ياسمين الصلوي – نسوان فويس
لم تكن زهور (اسم مستعار) تتخيل يومًا أن يختفي زوجها فجأة ويتركها تواجه الحياة وحدها دون سبب أو مقدمات، لكن ما بدا لها مستحيلاً تحوّل إلى واقع قاسٍ، بعد أن تخلى عنها وعن طفلتيه الصغيرتين، تاركاً إياهن في مواجهة حياة أثقل من قدرة امرأة واحدة على الاحتمال.
زهور: خرج ولم يعد، هذه كل القصة.. كانت ماريا لا تزال صغيرة وعمرها ثلاث سنوات، أما خلود فكانت في الخامسة من عمرها، والمسؤولية لم تكن على عاتقه وحده، فقد كنت أعمل في مطابخ إحدى المؤسسات، وهو يعمل حمّالاً في مخازن ومحلات تجارية، لم يكن وحيداً في مواجهة أعباء الحياة، لكنه هرب وتركني أعيش وحدي في مواجهة الدنيا
مرّ على ذلك الغياب خمسة عشر عامًا، لكنها ما تزال تتذكره وكأنه حدث بالأمس، ليس لطول المدة، بل لأن أثر الفقد والصدمة لم يغادرا حياتها حتى اليوم. تروي زهور قصتها” قائلة: “خرج ولم يعد، هذه كل القصة.. كانت ماريا لا تزال صغيرة وعمرها ثلاث سنوات، أما خلود فكانت في الخامسة من عمرها، والمسؤولية لم تكن على عاتقه وحده، فقد كنت أعمل في مطابخ إحدى المؤسسات، وهو يعمل حمّالاً في مخازن ومحلات تجارية، لم يكن وحيدًا في مواجهة أعباء الحياة، لكنه هرب وتركني أعيش وحدي في مواجهة الدنيا”.
خلال تلك السنوات، خاضت زهور معركة يومية من أجل طفلتيها، محاولة أن تكون أماً قادرة على تعويض جزء من الغياب الذي تركه الأب. تنقلت بين العمل في مطابخ المؤسسات والعمل داخل المنازل كعاملة، في سبيل توفير لقمة عيش كريمة لهما وتأمين احتياجاتهما الدراسية والحياتية.
تقول زهور لـ “نسوان فويس”: “ليس من السهل أن تكوني امرأة وحيدة بدون زوج ومعك أطفال ينتظرون عودتك من العمل وأنتِ منهكة، بعد يوم طويل من البحث عن رزقهم بمشقة، يريدون مصروفهم اليومي، ومصروف الغداء، وثمن العشاء. أحياناً يحتاج أحدهم إلى دواء أو قلم ليكتب واجبه المدرسي أو كراسة، وأحياناً تمرض إحداهما وتحتاج إلى طبيب، تركك ورحل ليبحث عن حياة لا توجد فيها زوجة ولا أطفال ولا مسؤوليات”.
في منازل كثيرة لم يعد غياب الأب مرتبطاً بالسفر من أجل طلب الرزق أو العلاج أو زيارة الأهل والأقارب، بل أصبح هروباً من مسؤولية أثقلت كاهل بعض الرجال، أو من دور لا يريدونه، تاركين الزوجة تتحمل عبء الحياة وحدها، في ظل غياب قوانين تحمي حقوق النساء وتنصفهن إذا قرر الأزواج العودة.

هروب من المسؤولية
قصة زهور ليست استثناءً، فهناك نساء كثيرات وجدن أنفسهن في مواجهة المصير ذاته، بعدما اختفى أزواجهن أو تخلوا عن مسؤولياتهم، تاركين خلفهم زوجات وأطفالاً يواجهون الحياة وحدهم بكل ما فيها من أعباء قاسية.
لم تكن سماح تعلم أن مغادرة زوجها المنزل قبل عشر سنوات سيكون اللقاء الأخير بينهما. كانت فرح، ابنتهما الوحيدة، في الرابعة من عمرها حين غادر إلى السعودية بحجة العمل، كما يفعل كثير من الآباء الذين يسافرون بحثاً عن الرزق، إلا أنه كان مختلفاً، إذ بدا وكأنه يريد النجاة من مسؤولية زوجة وابنة، في مغادرة تشبه إعلاناً صريحاً عن فشله في أن يكون أباً حقيقياً.
تروي سماح قصتها لـ “نسوان فويس” قائلة: “رفض العودة لنا، ورفض دفع مصاريف لابنته، كان أبي وأمي طوق النجاة لي من متاعب تربية ابنتي بمفردي وفي ظل ظروف اقتصادية صعبة حتى اليوم. بمساعدتهما ودعمهما استطعت أن أكون أماً وأباً لابنتي، إذ ماذا يمكن لراتب معلمة في مدرسة خاصة أن يوفر لطفلة من احتياجات؟”.
