ما بين الشتاء والصيف.. القصة النفسية الخفية للنساء

شارك المقال

سلام شرقي – نسوان فويس 

“أعجز في أغلب الأوقات عن فهم سبب تعكر مزاجها، وحتى عندما أحاول معرفة ذلك بطرح السؤال عليها، ترد: لا أدري”.

بهذه الكلمات يصف أيمن السعيدي في حديث لـ “نسوان فويس” محاولاته لفهم التغيّرات النفسية والمزاجية التي تطرأ على شريكة حياته، مضيفاً أن هذه الإجابة دفعته إلى البحث والتعمق في العوامل التي تجعل الإنسان ينتقل بين حالات نفسية ومزاجية مختلفة دون أسباب واضحة أحيانًا.

ويتساءل السعيدي: هل هذه التقلبات أمر طبيعي يمكن أن يتوقف عند هذا الحد؟ أم أنها تستدعي زيارة مختصين في الصحة النفسية؟

وفي سياق البحث عن أسباب تقلبات المزاج لدى النساء والرجال، برزت دراسة نشرتها مجلة Journal of Affective Disorders الطبية في أبريل الماضي، قدمت المجلة فيها إجابات على أسئلة ربما راودت أيمن السعيدي وكثيرين غيره.

وتناولت الدراسة ما يُعرف بـ “الاضطراب العاطفي الموسمي”، اعتبرت هذا الاضطراب “تحدياً يواجه الناس في جميع أنحاء العالم”، مشيرة إلى أنه يتمثل في نوبات اكتئاب حادة ومتكررة ذات نمط موسمي، تظهر غالبًا في فصلي الخريف والشتاء، ثم تخف حدتها خلال الربيع أو الصيف.

كما أوضحت الدراسة أن هذا الاضطراب قد يؤدي إلى عجز شديد واختلال وظيفي، إضافة إلى أفكار انتحارية، ويترك تأثيرات كبيرة على الوضع الاجتماعي والاقتصادي للمصابين به.

في الشتاء لا يأتي البرد من الخارج فقط، بل يتسلل بهدوء إلى الأعماق. هناك نساء يشعرن وكأن الضوء نفسه قد هجرهن، فيخفت الحماس وتصبح التفاصيل الصغيرة أكثر ثِقلاً من المعتاد

 

خرائط داخلية متغيرة

في السياق يتحدث الدكتور عبد الله الأمير، المعالج النفسي الإكلينيكي والمدرب في المجال النفسي، عن مدى تأثر الحالة النفسية للمرأة بتغيّر الفصول، مشيراً إلى ما يسمى بـ “خرائط خفية داخل المرأة لا يراها أحد، تتغير حين تتبدل فصول السنة”.

وقال في حديثه لـ “نسوان فويس”: “كأن الطبيعة تمتد داخلها دون استئذان، فتسحب معها الضوء حين يغيب، وتثقل قلبها حين يثقل الهواء، وتوقظ في روحها أسئلة لا تُقال”.

مضيفاً: “في الشتاء لا يأتي البرد من الخارج فقط، بل يتسلل بهدوء إلى الأعماق. يصبح النهار قصيرًا كفكرة عابرة، وتطول الليالي كأنها لا تنتهي. هناك نساء يشعرن وكأن الضوء نفسه قد هجرهن، فيخفت الحماس، وتصبح التفاصيل الصغيرة أكثر ثقلًا من المعتاد”.

ويشير إلى أن الحزن لا يظهر دائمًا على هيئة دموع واضحة، بل قد يتجسد أحيانًا في صمت طويل أو رغبة بالانسحاب من العالم دون تفسير.

علميًا يصنّف الأطباء هذه الحالة ضمن “الاضطراب العاطفي الموسمي” Seasonal Affective Disorder، وهو نوع من نوبات الاكتئاب المرتبطة بتغير الفصول، خصوصًا خلال الخريف والشتاء.

كما تشير أبحاث حديثة، من بينها دراسة نشرتها مجلة نيتشر نهاية يناير/كانون ثاني 2026 بعنوان: تغيرات النواقل العصبية في الاضطراب العاطفي الموسمي، إلى أن هذا النوع يرتبط بعوامل بيولوجية، أبرزها انخفاض التعرض لضوء الشمس خلال الشتاء، وهو ما يؤثر على النواقل العصبية المرتبطة بالمزاج.

ولفتت الدراسة أيضاً إلى أن انخفاض درجات الحرارة يقلل من النشاط البدني، الأمر الذي قد يفاقم أعراض الاكتئاب لدى النساء بشكل خاص، مرجحة أن التغيرات الموسمية في شدة الأعراض ترتبط بشكل مباشر بدرجة التعرض للضوء.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

تقلبات عبر الفصول

لكن تأثير الفصول على النفس لا يقتصر على الشتاء فقط، إذ يشير الدكتور الأمير إلى أن الربيع بدوره قد يحمل تقلبات نفسية مختلفة.

ويقول: “حين يجيء الربيع، يبدو كل شيء وكأنه يعد ببداية جديدة، لكن هذا البدء لا يكون بسيطاً دائماً. فبين الزهور التي تتفتح، قد تتفتح داخل النفس اضطرابات خفيفة، وحساسيات غير مفهومة، وتقلبات مزاجية تشبه الريح في يوم غير مستقر”.

