خديجة خالد – نسوان فويس
“عشت سنوات من الضرب والتعنيف، وطُردت مراراً إلى فناء المنزل وأنا أحمل طفلي الوحيد ذا الثلاث سنوات، ورغم وجود من يشهد على ذلك، لم ينصفني أحد”. بهذه الكلمات تلخص الثلاثينية ملاك محمد، من محافظة حجة، فصلًا من مأساتها لمنصة “نسوان فويس”
طرقت ملاك أبواب القضاء بحثًا عن الأمان، إلا أن قرار المحكمة جاء مخيباً للآمال؛ حيث اعتبر القاضي أن الضرر الواقع عليها “ليس سبباً كافياً للفسخ”، مخيراً إياها بين العودة القسرية أو ردّ المهر.
شعرت ملاك حينها بمرارة الخذلان، وكأن سنوات الألم والخوف سقطت من حسابات العدالة. “خرجت بلا حماية، ومجبرة على العودة إلى بيت لا يرحم”، تنهي ملاك حديثها.
ماذا يقول القانون؟
في كثير من حالات الطلاق أو فسخ الزواج، تتساءل النساء عن حقوقهن القانونية وما يترتب عليهن من التزامات، خصوصًا في مسألة المهر وكيفية التعامل معه؛ فالقانون يُحدد الإطار الرسمي للعلاقة الزوجية، لكنه يترك الكثير من التساؤلات حول العدالة الحقيقية للمرأة بعد سنوات من العطاء.
في هذا السياق تحدثت المحامية أمل الصبري لمنصة “نسوان فويس” بالقول: “ينظم قانون الأحوال الشخصية اليمني العلاقات الزوجية بين الزوجين، ويجيز للمرأة طلب الفسخ لأسباب محددة، مثل: الغيبة، انعدام الكفاءة المعتبرة شرعًا وقانونًا، والكراهية، بالإضافة إلى أسباب أخرى مثل التمرد على النفقة أو الامتناع عنها”.
وتستدرك الصبري، لكن وفق المادة (45)، من قانون الأحوال الشخصية اليمني، تُلزم المرأة بردّ المهر إذا تقدمت بطلب فسخ للكراهية، حتى بعد سنوات طويلة، وهو ما يمثل قصورًا تشريعيًا، إذ لم يُعترف قانونيًا بمبدأ “الفسخ للضرر” بشكل مستقل، بل أُدرج الضرر ضمن أسباب الكراهية، واحتُسب المهر واجباً لإعادته للزوج.
وعند مشاركة الزوجة بمالها في المنزل تشرح الصبري ما يقوله القانون: إذا ساهمت الزوجة في المنزل بأموالها الخاصة – على سبيل المثال في شراء أدوات أو أثاث أو عقار- يعترف القانون بملكيتها لهذه المساهمة، لكنه لا يعوضها عن الجهد غير المادي الذي قدمته في إدارة الأسرة وتربية الأبناء.
وتضيف: بالرغم من وجود بعض الحالات الاجتهادية، فإنها نادرة جداً، مشيرة إلى ضرورة تحديث شامل للقانون يتوافق مع متطلبات العصر الحديث، ويوازن بين حقوق وواجبات الأسرة بشكل أكثر دقة وعدالة.
حكايات خلف الجدران
قصة أخرى تحمل من الوجع ما لم تطويه السنون، فاطمة (اسم مستعار)، والتي تجاوزت الأربعين من عمرها وهي تجرُّ خلفها عقدين من الصبر على سوء المعاملة ونكران الجميل.
تروي فاطمة قصتها لـ “نسوان فويس” قائلة: ‘أمضيت 22 عامًا أحمل على عاتقي تربية خمسة أبناء، كنت خلالها السند الذي لم ينحنِ، أهدرت صحتي ومستقبلي لأبني استقراراً لم أحصد منه سوى الوجع. واليوم، حين قررتُ أن أسترد كرامتي بطلب الطلاق، جمدت المحكمة حريتي عند حدود الحسابات المادية، إذ اعتبر القاضي فسخ الزواج قائمًا على الكراهية، ملزمًا إياي برد المهر، وكأن تعب العمر تلاشى ليصبح مجرد أرقام تُقايض بالمال”.
وتستطرد بمرارة: “كيف يُقاس العطاء بالمال وحده؟ لقد أردت استعادة حياتي، لكن القانون أشعرني أن جهدي بلا قيمة، وكأن تضحياتي في إدارة البيت وتربية الأبناء كانت مجرد صفقة بلا روح. أحكي قصتي لعل صوتي يصل نيابة عن آلاف النساء اللواتي يدفعن ثمن الخلاص مرتين، مرةً من سنيّ العمر، ومرةً بنصوص القانون”.

