العيدية: ومبادرات اليمنيات لحفظ كرامة أزواجهن وصون صلة الرحم

شارك المقال

أمل وحيش – نسوان فويس

بينما تنتظر النساء في أول أيام العيد زيارة الأهل، يعيش الرجال صراعًا مريرًا بين واجب صلة الرحم وواقعٍ اقتصادي جعل من العيدية عبئًا يدفع الكثيرين لتجنب الزيارات خشية الحرج أو كسر الكبرياء.

وهنا يبرز دور المرأة اليمنية (الستر والغطاء) التي لا تتوانى في منح زوجها مدخراتها أو عيديتها التي حصلت عليها من أقربها.

منذ زواجي قبل نحو 18 عاماً، لم أكن أعطي زوجي شيئاً من عيديتي، لكن في السنوات الأخيرة، ومع اشتداد الضغوط المعيشية، صارت العيدية التي أتلقاها من إخواني وأقارب زوجي مجرد (عابر سبيل)؛ توضع في يدي لتأخذ دورة سريعة ثم تعود من حيث أتت

“شل منه.. ناوله”

بأسلوب فكاهي، تستهل أم علي، من محافظة إب حديثها لـ “نسوان فويس” بالقول: “العوادة عندنا شل منه ناوله”، وتضيف: ” منذ زواجي قبل نحو 18 عاماً، لم أكن أعطي زوجي شيئاً من عيديتي، لكن في السنوات الأخيرة، ومع اشتداد الضغوط المعيشية، صارت العيدية التي أتلقاها من إخواني وأقارب زوجي مجرد (عابر سبيل)؛ توضع في يدي لتأخذ دورة سريعة ثم تعود من حيث أتت “. في إشارة إلى أنها تمنحها لزوجها ليتمكن من معايدة والدتها وأخواته وقريباته، وهنا تتحقق مقولة “شل منه ناوله” التي رددتها وهي تضحك بسخرية من واقع الحال الذي وصل إليه الناس.

وتؤكد أم علي أنها تفعل ذلك حرصًا على صورة زوجها أمام أرحامه اللواتي اعتدن أن يزاورهن، لا سيما وأنهن يسكنّ في قرى متباعدة، وعدم زيارته لهن يضعهن في دائرة الحرج أمام الأهالي.

بالمثل تجمع (رباب) وهي أم لثلاثة أطفال، عيديتها التي تتحصل عليها من إخوانها وأبناء عمومتها، وتعطيها لزوجها الذي يعمل باليومية، مؤكدة في حديث لـ”نسوان فويس” أنها تدعمه يوم العيد لأنه يأتي وهو مثقل بديون وهموم كثيرة مؤكدة على كرمه وسخاء نفسه حين تكون أموره ميسرة.

لم تكن رباب أو أم علي حالة استثنائية؛ فثمة الكثير من الزوجات اللواتي يحرصن على مساندة أزواجهن ماديًا خلال الأعياد لمواجهة مصاريفها الضاغطة. وتأتي هذه الخطوة مدفوعة بثقة عميقة بأن الزوج لن يتوانى عن ردّ هذا المبلغ أضعافًا فور تحسن ظروفه.

بين مؤيد ومعارض..

تتباين الآراء حول مبادرات الدعم المالي التي تقدمها النساء لأزواجهن في العيد، فبينما يراها البعض استغلالًا للمرأة وتشجيعًا للرجل على الاتكالية، يعتبرها آخرون لفتة تضامن ضرورية في الأوقات العصيبة، انطلاقًا من مبدأ أن الرجل الذي يمثل سندًا دائمًا لزوجته يستحق الدعم في أزماته.

في هذا السياق، يثمن (أنس) وهو طالب جامعي هذه المبادرة ولكن كإجراء استثنائي ويعتبره موقفًا نبيلًا يحسب للمرأة طالما جاء في ظروف طارئة. لكنه في المقابل يرفض تمامًا في حديث لـ “نسوان فويس” تحول هذا الدعم إلى نمط متكرر أو أسلوب معتاد من الرجل يجبر المرأة على الإنفاق، مؤكدًا أنها غير ملزمة بذلك، بل من حقها أن تتلقى “العيدية” والنفقة أسوة بغيرها، وعليها اتخاذ موقف حازم إذا تحول الأمر إلى استغلال.

 تباين آراء النساء

تتفاوت وجهات نظر النساء حول مدى تقبل دعم المرأة للرجل ماديًا، سواء لمساعدته في تقديم “العيديات” لأرحامه أو لمساندته في مصاريف الحياة اليومية، حيث انقسمت الآراء بين التأييد المطلق والمشروط.

نوع من التكافل

هدى المؤيد (معلمة) تؤيد بقوة أن تعطي المرأة زوجها من مالها ليقدم به العيديات لأرحامه، وترى في ذلك خطوة ضرورية للحفاظ على كرامة الرجل وهيبته إذا كانت ظروفه المادية صعبة.

تأييد مشروط بـعدم الاستغلال

في المقابل، ربطت بعضهن سخاء المرأة ودعمها المادي بسلوك الرجل ومعدنه، حيث تدعم أم محمد علي هذه الخطوة بشرط ألا يكون الزوج استغلاليًا. وترى أن وقوف الزوجة بجانب زوجها في الظروف الصعبة يعد واجبًا، شريطة أن يكون رجلًا حنونًا معها ومعطاءً بسخاء في أوقات رخائه، أما إذا كان استغلاليًا فهي ترفض ذلك تمامًا.

