نسوان فويس – سميرة عبد اللطيف
لم تعد صناعة المحتوى في اليمن مجرد هواية أو وسيلة لتمضية الوقت، بل تحولت في أيدي نساء طموحات إلى منصات للتأثير، ومقاومة التنمر، وبناء جسور نحو الاقتصاد الرقمي.
ومن قلب لحج إلى جبال حراز، تبرز قصص ملهمة لصانعات محتوى قررن كسر حاجز الصمت الرقمي، ليقدمن للعالم وجهًا يمنيًا مبدعًا يتحدث لغة العصر ويتمسك بجذور الهوية.

ومن بين هذه القصص تبرز صانعة المحتوى العنود عارف، ابنة محافظة لحج، التي بدأت مسيرتها في هذا المجال عام 2022؛ حيث اختارت تقديم محتوى يرتكز على التاريخ والموروث الشعبي، سعيًا منها لتقريب هذه المعارف من فئة الشباب، لاسيما أولئك الذين ابتعدوا عن أنماط القراءة التقليدية.
تستذكر العنود بداياتها في حديثها لـ”نسوان فويس” قائلة: “واجهت تنمراً في البداية، لكن إيماني برسالة المحتوى الذي أقدمه ووضوح أهدافي منحاني القوة للاستمرار والوصول إلى جمهور يقدّر هذه النوعية من الطرح”.
في هذا التسجيل تتحدث العنود حول المهارات التي اكتسبتها خلال فترة عملها:
أما إيلاف رشيد، القادمة من منطقة حراز والمتخصصة في هندسة الديكور والفنون التشكيلية، تُعد واحدة من أبرز الوجوه الصاعدة في صناعة المحتوى اليمني لعام 2026.
فمنذ انطلاقتها في يناير الماضي، استطاعت بناء قاعدة جماهيرية قوامها 50 ألف متابع في وقت قياسي لم يتجاوز 90 يومًا، وهو مؤشر رقمي قوي يبرهن على أن الالتزام بالمحتوى النوعي هو الطريق الأقصر لنيل ثقة الجمهور وتأكيد حضور المرأة في الاقتصاد الرقمي.
وجود نماذج نسوية تقدم محتوى رصينًا يساعد في تغيير هذه النظرة تدريجيًا، ويعزز قناعة المجتمع بأن مشاركة المرأة في المجال الرقمي تمثل إضافة إيجابية
وتوضح رشيد أن دخولها هذا المجال ينطلق من دوافع متعددة، أبرزها نشر قيم السلام والإنسانية والفن، فضلاً عن تبادل الثقافات. حيث تقدم محتوى متنوعاً يشمل الجوانب التوعوية والفنية، إضافة إلى مناقشة القضايا المجتمعية، مؤكدة أن هذا الاختيار يعكس اهتماماتها الشخصية.
وتستطرد قائلة: “أعتقد أن عدد صانعات المحتوى في اليمن لا يزال محدودًا، وربما أكون من الأوائل في المناطق الشمالية اللواتي يناقشن هذه المواضيع؛ لذا قد يبدو الأمر غريبًا نوعًا ما، لكنه بات يلقى قبولًا تدريجيًا”
أما فيما يخص الحديث عن قضايا النساء، فتجزم إيلاف بأن التطرق للقضايا النسائية لا يزال محفوفًا بالتحديات؛ لكونه يُثير حالة من الجدل والقلق المجتمعي. فبينما يرى البعض أن الدفاع عن حقوق المرأة يمثل فكرًا دخيلًا، تذهب إيلاف إلى أن هذه الحقوق متجذرة في قيمنا الأصيلة، مستشهدة بالوصايا النبوية التي حثت على إكرام المرأة ورعايتها.

