الوصاية الرقمية في اليمن: حين تمتد قيود المجتمع على النساء إلى الفضاء الرقمي

شارك المقال

منيرة أحمد الطيار – نسوان فويس

منشور واحد على فيسبوك كان كافيًا ليحوّل حياة(سارة) إلى أزمة داخل أسرتها.

ما بدا لها طبيعيًا، لم يكن كذلك في نظر المجتمع.

هذا التقرير يتتبع قصة سارة، ويكشف كيف تواجه آلاف النساء في اليمن رقابة يومية حتى على الإنترنت… حيث لا يكون التعبير حرًا كما يبدو.

لم تكن سارة -22 عاماً- تتوقع أن يتحوّل منشور شخصي عادي على موقع التواصل الاجتماعي “فيسبوك” إلى أزمة عائلية خلال ساعات.

فما بدا لها صورة طبيعية ضمن سياق جيلها، سرعان ما أصبح مصدر قلق اجتماعي، بعد أن تلقّت اتصالًا غاضبًا من شقيقها يطالبها بحذف المنشور فورًا، محذرًا من أن الأقارب قد يرونه ويسبب إحراجًا.

بالنسبة لسارة، لم يكن ما حدث مجرد موقف عابر، بل امتدادًا لشعور دائم بالمراقبة، حتى داخل مساحة يُفترض أنها شخصية.

تقول: “أفكر كثيرًا قبل أن أنشر أي شيء، وأحيانًا أحذف المنشور قبل أن يراه أحد”.

قصة سارة ليست استثناءً، بل تمثل نموذجًا متكررًا من واقع تعيشه آلاف اليمنيات، حيث لا تتوقف سلطة العائلة والمجتمع عند حدود الحياة اليومية، بل تمتد إلى الفضاء الرقمي لفرض قيود غير مرئية على ما يمكن قوله أو إظهاره.

وفي هذا السياق، لم يُعد الإنترنت مساحة تحرر خالصة بقدر ما أصبح امتدادًا رقميًا للبنية الاجتماعية ذاتها حيث تتحول الحماية إلى وصاية وتُعاد صياغة الخصوصية كمساحة للمراقبة. 

الظهور بشروط المجتمع

رغم أن الإنترنت أتاح للنساء مساحة غير مسبوقة للتعبير والتواصل إلا أن هذه المساحة لا تبدو متاحة بالكامل في ظل خضوع الحضور الرقمي للنساء غالبًا لاعتبارات اجتماعية دقيقة تبدأ من الخوف من نظرة الآخرين ولا تنتهي عند حدود السمعة العائلية.

في محاولة للموازنة بين الرغبة في الظهور والخشية من العواقب، تلجأ كثير من النساء إلى استخدام أسماء مستعارة أو صور رمزية، فيما تختار أخريات الانسحاب الكامل من الفضاء الرقمي تجنبًا للصدام.

تقول ناشطة على منصة التواصل الاجتماعي- فضّلت عدم ذكر اسمها- إنها اضطرت للتوقف عن النشر نهائيًا بعد أن أصبحت آراؤها تُفسَّر كتجاوز “غير مقبول” للشأن العام ما انعكس ضغطًا مباشرًا على أسرتها.

لكن هذه الضغوط لا تتوزع بالتساوي، بل تتضاعف حدّتها لدى النساء العاملات في المجال العام، خصوصًا الصحافة والإعلام حيث يتقاطع المهني مع الشخصي وتُصبح الحدود أكثر هشاشة وقابلية للتمدد وفقًا لمعايير المجتمع.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

الصحفيات بين ضغط المجتمع ومتطلبات المهنة

تُعدّ الصحفيات من أكثر الفئات عرضة لهذه الوصاية الرقمية، إذ يواجهن ضغوطًا مركبة تجمع بين القيود الاجتماعية ومتطلبات العمل الصحفي.

وفي هذا الإطار، توضح الصحفية دينا عبولان أن الخوف من رد فعل الأسرة لا يزال عاملًا مؤثرًا في عملها خاصة عند تناول قضايا خدمية تمس الواقع اليومي.

وتقول: “التواصل مع والدي بشأن بعض المواد التي كتبتها يسبب توترًا كبيرًا كما أن حظر حساباتي على فيسبوك أو واتساب وهو أمر يتكرر يعيق عملي بشكل مباشر”.

ورغم أنها اضطرت في مراحل سابقة إلى تعديل أو حذف مواد صحفية نتيجة هذه الضغوط، تشير إلى أنها لم تعد تمارس الرقابة الذاتية بنفس الدرجة، وإن كانت ترى أن هذه القيود ما تزال تؤثر سلبًا على جودة المحتوى وتحد من تنوع الأصوات النسائية.

بدورها، ترى الناشطة الصحافية رشا كافي أن هذه القيود ليست حالات فردية، بل جزءا من بنية أوسع تحكم عمل النساء في الإعلام.

وتوضح أن الصحفيات يواجهن قيوداً تتعلق بطبيعة القضايا التي يتناولنها، خاصة السياسية والأمنية، حيث يُنظر إلى تدخل المرأة فيها بنوع من الرفض أو التقليل إلى جانب قيود أخرى تتعلق بتوقيت وطريقة التعبير.

وتضيف، لا يُراقب فقط ما تقوله المرأة، بل متى وكيف تقوله.

وبحسب كافي، فأن هذه الضغوط تدفع بعض النساء إلى تبسيط طرحهن أو الانسحاب، لكنها تشير في المقابل إلى أن كثيرات طوّرن استراتيجيات للتعامل معها من بينها المرونة في إدارة الخطاب واختيار التوقيت المناسب للنشر وتجنب المواجهات المباشرة إضافة إلى خلق مساحات أكثر أماناً للنقاش.

