الخياطة التجميلية بالليزر.. كيف تبتلع الإعلانات المضللة أجساد النساء وأموالهن؟

شارك المقال

بشرى الغيلي ـ نسوان فويس

تجد كثير من النساء أنفسهن في عصر وسائل التواصل والتدفق المعلوماتي، محاصرات بإعلانات طبية تعد بولادة “خالية من الألم” وندبات تختفي بلمسة “ليزر”. غير أن هذه الوعود البراقة التي تروّج لها بعض العيادات والمستشفيات، تخفي وراءها واقعاً مختلفاً، حيث يتحوّل التسويق الطبي إلى فخ تجاري يستنزف جيوب الأمهات ويعرض صحتهن لمخاطر غير محسوبة.

 

هند: الأدهى أني اكتشفت أن من قامت بإجراء العملية قابلة، وليست طبيبة مختصة، فكان هذا الاكتشاف ضربة قاصمة، أًضيفت إلى قائمة الاستنزاف المادي الذي تعرضت له خلال خوضي لهذه التجربة، إذ أخذوا مني مبلغاً دون أي فائدة تذكر، علاوة على الخسائر هنا وهناك دون فائدة تُذكر

​الإعلان التجميلي كفخ للنساء

تكشف تجربة “هند” (اسم مستعار) عن فخاخ المنشآت الطبية التي تصطاد ضحاياها عبر منصات الدعاية المضللة، مستغلة حلم النساء بولادة ورعاية مثالية.

بدأت فصول القصة حين وقع نظرها على إعلان ترويجي بدى مغريًا، تتحدث عنه قائلةً: “قبل ستة شهور قرأت عرضًا في أحد المراكز الطبية عن وجود عمليات قيصرية تجميلية لولادتي الأولى”.

​لم تكن تعلم هند أن تلك الوعود البراقة ستتحول إلى خيبة أمل مريرة، إذ اصطدمت بواقع مغاير تمامًا لما رُوج له.

تصف النتيجة بأسى لـ “نسوان فويس”: “لم تنجح العملية، ولم تكن كما تم الإعلان عنها، بل فشلت ولا علاقة لها بالتجميل لا من قريب أو بعيد”.

​وتتصاعد وتيرة الكارثة حين تكشّفت لها الحقيقة الصادمة التي تتجاوز الفشل التجميلي إلى العبث الطبي، وهو ما عبّرت عنه بذهول: “الأدهى أني اكتشفت أن من قامت بإجراء العملية قابلة، وليست طبيبة مختصة، فكان هذا الاكتشاف ضربة قاصمة، أُضيفت إلى قائمة الاستنزاف المادي الذي تعرضت له خلال خوضي لهذه التجربة، إذ أخذوا مني مبلغًا دون أي فائدة تذكر، علاوة على الخسائر هنا وهناك دون فائدة تُذكر”.

ضحايا كُثر.. فخ واحد

​لم تقتصر شباك هذا الاستغلال التجاري على “هند” وحدها، بل امتدت لتوقع بشقيقتها في فخ تضليل مشابه، بما يثبت أن ما يجري ليس خطًأ فرديًا بل استنزافًا ممنهجًا، فقد انساقت شقيقتها خلف الإعلانات ذاتها لإجراء عملية (رفع المهبل)، ودفعت مقابلها مبلغاً مالياً كبيراً طمعاً في نتيجة طبية مضمونة، لكن الوهم سرعان ما تبدد؛ فبعد ستة أشهر من المعاناة، اكتشفت الشقيقة أنها وقعت ضحية لتدخل طبي فاشل وعملية تجارية بحتة، ما كلفها ثمناً باهظاً من صحتها ومالها، واضطرها في النهاية للخضوع لمشرط الجراحة مجددًا وإعادة العملية لتدارك العبث الذي لحق بها.

العواضي: لا يوجد شيء اسمه فتح بطن بالليزر، العملية القيصرية هي عملية كبرى تتم إما بالمشرط الطبي العادي أو (بالكاوية) لتقليل نزيف الدم، أما الليزر فاستخداماته سطحية للجلد فقط ولا علاقة له بشق طبقات البطن وإخراج طفل

الطب مقابل الخياطة بالليزر

في سياق البحث عن الحقيقة الطبية المجردة بعيدًا عن ضجيج الإعلانات، تضع الدكتورة رندا العواضي حدًا لهذا الجدل، نافية بشكل قاطع وجود ما يسمى طبيًا بـ “الخياطة التجميلية بالليزر”، واصفة الأمر بأنه مجرد (كذبة أبريل) يتم الترويج لها لاستغلال جهل البعض بالتفاصيل الطبية.

وتضيف العواضي: “لا يوجد شيء اسمه فتح بطن بالليزر، العملية القيصرية هي عملية كبرى تتم إما بالمشرط الطبي العادي أو (بالكاوية) لتقليل نزيف الدم، أما الليزر فاستخداماته سطحية للجلد فقط ولا علاقة له بشق طبقات البطن وإخراج طفل”.

