما ساهم في خلق فرص عمل جديدة من داخل المنازل.

ووفقًا لدراسة أعدها صندوق النقد العربي، يسجل اليمن أدنى معدلات مشاركة المرأة في قوة العمل عربياً بنسبة لا تتجاوز 6% فقط في العام2017، من إجمالي الإناث في سن العمل، بعد أن تراجعت من 20.4% عام 2000، ترافقها نسبة بطالة حادة بين الإناث بلغت 27.2%.

لكن أمام هذا الانسداد في سوق العمل الرسمي، غدت “المشاريع المنزلية والخاصة” هي شبكة الأمان الحقيقية والمخفية لليمنيين خلال سنوات الحرب، والمصدّ الأول لحماية الأسر من الانزلاق نحو مجاعة محققة.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

وأكدت العمري أن المنتج المحلي ما يزال يواجه تحديات كبيرة في السوق، إلا أن المشاريع الصغيرة ما تزال بحاجة إلى دعم حقيقي وفرص تسويق أوسع، مستطردة: “نحن بحاجة إلى إظهار هذه المشاريع عبر المناصرة، وتوفير نقاط بيع مستدامة، ومعارض وبازارات تساعد النساء على الوصول إلى السوق بشكل أفضل”.

وأشارت إلى أن الغرفة التجارية بمدينة تعز عملت على إنشاء أركان ومساحات لدعم المشاريع النسوية، لكن كثيرًا من رائدات الأعمال ما زلن يعانين من صعوبة التسويق وضعف الوصول إلى منافذ بيع مستقرة، الأمر الذي يجعل المنتج المحلي “يعافر” داخل السوق رغم إمكانياته وجودته. واختتمت حديثها بالتأكيد على أن دعم رائدات الأعمال يمثل استثمارًا حقيقيًا في تنمية المجتمع والاقتصاد المحلي ككل.

بينما تضج الأسواق بأصوات التكبيرات والتهاني، وتفوح في البيوت روائح كعك العيد الفاخر، وتزهو الزوايا بملابس الزينة الجديدة، يبقى هناك وجه آخر للمناسبة تعيشه النساء العاملات بعيداً عن الأضواء. فحيثما تلتفت في واجهة العيد لتجد إطلالة أنيقة، أو ضيافة مرتبة، تذكر أن وراءها صانعات بهجة صامتات، آثرن الاستمرار في معركة العيش على أخذ قسط من الراحة.

مقالات اخرى