وتدعم أم مرام مساندة الزوج خاصة في حال كانت المرأة موظفة وتمتلك راتبًا جيدًا، فيما الزوج عاجز عن توفير الأساسيات الضرورية؛ ولكنها اشترطت بوضوح أن يكون الزوج “رجلًا حقيقيًا يقدر هذا العطاء ويشكرها عليه”، منتقدة الواقع الحالي الذي اتجه فيه بعض الرجال للاعتماد الكلي على زوجاتهم لإدارة المصاريف دون بذل جهد.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

صلة الأرحام في العيد: أبعاد أسرية وقيم تكافلية

تؤكد نادية شجاع الدين، أخصائية العلاج الإكلينيكي الأسري، في حديث لـ” نسوان فويس” أن صلة الرحم في ديننا الحنيف تحمّل شأنًا عظيمًا، ويكفيها رفعةً أن اسم “الرحم” مشتق من اسم الله “الرحمن”، ولها في ذلك أجر وثواب جزيل. ومع حلول الأعياد في ظل الظروف المعيشية الصعبة، تبرز القيمة الحقيقية لصلة الأرحام وتفقد الأقارب؛ كالأخ، والخال، والعم، وكل من له صلة قرابة.

وترى شجاع الدين أن العيد في جوهره ليس مجرد مظاهر مادية متعلقة بـ العيدية أو العسب، بل يكمن في حضور القريب، وتوطيد المحبة، والتقارب الأسري. وتمنت لو استمر هذا التواصل طوال العام كلما سنحت الفرصة، دون أن يقتصر على مواسم الأعياد فقط.

وتضيف: ” عسب العيد في أصله صورة من صور التكافل والصدقة، ومع التطور والحركة الاجتماعية بات يُعرف بـ (العوادة). والمقصد الأساسي منه ليس المادة بذاتها، بل هو السلام على الأهل، وتقديم هدية أو مبلغ مالي من باب توطيد العلاقات، ونشر الألفة، وتفقد أحوال الأقارب”.

كما تشير إلى أن تضحية الزوجة بتقديم مالها الخاص أو “العوادة” التي حصلت عليها لزوجها، تساهم بشكل كبير في صناعة الاستقرار الأسري.

وبحسب شجاع الدين، فإن الزوجة اليمنية تضرب أروع أمثلة التضحية؛ إذ تتنازل عن حقها الشخصي في “العسب” وتقدمه لزوجها ليعينه على زيارة أرحامه وأقاربه المستحقين، مؤكدة أن هذا الدور المحوري للزوجة يهدف إلى خلق رابط تواصل متين بين الزوج وأهله.

عسب العيد في أصله صورة من صور التكافل والصدقة، ومع التطور والحركة الاجتماعية بات يُعرف بـ (العوادة). والمقصد الأساسي منه ليس المادة بذاتها، بل هو السلام على الأهل، وتقديم هدية أو مبلغ مالي من باب توطيد العلاقات، ونشر الألفة، وتفقد أحوال الأقارب

الأثر النفسي والتربوي على الأسرة

وينعكس هذا الموقف الإيجابي على الأسرة في مسارين رئيسيين بحسب شجاع الدين، الأول في حال حظيت تضحية الزوجة بالتقدير والامتنان من قِبل زوجها، فإن ذلك يخلق حالة عميقة من المودة، والتراحم، والتآلف بين الزوجين. وهذا الاستقرار العاطفي ينعكس إيجابًا ومباشرةً على الأبناء، ويمنح البيت هدوءًا نفسيًا وسكينة غامرة.

والثاني في أن الأبناء الذين ينشؤون في بيئة يرون فيها والدهم يحرص على زيارة أرحامه وأقاربه، يتشرّبون هذه القيم تلقائيًا، مما يصنع منهم جيلًا بارًّا وموصولًا بأهله في المستقبل.

وتختم شجاع الدين حديثها مؤكد أن صلة الأرحام ليست مشروطة بالمال، وأن “العسب” ليس ضرورة بل مظهر عيدٍ متوارث، فالأولوية دائمًا هي للزيارة، والتفقد، والود. وتأمل أن تكون تضحيات الزوجات مَحطّ تقدير وإجلال من أزواجهنّ لتدوم المودة والبركة في البيوت.

تجسد صلة الأرحام جوهر العيد الحقيقي ونبضه الإنساني، فتماسك الأسرة وتعميق روابطها خاصة في الأوقات العصيبة التي تمر بها البلاد، تبدأ من تفاصيل التقدير المتبادل بين الزوجين، وينتهي بغرس قيم الوفاء والتكافل في نفوس الأجيال القادمة، لتبقى هذه المبادرة جسر العبور نحو حفظ وصون كرامة الرجل أمام أقاربه، ويبقى العيد مساحة للنقاء والوئام، لا للأعباء والمظاهر.

تم إنشاء الصورة بالذكاء الاصطناعي بواسطة أداة جمناي 

 

مقالات اخرى