التكلفة النفسية للعدالة الغائبة
لا تتوقف تداعيات القصور القانوني عند الخسارات المادية فحسب، بل تمتد لتنال من الاستقرار النفسي والاجتماعي للمرأة. وفي هذا السياق، تشرح الأخصائية الاجتماعية، الدكتورة إلطاف الأهدل، أبعاد هذه الأزمة على كيان الأسرة: “إن حجم الظاهرة كبير جداً، والكثير من النساء يعانين من استغلال الرجال وتجاهل حقوقهن داخل الزواج، ويُطلب منهن أحيانًا ردّ المهر رغم سنوات العطاء والتضحيات”.
وأضافت في حديثها لـ “نسوان فويس”: “صمت النساء لسنوات سببه عدم الثقة بالقضاة والمحامين وقلة الدعم والإرشاد النفسي المتاح آنذاك، بينما اليوم أصبحت الأدوات متاحة عبر الإنترنت ومنصات التواصل الاجتماعي لتوعية النساء ودعمهن”.
مؤكدة أن هذا الصمت يؤثر على استقرار المرأة نفسياً وعصبياً وصحياً وتربوياً، مشيرة إلى أن النساء غالباً يُحرمن من الاعتراف بالضرر النفسي الذي يتعرضن له، بينما في بعض الدول يتم تعويض الأضرار النفسية الناتجة عن الإهمال أو التعنيف داخل الزواج.
وقالت: “نتعرض في مجتمعنا لسلوكيات زوجية سلبية تؤثر على قيمتنا وأحاسيسنا وحتى على طريقة تربية أولادنا؛ لذلك من المهم أن تنتشل المرأة نفسها، وأن يُعترف لها بالقيمة النفسية لما عانته، لا أن يُقاس كل شيء بالمال فقط”.
التجربة المغربية
في الوقت الذي تبحث فيه اليمنيات عن مخارج قانونية عادلة، تبرز تجارب عربية رائدة نجحت في تحويل الجهد المنزلي إلى حقوق مادية ملموسة.
في هذا الجانب تستعرض الخبيرة القانونية والناشطة في حقوق المرأة، سمية السباعي، لـ ” نسوان فويس” النموذج المغربي وإمكانية إسقاطه على الواقع المحلي:”إن المغرب يمثل نموذجاً عملياً لإنصاف المرأة بعد الطلاق، حيث نصت المادة (49) من مدونة الأسرة المغربية على أن القاضي لا يأخذ بعين الاعتبار المال فقط، بل أيضاً من تعب وسعى، مثل الزوجة التي تدير المنزل أو تساعد زوجها في العمل أو المشروع”.
وأكدت السباعي أن القاضي هو من يقدّر مساهمة الزوجة ويقرر مبلغ التعويض وفق سنوات العطاء وجهدها، وهو ما طبقته محكمة النقض المغربية في عامي 2022 و2023، إذ تم تعيين خبراء لتقييم تعب الزوجة ماليّاً. وأضافت أن باقي الدول العربية، مثل مصر وتونس، لا تزال تدرس الفكرة، بينما المغرب هو النموذج العملي الوحيد حتى الآن.
وعن إمكانية دمج هذا المفهوم في القانون اليمني، قالت السباعي: ” يمكن إدراجه عبر نصوص واضحة تعترف بالعمل المنزلي كمساهمة مالية، أو ترك مساحة للقضاة لتقدير الظروف وفق قواعد الإثبات العامة، وهذا يحقق إنصافاً أكبر للنساء اللواتي ضحين بمهنهن لدعم الأسرة”.
وأشارت السباعي إلى أن أبرز التحديات تكمن في: نقص الوعي المجتمعي، وصعوبة تحويل الجهد غير الملموس إلى مبلغ مالي محدد، وكذا المعارضة الفقهية.
ولتحقيق إنصاف حقيقي، اقترحت السباعي ثلاث خطوات رئيسية يوضحها الانفوجراف التالي:

وبين نصوص القانون وتحقيق العدالة، تبقى قصص النساء اليمنيات شاهدة على سنوات من العطاء غير المعترف به، ويظل “حق الكد والسعاية” مطلباً ضرورياً لإنصافهن.
فتعديل القوانين، وتسهيل الوصول للعدالة، وتوعية المجتمع بحقوق المرأة ليس رفاهية، بل خطوة أساسية لإعادة الكرامة والعدالة لمن قضين حياتهن في بناء أسرهن ودعم شركاء حياتهن دون مقابل.

