إكرام فرج – نسوان فويس
في بلدٍ تتقاطع فيه الأزمات الإنسانية مع التحولات المناخية لا تظهر الملاريا دائماً ككارثة مفاجئة، بل كتهديد صامت يتسلل في الهامش، وينمو حيث تغيب الخدمات وتضعف البنية التحتية.
وبينما تشير الأرقام الرسمية إلى تراجع نسبي في بعض المناطق، تكشف الوقائع الميدانية أن المرض لا يزال حاضراً، ينتظر الظروف المناسبة ليعود بقوة، كما حدث أواخر مارس الماضي، في بعض مناطق ساحل حضرموت بعد المنخفض الجوي.
شهدت حضرموت تنفيذ عدد من التدخلات لمكافحة الملاريا، شملت حملات رش بالمبيدات، وتوزيع الناموسيات المشبعة، وتوفير الفحوصات السريعة المجانية، إضافة إلى نشر التوعية عبر متطوعات المجتمع
ملخص صوتي للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
هدوء حذر أم خطر وافد؟
تُظهر البيانات الصحية لساحل حضرموت خلال الربع الأول من عام 2026 انخفاضاً ملحوظاً؛ إذ لم تتجاوز الحالات المؤكدة “عشرات الحالات”.
وبحسب الدكتورة رولا باضريس مديرة إدارة الترصد الوبائي بمكتب وزارة الصحة بساحل حضرموت، فقد تم رصد حالتين مؤكدتين فقط في مارس تماثلتا للشفاء.
هذا التراجع يعزوه صلاح عبد القادر باسندوة مسؤول وحدة الملاريا بالمكلا، إلى تدخلات البرنامج الوطني التي خفضت المعدلات في حضرموت والحديدة وعدن.
لكن، هذا الاستقرار الرقمي يخفي خلفه هشاشة مقلقة؛ إذ تكشف باضريس أن حالات الاشتباه وصلت إلى 10 حالات، لافتةً إلى أن الخطر الأكبر بات يأتي من الحالات الوافدة من محافظتي شبوة والمهرة، ما يعكس ارتباط انتشار المرض بحركة النزوح والتنقل من مناطق موبوءة، ليضع المحافظة أمام خطر دائم يتجاوز حدودها الإدارية.
وبحسب باسندوة، فقد شهدت حضرموت تنفيذ عدد من التدخلات لمكافحة الملاريا، شملت حملات رش بالمبيدات، وتوزيع الناموسيات المشبعة، وتوفير الفحوصات السريعة المجانية، إضافة إلى نشر التوعية عبر متطوعات المجتمع.
وقال في حديثه لـ “نسوان فويس”: تعمل نحو830 متطوعة في مجال التثقيف الصحي في عموم مديريات ساحل حضرموت على رفع الوعي الصحي للحد من انتشار المرض.

حين تسبق المستنقعات حملات الرش
لم تكن الأمطار الغزيرة التي شهدتها المناطق الساحلية في حضرموت مؤخراً مجرد حدث مناخي عابر بل شكلت نقطة تحول بيئية مقلقة، فقد خلفت السيول بركًا واسعة من المياه الراكدة، وامتلأت السقايات والخزانات المكشوفة، ما أدى إلى انتشار كثيف للبعوض والذباب في عدد من المديريات، والتي بات يشتكي منها الأهالي إلى اليوم.
لا ترتبط الملاريا بالمناخ فحسب، بل بالواقع المعيشي؛ فالمباني غير المكتملة وغياب الصرف الصحي يخلقان بيئة حاضنة للبعوض
هذه الظروف التي تتكرر مع كل موسم أمطار، تُعد بيئة مثالية لتكاثر البعوض الناقل للملاريا، وتفتح الباب أمام تشكل بؤر جديدة للمرض.
لا تنتشر الملاريا بمعزل عن الواقع المعيشي بل ترتبط بشكل وثيق بالفقر وغياب الخدمات الأساسية، فالمياه الراكدة، وسوء تخزين المياه، وغياب شبكات الصرف الصحي، ووجود مباني غير مكتملة، كلها عوامل تسهم في خلق بيئة حاضنة لتكاثر البعوض.
لماذا تدفع النساء الثمن الأكبر؟
وفي القرى والمناطق الريفية حيث تزداد معدلات الفقر وتضعف البنية التحتية، تصبح هذه العوامل أكثر وضوحاً، ما يجعل السكان أكثر عرضة
للإصابة.
بينما يتحدث البرنامج الوطني عن نجاح تدخلاته، تروي شهادات الأهالي لـ “نسوان فويس” واقعًا مغايرًا يتجاوز تفاؤل التقارير المكتبية.
ففي مديرية الريدة الشرقية، تصف فاطمة محمد مشهداً مرعباً بعد الأمطار: “تجمعت المياه أمام البيوت لأيام دون تحرك سريع، والبعوض منع أطفالنا من النوم، حتى بدأنا نسمع عن حميات مجهولة تنتشر بين النساء.”
باسندوة: تعمل نحو830 متطوعة في مجال التثقيف الصحي في عموم مديريات ساحل حضرموت على رفع الوعي الصحي للحد من انتشار المرض
هذا التقصير في الاستجابة الاستباقية تؤكده أيضاً هناء سالم (من مديرية الشحر)، التي تشير إلى أن المشكلة ليست في المطر بل في “النمط المكرر” للاستجابة: “المستنقعات تكبر والبعوض ينتشر حتى داخل المستشفيات، ولا نرى حملات الرش والمكافحة إلا بعد أن يقع الفأس في الرأس وينتشر المرض.. التحرك دائماً متأخر.”
لا ترتبط الملاريا بالمناخ فحسب، بل بالواقع المعيشي؛ فالمباني غير المكتملة وغياب الصرف الصحي يخلقان بيئة حاضنة للبعوض.
وهنا تشير باضريس؛ إلى أنه على الرغم من أن الشباب والذكور هم الأكثر عرضة للإصابة ميدانياً، إلا أن النساء والأطفال يظلون الفئة الأكثر هشاشة. فضعف المناعة، وسوء التغذية، وصعوبة الوصول للخدمات الصحية، تجعل من الإصابة لدى المرأة حُكمًا بالمعاناة المضاعفة التي قد لا تسجلها الإحصائيات الرسمية دائمًا.
ملخص مرئي قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
معركة الرمق الأخير
وأمام تراجع دعم المنظمات الدولية الذي يهدد استمرارية البرامج الوقائية، يبرز الدور المجتمعي لمواجه المرض؛ في تثقيف المجتمع بمديريات الساحل.
ومع ذلك، تظل قصص الهامش هي الحقيقة الأكثر صدقاً؛ إذ تروي أم مجدي رحلتها الشاقة لتشخيص طفلها بعد موسم الأمطار: “لم أجد مرفقاً صحياً قريباً، واضطررت لرحلة طويلة لإنقاذ ابني من حمى كادت تفتك به.”
في اليوم العالمي لمكافحة الملاريا لا تبدو المعركة في اليمن طبية بحتة، بل هي معركة مع الفقر ومع سوء التخطيط ومع بطء الاستجابة.
فالملاريا ليست مجرد بعوضة تنقل المرض، بل نتيجة لسلسلة طويلة من الاختلالات، تبدأ من بركة ماء راكدة أمام منزل، وتصل إلى نظام صحي يتحرك متأخراً.
وبينما تنتظر النساء بجميع المناطق تحرك يحميهن وأطفالهن، يبقى المرض قادراً على الازدهار في الظل كلما هطلت الأمطار وغابت الاستجابة.