وتضيف”: ” أضطر أحيانًا لطلب مصاريف من جدها والد أبيها، لتغطية تكاليف الدراسة، خاصة إذا مرضت، فأنا أواجه مشقة في توفير متطلباتها الأساسية، وأجد صعوبة في تربيتها وأنا في وضعي الطبيعي، لكنها تكون أعظم إن طرحني المرض. وجود الأب في حياة الطفلة مهم ولا يمكن تعويضه. أعود إلى المنزل منهكة من العمل، وهي تحتاج إلى من يذاكر لها ومن يحتوي احتياحاتها النفسية والعقلية، ليس سهلاً أن تكون المرأة أماً وأباً في الوقت نفسه”.
غياب الأب يدفع الزوجة إلى الشعور بالعزلة وغياب المساندة الاجتماعية وعدم جدوى الحياة، وهي مشاعر تنعكس على ملامحها وسلوكها وتنتقل بصورة لا شعورية إلى الأطفال، فتتحوّل العلاقة في كثير من الأحيان إلى علاقة مادية قائمة على التحويلات المالية بدلاً من التفاعل الإنساني المباشر
أثر النفسي والاجتماعي
لا تتوقف آثار غياب الأب عند الأعباء المعيشية التي تتحملها المرأة وحدها، بل تمتد إلى الجوانب النفسية والاجتماعية داخل الأسرة، خصوصاً لدى الأطفال الذين يكبرون في ظل شعور دائم بالنقص والفقد.
يقول أستاذ علم النفس بجامعة تعز، جمهور الحميدي، إن الأسرة تُعد أول خلية اجتماعية لتنشئة الأطفال نفسياً واجتماعياً وجسدياً ومعرفياً، ويتحمل الزوجان، كل بحسب دوره وواجباته، مسؤولية تلبية هذه الاحتياجات الأساسية.
ويضيف الحميدي في حديثه لـ “نسوان فويس”: ” غياب الأب يدفع الزوجة إلى الشعور بالعزلة وغياب المساندة الاجتماعية وعدم جدوى الحياة، وهي مشاعر تنعكس على ملامحها وسلوكها وتنتقل بصورة لا شعورية إلى الأطفال، ما يؤثر على نموهم النفسي واحتياجاتهم العاطفية، ويجعلهم أكثر عرضة للشعور بالسلبية والدونية وتكوين صورة سلبية عن ذواتهم، خصوصاً عند احتكاكهم بأطفال يعيشون مع آبائهم بصورة طبيعية “.
ويشير الحميدي إلى وجود عوامل نفسية أخرى ترتبط بغياب الأب، من بينها الألم النفسي والحيرة والغموض، مؤكداً أن الأخ الأكبر أو الخال أو أي شخص آخر لا يمكن أن يحل محل الأب في حياة الأبناء، بينما تعيش الأم في حالة توتر دائم وهي تحاول تعويض هذا النقص.
من جهته، يقول رئيس رابطة الأخصائيين الاجتماعيين اليمنيين، عصام الأحمدي، إن غياب الأب يؤدي إلى اختلالات تربوية واجتماعية داخل الأسرة، لأن الأم تتحمّل أعباء مضاعفة نتيجة اختفاء الزوج، وتُجبر على القيام بدورين في وقت واحد، ما يضعها تحت ضغط نفسي وتربوي كبير قد ينعكس على جودة الرعاية المقدمة للأطفال.
وفي حديثه لـ “نسوان فويس”، يضيف الحميدي:” هذا الوضع يخلق اختلالاً في التوازن التربوي، خصوصاً فيما يتعلق بغياب النموذج الذكوري في حياة الأبناء، الأمر الذي قد ينعكس لاحقاً على تشكيل هوياتهم وسلوكياتهم”.
وبحسب الأحمدي، فإن الغياب الطويل للأب يؤدي كذلك إلى هشاشة في الروابط العاطفية بينه وبين أبنائه، فتتحوّل العلاقة في كثير من الأحيان إلى علاقة مادية قائمة على التحويلات المالية بدلاً من التفاعل الإنساني المباشر.
ويتابع: “مع مرور الوقت تتسع الفجوة التواصلية نتيجة اختلاف الخبرات الحياتية بين الطرفين، ما يضعف إمكانيات التفاهم داخل الأسرة. وفي بعض الحالات قد تظهر توترات عند عودة الأب، سواء في علاقته مع الزوجة أو فيما يتعلق بأساليب التربية وإدارة شؤون الأسرة”.