أما عن فصل الصيف، فيرى الأمير أنه “فصل الضوء المكثف”، حيث تبدو فيه الأشياء أكثر وضوحاً وحدة.

ويضيف: “بعض النساء يجدن فيه طاقة وحيوية ونشاطاً متسارعاً، بينما تشعر أخريات أن الحرارة تضغط على أعصابهن، كأن الشمس ليست فقط في السماء، بل داخل الرأس أيضاً، تدفع الانفعال إلى الحافة”.

حتى الخريف، بحسب الأمير، يحمل داخله “حالات انكسار وانحدار ناعم”، إذ يبدأ الإنسان بملاحظة النقص قبل أن يحدث بشكل كامل.

ويتابع: “خلف كل هذا التبدل، تبقى الحقيقة الأعمق، وهي أن النفس ليست ثابتة، بل موسمية بطريقتها الخاصة. هناك نساء يزهرن مع الربيع، وأخريات يهدأن مع الشتاء، ومنهن من لا يفهم نفسه إلا حين تتغير السماء”.

وفي ختام حديثه يؤكد الأمير أن المشكلة ليست في الفصول ذاتها، بل في حساسيتنا تجاه مرورها، موضحاً أن كل فصل “يطرق باب الداخل، ويطلب من الروح أن ترد عليه بطريقتها”.

ويضيف: “أحياناً تفتح الروح الباب، وأحياناً تتردد، وأحياناً تكتشف أن التغير لم يكن في الطبيعة وحدها، بل في الطريقة التي نشعر بها بأنفسنا داخلها”.

“المشكلة ليست في الفصول، بل في حساسيتنا تجاه مرورها. أحيانًا نكتشف أن التغير لم يكن في الطبيعة وحدها، بل في الطريقة التي نشعر بها بأنفسنا داخلها.”

 

علاجات تحت الضوء

أشارت مجلة Journal of Affective Disorders⁠، في دراستها حول الاضطراب العاطفي الموسمي، إلى فعالية العلاج الضوئي في تخفيف أعراض هذا الاضطراب عند استخدامه لمدة أسبوعين على الأقل.

ويعتمد العلاج الضوئي على تعريض المريض لضوء ساطع يحاكي ضوء الشمس الطبيعي لفترة يحددها الأطباء، بينما توصي الجمعية الألمانية لعلاج الاكتئاب بأن تستمر الجلسة نحو 30 دقيقة يومياً.

ملخص فيديو قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

واقع يمني مثقل

ورغم أن الدراسات والأبحاث العالمية تتناول الاضطراب العاطفي الموسمي باعتباره حالة منتشرة عالميًا، فإن الوضع في اليمن يبدو أكثر تعقيداً بسبب عوامل إضافية تضغط على الصحة النفسية للنساء، أبرزها الحرب الممتدة منذ سنوات وما خلفته من ضغوط وصدمات مستمرة.

ويؤكد الواقع أن اليمن يعاني من نقص حاد في خدمات الصحة النفسية، سواء من حيث عدد الأطباء المتخصصين أو التجهيزات الطبية أو مستوى الوعي المجتمعي.

ويرى أيمن السعيدي أن النظرة الاجتماعية تجاه الاضطرابات النفسية لا تزال تشكل عائقاً أمام كثير من الأشخاص الذين يحتاجون إلى طلب المساعدة أو التوجه إلى العيادات النفسية.

وفي مطلع العام 2025 كشف صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) أن اليمن لا يضم سوى 46 طبيباً نفسياً فقط لخدمة أكثر من 7 ملايين شخص يُقدر أنهم يعانون من صدمات وضغوط نفسية حادة، ما يعني استحالة وصول ملايين الأشخاص إلى الأطباء؛ وبالتالي تفاقم المشاكل الصحية وصولاً إلى مستويات يصعب فيها العلاج.

في السياق ذاته، أوضحت ورقة سياسات بعنوان “غياب الدعم النفسي عن النساء المتضررات في اليمن”، نشرتها “نسوان فويس” أن النساء اليمنيات يواجهن آثاراً نفسية عميقة تشمل: الاكتئاب، القلق، واضطرابات ما بعد الصدمة، والعزلة الاجتماعية. ومع ذلك، غالباً ما يتم تجاهل هذه الجوانب النفسية في الاستجابات الإنسانية والصحية، التي تركز عادة على الجوانب المادية والعلاجية فقط.

وقدمت ورقة السياسات التي أعدتها الباحثة سحر سعيد، توصيات تشمل: دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية، إنشاء مراكز جديدة في المناطق المحرومة، تحسين أوضاع الأخصائيين النفسيين، تعزيز الوعي المجتمعي من خلال الإعلام، وإنشاء نظام وطني لإحالة الحالات.

كما شددت على ضرورة تحويل الدعم النفسي من استجابة طارئة إلى التزام وطني طويل الأمد يراعي احتياجات النساء المتضررات، ويعزز من قدرتهن على الصمود والتعافي والمشاركة الفاعلة في بناء مجتمع أكثر صحة واستقراراً.

مقالات اخرى