تنشر نسوان فويس ورقة سياسات بعنوان “غياب الدعم النفسي عن النساء المتضررات في اليمن” أعدتها الباحثة سحر سعيد، وتأتي الورقة ضمن مجموعة من أوراق السياسات التي تُسلّط من خلالها نسوان فويس الضوء على أبرز القضايا التي تُواجه النساء في اليمن، إيمانًا بأهمية العمق في النقاش وتقديم الحلول، وهو ما يُميّز عملنا كمنصة إعلامية نسوية راسخة ومخبر بحث قيد البناء في آنٍ واحد.
وفقا للورقة يعيش اليمن منذ أكثر من عقد من الزمن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، حيث أدّت الصراعات المسلحة، وتدهور الأوضاع الاقتصادية، والانهيار شبه الكامل للنظام الصحي، إلى تزايد المعاناة الإنسانية في مختلف فئات المجتمع، ولا سيّما النساء والفتيات. فبالإضافة إلى تعرضهن المباشر للعنف القائم على النوع الاجتماعي، وفقدان مصادر الدخل، والنزوح المتكرر، تواجه النساء أيضًا آثارًا نفسية عميقة تشمل الاكتئاب، القلق، واضطرابات ما بعد الصدمة، والعزلة الاجتماعية. ومع ذلك، غالبًا ما يتم تجاهل هذه الجوانب النفسية في الاستجابات الإنسانية والصحية، التي تركز عادة على الجوانب المادية والعلاجية فقط.
تشير التقديرات إلى أن أكثر من 7 ملايين شخص في اليمن بحاجة إلى دعم أو علاج نفسي، في حين لا يحصل سوى 120 ألف شخص فقط على هذه الخدمات بشكل منتظم، ويتوزع 46 طبيبًا نفسيًا فقط على مستوى البلاد بأكملها – أي بمعدل طبيب واحد لكل نحو 700,000 شخص. وتفتقر أكثر من 90% من المناطق الريفية إلى خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، مما يكرّس فجوة جغرافية صارخة في الوصول إلى هذه الخدمات، ويجعل النساء والفتيات في الريف والمخيمات الأكثر تضررًا.
ورغم إدراك عديد المنظمات لأهمية الدعم النفسي والاجتماعي كجزء من الرعاية الشاملة، إلا أن الخدمات الحالية لا تزال محدودة من حيث الانتشار الجغرافي، ونقص الكوادر المؤهلة، وضعف التمويل والاستدامة. كما أن الوصمة الاجتماعية الناتجة عن المفاهيم الخاطئة التي تربط المرض النفسي بالجنون أو ضعف الإيمان، وضعف الوعي المجتمعي حول أهمية الرعاية النفسية، يسهمان في عزوف كثير من النساء عن طلب المساعدة حتى عند توفر الخدمات. وتشير المقابلات الميدانية إلى أن العديد من الأسر تفضّل اللجوء إلى الشيوخ والمعالجين الشعبيين بدلًا من المختصين النفسيين، خشية “العار” أو خوفًا من إفشاء أسرار الأسرة.
ومن جانب آخر، يواجه الأخصائيون النفسيون أنفسهم تحديات مهنية ومعيشية صعبة، تشمل تدني الرواتب (التي لا تتجاوز 100 دولار شهريًا في بعض المرافق)، وغياب برامج التدريب والدعم النفسي لهم رغم تعاملهم اليومي مع حالات معقدة وصادمة. كما أن غياب مراكز الصحة النفسية في محافظات رئيسية مثل مأرب — بحسب المقابلات — يجعل المرضى يضطرون للسفر إلى محافظات بعيدة مثل سيئون لتلقي العلاج، وهو عبء لا يقدر عليه معظمهم.
تتأثر الصحة النفسية في اليمن أيضًا بعوامل اجتماعية وثقافية راسخة، حيث تسود نظرة سلبية تجاه الاضطرابات النفسية، ويتوقع من النساء الصبر والكتمان، ما يزيد من تفاقم المعاناة النفسية ويحول دون طلب المساعدة. هذا الوضع ينعكس على الأسرة والمجتمع، إذ يؤدي تراكم الضغوط النفسية غير المعالجة إلى ارتفاع معدلات العنف الأسري، والإدمان، والانتحار، والعزلة الاجتماعية، مما يهدد التماسك الاجتماعي على المدى البعيد.
تستعرض هذه الورقة واقع غياب الدعم النفسي عن النساء المتضررات في اليمن من خلال منهجية نوعية اعتمدت على مقابلات متعمقة مع أخصائيين نفسيين، ونساء تلقين دعمًا نفسيًا، وممثلين عن منظمات محلية ودولية، بالإضافة إلى حلقة نقاش مغلقة مع خبراء في الصحة النفسية. وقد خلصت النتائج إلى أن غياب الإطار المؤسسي المتكامل، وضعف التنسيق بين الجهات الحكومية والمنظمات الإنسانية، يشكلان العائق الأكبر أمام تطوير خدمات نفسية مستدامة.
كما تقيّم الورقة الاستراتيجية الوطنية للصحة النفسية 2022–2026 التي وضعتها وزارة الصحة العامة والسكان بدعم من منظمة الصحة العالمية، وتبرز الفجوات في تطبيقها نتيجة نقص التمويل، وضعف القدرات، وتجزؤ الجهود بين الشمال والجنوب. وتوضح أن معظم المبادرات الحالية تعتمد على تمويل خارجي مؤقت، مما يجعل استمرارية العلاج للمستفيدين غير مضمونة بعد انتهاء المشاريع.
وتختتم الورقة بتقديم حزمة من التوصيات العملية والقابلة للتنفيذ موجهة إلى الحكومة، والمنظمات الدولية، والإعلام، تشمل: دمج خدمات الصحة النفسية في الرعاية الصحية الأولية، إنشاء مراكز جديدة في المناطق المحرومة، تحسين أوضاع الأخصائيين النفسيين، تعزيز الوعي المجتمعي من خلال الإعلام، وإنشاء نظام وطني لإحالة الحالات. كما تؤكد على ضرورة تحويل الدعم النفسي من استجابة طارئة إلى التزام وطني طويل الأمد يراعي احتياجات النساء المتضررات، ويعزز من قدرتهن على الصمود والتعافي والمشاركة الفاعلة في بناء مجتمع أكثر صحة واستقرارًا.
غياب الدعم النفسي عن النساء المتضررات في اليمن