الأكحلي: نفقة الزوجة والأبناء واجبة قانوناً على الزوج ما دامت العلاقة الزوجية قائمة، ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء، كما يحق للزوجة رفع دعوى “نفقة مستمرة” و”نفقة ماضية” عن الفترة التي اختفى فيها الزوج
في ميزان القانون
ورغم الأعباء النفسية والاجتماعية التي تتحمّلها النساء في مثل هذه الحالات، فإن القانون اليمني، بحسب مختصين، يتضمن نصوصاً تكفل لهن عدداً من الحقوق المتعلقة بالنفقة والحضانة والولاية على الأبناء.
في هذا السياق، تقول المحامية، شيناز الأكحلي، إن غياب الزوج أو هجره للأسرة من القضايا التي أولى لها القانون اليمني اهتماماً بالغاً، إذ ضمن قانون الأحوال الشخصية للمرأة ألا تبقى معلقة، كما كفل للأبناء حق النفقة.
وتتابع الأكحلي في حديثها لـ “نسوان فويس”: ” نفقة الزوجة والأبناء واجبة قانوناً على الزوج ما دامت العلاقة الزوجية قائمة، ولا تسقط إلا بالأداء أو الإبراء، كما يحق للزوجة رفع دعوى “نفقة مستمرة” و”نفقة ماضية” عن الفترة التي اختفى فيها الزوج”.
وتضيف: “إذا كان للزوج المختفي أموال، مثل عقارات أو أرصدة بنكية أو راتب، يحق للقاضي الحجز عليها والصرف منها على الزوجة والأبناء. وإذا ثبت فقر الزوج أو غيابه الكامل وعدم وجود مال له، تنتقل مسؤولية النفقة مؤقتاً إلى من تجب عليهم النفقة شرعاً، مثل الجد أو الأعمام بحسب الترتيب الشرعي، أو يمكن للزوجة رفع دعوى عجز عن الإنفاق”.
وتشير الأكحلي إلى أن القانون اليمني كفل للزوجة كذلك حق طلب الفسخ لعدة أسباب تتعلق بغياب الزوج، من بينها الفسخ للغياب أو الفقد، فإذا غاب الزوج في مكان معلوم أو مجهول وتضررت الزوجة من غيابه، حتى لو ترك لها مالاً، يحق لها طلب الفسخ بعد مرور مدة زمنية يحددها القاضي، وغالباً ما تُقدّر بسنة أو أكثر بحسب ظروف القضية للتأكد من فقده.
وتتابع: “هناك أيضاً الفسخ للإعسار والامتناع عن الإنفاق، فإذا اختفى الزوج ولم يترك مالاً تنفق منه الزوجة، يحق لها طلب الفسخ فوراً بسبب الإعسار عن النفقة، لأن القانون لا يُلزم الزوجة بالبقاء مع زوج لا ينفق عليها وهي متضررة”.
وتؤكد الأكحلي أن قانون الأحوال الشخصية تضمن كذلك مسائل الولاية على الأبناء والوصاية عليهم، لأن الأم عند اختفاء الأب تواجه مشكلات في المعاملات الرسمية الخاصة بالأبناء، مثل التسجيل في المدارس أو السفر أو استخراج الهويات، ولذلك يحق لها استصدار حكم قضائي يمنحها حق الولاية أو الوصاية المؤقتة لإدارة شؤون أبنائها القانونية والمالية، بما يضمن عدم تعطّل مصالحهم، كما أن غياب الأب يعزز بقاء الحضانة مع الأم دون منازع.
وبحسب الأكحلي، فإنه في حال عودة الزوج أو معرفة مكانه، يحق للزوجة استصدار أمر قضائي بمنعه من السفر حتى يسدد مديونيات النفقة المتراكمة عليه ويؤمّن مستقبل الأبناء.
وتشير الأكحلي إلى خطوات عملية يُنصح بها قانونياً في حال اختفاء الزوج، تبدأ بإثبات الحالة عبر تحرير “محضر إثبات حالة” في قسم الشرطة أو من خلال شهود من الجيران أو عاقل الحارة لإثبات تاريخ اختفاء الزوج.
أما الخطوة الثانية فتتمثل في التوجه إلى محكمة الأحوال الشخصية لرفع دعوى نفقة مستعجلة، بما يتيح للقاضي إصدار قرار مؤقت بالنفقة حتى يُبت في أصل القضية.
وتتمثل الخطوة الثالثة في محاولة حصر أي ممتلكات أو مستحقات مالية تخص الزوج، مثل مستحقات نهاية الخدمة أو الرواتب التقاعدية، من أجل الحجز عليها قانونيًا.
وتختتم الأكحلي حديثها بالتأكيد على أن القانون اليمني يمنح القاضي سلطة تقديرية واسعة في قضايا الضرر، وبمجرد إثبات غياب الزوج وتركه لالتزاماته، فإن القضاء يميل عادة إلى تمكين الأم وضمان مصلحة الأطفال.
الصورة مولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي عبر أداة جمناي