التقبل المجتمعي
لا ينفصل الحضور النسائي الرقمي عن سياق التحولات الاجتماعية العميقة التي تشهدها البلاد، وما يرافقها من صراع بين الانفتاح والتحفظ.
وفي هذا الجانب، تبين الأخصائية الاجتماعية مروة أحمد لـ”نسوان فويس” أن ردود الفعل تتباين من شخص لآخر، فهناك من يشجع عمل المرأة ويرى فيه تطورًا طبيعيًا، بينما لا يزال البعض ينظر إليه بريبة بسبب العادات والتقاليد.
وتعتقد مروة أن وجود نماذج نسوية تقدم محتوى رصينًا يساعد في تغيير هذه النظرة تدريجيًا، ويعزز قناعة المجتمع بأن مشاركة المرأة في المجال الرقمي تمثل إضافة إيجابية.
كما تشير إلى أن التغيير غالبًا ما يبدأ بخطوات صغيرة، ومع تراكم التجارب الناجحة، يتسع نطاق التقبل، سواء من قِبل الرجال أو المجتمع ككل.
وهذا ما تزكيه تجربة إيلاف، التي تروي أن التفاعل عبر وسائل التواصل كان إيجابيًا بنسبة كبيرة، في حين واجهت في بادئ الأمر بعض الاعتراضات من محيطها الاجتماعي الواقعي، قبل أن يتحول ذلك الرفض إلى دعم كبير.
وتضيف: “في الفضاء الرقمي كان التأييد واسعًا، أما في الواقع فقد واجهت تحفظات من بعض المقربين، لكنهم اليوم باتوا من أكبر الداعمين لمسيرتي”.
حيدر: رغم العقبات التقنية، إلا أن القوة الحقيقية تكمن في “رأس المال البشري. متوقعاً أن يتجه المستقبل في اليمن نحو المحتوى المتخصص؛ حيث تبحث الشركات والمجتمع عن مصداقية التأثير لا مجرد أرقام المتابعين
عن التحديات التي تواجه المرأة في هذا المجال ترى أن التحديات تختلف جذريًا عما يواجهه الرجل؛ بسبب القيود الاجتماعية وسقف التوقعات المرتفع منها، حيث تخضع المرأة لرقابة أشد، لاسيما عند طرق أبواب القضايا العامة.

تحديات البيئة الرقمية
مع التحول العالمي نحو الاقتصاد الرقمي، أصبحت صناعة المحتوى أحد مصادر الدخل الواعدة. غير أن هذه الفرص ما زالت تصطدم في اليمن بتحديات البنية التحتية الرقمية، وغياب سلاسل الدفع الإلكتروني.
وفي هذا الصدد، يحلل خبير التسويق عبد الجليل حيدر المشهد قائلاً: “نحن اليوم أمام ولادة قطاع جديد يمكن تسميته بـ “الاقتصاد الرقمي”؛ حيث تحولت صناعة المحتوى إلى قطاع ناشئ يمتلك القدرة على خلق فرص عمل مرنة تتجاوز قيود الجغرافيا وضعف سوق العمل التقليدي”.
ويشدد حيدر في حديثه لـ”نسوان فويس” على أنه رغم العقبات التقنية، إلا أن القوة الحقيقية تكمن في “رأس المال البشري. متوقعاً أن يتجه المستقبل في اليمن نحو المحتوى المتخصص؛ حيث تبحث الشركات والمجتمع عن مصداقية التأثير لا مجرد أرقام المتابعين.
ومع تحول الشغف إلى مسار مهني، تقول إيلاف: “لم أكن أتخيل أن صناعة المحتوى قد تصبح مصدر دخل، والأرباح في اليمن ليست بالأمر السهل”.
كما تؤمن إيلاف بأن هذا المجال يمثل فرصة عمل حقيقية للمرأة اليمنية، لكنه يتطلب صبرًا وقوة نفسية، مشددة على أن النجاح لا يتوقف عند المهارات التقنية فحسب، بل يرتكز أساسًا على صدق الرسالة.
من جانبها، تؤكد العنود عارف أنها تنظر لصناعة المحتوى بوصفها مشروعًا مهنيًا تحاول تطويره رغم الصعوبات.
وتوضح أن تواجدها في مصر ساعدها على تجاوز بعض المعضلات، خاصة فيما يتعلق بالوصول إلى برامج تحقيق الدخل والمنصات الداعمة مادياً.
ملخص مرئي قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
البداية هي نصف الانتصار
في ختام حديثها، توجه إيلاف رسالة للفتيات الطامحات لدخول المجال، تنصحهن فيها بالبدء فورًا دون انتظار الظروف المثالية: “ابدأي دون خوف، ستتعلمين كل يوم شيئاً جديداً. لا تتوقفي إذا لم تجدي تفاعلاً في البداية، فكل الكبار بدأوا بجمهور صغير”.
فيما تنصح العنود بالابتعاد عن العشوائية والتخبط. داعيةً إلى تحديد الجمهور بدقة، واضعةً في الحسبان خصوصية المجتمع اليمني؛ فصانع المحتوى هو بمثابة ‘ضيف’ يدخل كل بيت، ومن الواجب احترام عاداته وتقاليده.
وتختم بقولها: ” تذكري دائمًا أن الترتيب ووضوح الرسالة هما الجسر الآمن الذي سيصل بهدفكِ إلى قلوب الناس وعقولهم”.
إن تجارب العنود وإيلاف تثبت أن صناعة المحتوى الهادف هي معركة نفس مهني طويل، تتطلب صبراً وقوة نفسية تسبق المهارة التقنية. فمع كل منشور رصين، تتقلص مساحات الرفض، وتتسع آفاق التمكين للمرأة اليمنية.