لا يُراقب فقط ما تقوله المرأة اليمنية على الإنترنت، بل متى وكيف تقوله، وفي أي سياق تظهر، وهو ما يجعل كثيرًا من النساء يعِشن حضورهن الرقمي باعتباره مساحة مشروطة لا مجالًا حرًا للتعبير

أكثر من تجربة فردية

ولا تقف هذه القيود عند حدود التجربة الفردية أو المهنية، بل تعكس نمطًا أوسع تؤكده أيضًا البيانات. فبحسب مدير مركز الدراسات والإعلام الاقتصادي محمد إسماعيل، لا يمكن اعتبار حضور النساء في الفضاء الرقمي في اليمن حراً بالكامل، إذ تحكمه قيود اجتماعية مباشرة وغير مباشرة من بينها ضغوط الأسرة المرتبطة بالسمعة، إلى جانب التنمر والابتزاز الرقمي، اللذين يشكلان أداة ردع تحد من حرية التعبير.

ويشير إسماعيل إلى دراسة ميدانية أجراها المركز شملت نحو 80 صحفية يمنية، أظهرت أن ما يقارب 90 بالمئة من المشاركات يعتبرن الثقافة المجتمعية والنظرة إلى المرأة من أبرز أسباب التنمر الإلكتروني ما يعكس حجم التأثير الذي تفرضه البيئة الاجتماعية على مشاركة النساء في الفضاء الرقمي.

ويرى إسماعيل أن هذه الضغوط تدفع العديد من النساء خصوصًا الصحفيات إلى تقليل نشاطهن الرقمي أو التوقف عن النشر كليًا إضافة إلى استخدام أسماء مستعارة أو نشر مواد دون نسبها الحقيقي، خاصة عند تناول قضايا حساسة.

كما تنعكس هذه القيود على مستوى المشاركة العامة حيث تؤدي إلى تراجع حضور النساء في وسائل الإعلام ومنصات التواصل وإضعاف مساهمتهن في النقاش العام وصناعة المحتوى الرقمي.

ملخص مرئي قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook LM

حين تغيب الحماية القانونية

وإذا كانت هذه الرقابة تُمارس اجتماعيًا، فإنها تتفاقم أكثر في ظل غياب حماية قانونية متخصصة، وهذا ما أكدته المحامية أمل الصبري في حديثها لـ”نسوان فويس”، محذرةً من تصاعد الانتهاكات الرقمية التي تستهدف النساء خاصة العاملات في المجالين الحقوقي والإعلامي، إذ لم تعد هذه الانتهاكات حالات معزولة، بل تتجه نحو التحول إلى ظاهرة مقلقة.

وتوضح أن الإطار القانوني الحالي يعاني من قصور واضح في ظل غياب قانون خاص بالجرائم المعلوماتية والاعتماد على نصوص عامة لا تواكب طبيعة الجرائم الرقمية. كما تلفت إلى أن الرقابة الأسرية بحد ذاتها تمثل انتهاكًا للخصوصية وتسهم في فرض رقابة ذاتية تفرغ حق النساء في التعبير من مضمونه.

وتضيف أن النساء يواجهن تحديات إضافية عند محاولة اللجوء إلى القضاء من بينها الخوف من الوصمة الاجتماعية وضعف التعامل مع الأدلة الرقمية وغياب وحدات متخصصة تراعي خصوصية هذه القضايا.

الرقابة كمنظومة ممتدة

وفي قراءة أوسع، يرى الخبير في الأمن الرقمي فهمي الباحث أن ما يحدث في الفضاء الرقمي ليس منفصلًا عن الواقع بل يمثل امتدادًا للبنية الاجتماعية التقليدية فبدلًا من أن يحرر الإنترنت النساء من القيود أعاد إنتاجها بأدوات جديدة حيث تمارس الرقابة بشكل غير مباشر عبر المجتمع.

ويشير  في حديثه لـ ” نسوان فويس” إلى أن انفتاح الفضاء الرقمي قوبل بمحاولات لإعادة ضبط حضور النساء ما جعل “الوصاية الرقمية” جزءً من منظومة أوسع تُعيد إنتاج نفسها وتحد من حرية النساء ومشاركتهن في المجال العام.

لا تُقاس حرية النساء اليمنيات في الفضاء الرقمي فقط بقدرتهن على الوصول إلى الإنترنت، بل بمدى شعورهن بالأمان وامتلاكهن الحق في الظهور والتعبير دون خوف من العقاب الاجتماعي أو الابتزاز أو الوصاية

حين يصبح الصمت وسيلة للبقاء

لا تتوقف آثار هذه الضغوط عند حدود السلوك الظاهري، بل تمتد إلى البعد النفسي حيث تتشكل رقابة ذاتية تدفع النساء إلى إعادة التفكير في كل ما ينشرنه.

وتشير البيانات إلى أن نسبة كبيرة من الصحفيات اليمنيات يعانين من ضغط نفسي نتيجة المضايقات الرقمية ما يؤدي إلى التفكير المفرط قبل النشر أو تجنب المشاركة بالكامل.

وتُعد هذه الرقابة الذاتية من أخطر أشكال التقييد لأنها لا تُفرض بشكل مباشر بل تتشكل تدريجياً وتؤدي إلى تراجع حضور النساء في النقاش العام وتحويل مشاركتهن إلى حضور محدود أو غير مرئي.

مقالات اخرى