وتحذر العواضي من الانسياق خلف مشاهير السوشيال ميديا والدخلاء على الطب الذين يروجون لهذه الأوهام، مشيرة إلى أن “هناك تزييفًا للحقائق العلمية بأسلوب شيق يستسلم له المتلقي رغم أنه يخالف الطب والعلم 180 درجة”.

​وحول هوس “الخياطة التجميلية”، تصحح العواضي المفهوم المغلوط لدى النساء بالقول: “التجميل لا يعني فقط نوع الخيط (كبس أو سحري)، بل أن يلتئم الجرح وشكله جميل ومخفي. وفي حالات طبية معينة (كالسمنة أو السكري) نفضل الخياطة العادية لضمان سلامة الأم ومنع المضاعفات، وهو في النهاية تجميل أيضاً”.

​وتختتم حديثها بالإشارة إلى الاستغلال المتمثل في هذه العروض: “يستغلون قهر النساء وهوسهن بالجمال والعودة كما كنّ قبل الولادة، إذ يتم إيهامهن بالليزر وبأسعار مغرية، بينما هي في النهاية عملية فتح بطن تقليدية، وهذا تضليل صريح”.

انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook KL
انفوجراف للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook KL

​مشرط تحت الطلب التجاري

​للوقوف على حقيقة ما يجري خلف أبواب العيادات والمستشفيات، والانتقال من شهادات الضحايا إلى التوثيق الميداني الملموس، كان لابد من اختبار مدى التزام المنظومة الصحية بالمعايير الطبية في مواجهة الدوافع الربحية.

اعتمدنا في منصة “نسوان فويس” تقنية “التخفي” لجمع الأدلة؛ حيث تقمصتُ الكاتبة دور “مريضة” تبحث عن إجراء عملية قيصرية مقترنة بـ “خياطة تجميلية” دون تقديم أي مبرر طبي يستدعي ذلك.

​شملت عينة التحقق العشوائية ست جهات طبية في العاصمة؛ تضمنت التواصل هاتفياً مع طبيبتين تنشطان في الترويج لخدماتهما عبر الإعلانات المباشرة، بالإضافة إلى أقسام النساء والولادة في أربعة مستشفيات خاصة بارزة.

​لم تواجه طلباتنا الوهمية أي عوائق، وغابت تمامًا الاستفسارات البديهية من قِبل الكوادر الطبية حول “الضرورة الصحية” أو “الدواعي الطبية” التي تستوجب هذا التدخل الجراحي المزدوج. بدلاً من ذلك، جاءت الردود من الجهات الست متطابقة بشكل يكشف حجم الخلل؛ إذ تم التأكيد الفوري على توفر “العملية القيصرية والخياطة التجميلية” كخدمة متاحة عند الطلب.

​انحرف مسار المكالمات سريعاً نحو الجانب التجاري والمساومة المالية، لتتطابق الخلاصة في ردود صريحة ومبطنة مفادها: “الخدمة موجودة.. تفضلوا بزيارتنا وسهل نتفق على السعر…!”. ما يُثبت تقاطعًا واضحًا بين غياب الرقابة الصارمة وتسليع صحة النساء، حيث تحولت الإجراءات الجراحية الحساسة إلى عروض تجارية بحتة تخضع لقاعدة (الدفع مقابل الخدمة)، متجاوزةً بذلك أخلاقيات المهنة وبروتوكولات الرعاية الصحية التي تفرض التقييم الطبي الدقيق قبل المشرط.

​الخبرة في مواجهة التسليع

في هذا الصدد يُعري الطبيب، وهيب الماهوب، ممارسات تسليع الطب في صنعاء، مؤكداً في حيث لـ”نسوان فويس” أن مصطلح “الخياطة التجميلية بالليزر” ليس سوى خديعة تسويقية لرفع الفاتورة، إذ لا يُستخدم الليزر إطلاقاً لشق أو إغلاق جدار البطن.

​موضحًا أن ما يُباع للمريضات كـخياطة تجميلية بتكلفة إضافية (تقفز بسعر العملية من 250 ألفاً نحو 500$ إلى نحو 500 ألف يمني 1000$ ريال يمني)، هو في الواقع (الخياطة المخفية) التي تُمثل المعيار القياسي العالمي (Standard of Care) المُلزم لإغلاق الجروح، وليست ميزة تجميلية استثنائية تُباع بشكل منفصل.

​وتكتمل حلقة (التغرير) – بحسب الماهوب – ببيع المستشفيات (وهمًا) بنتيجة مثالية لبطن بلا ندبات، متجاهلة حقيقة علمية مفادها أن 80% من شكل الندبة يعتمد على التفاعل الجيني لجسم المريضة ولاحقًا، حين تشتكي المريضة من بقاء أثر الجرح رغم دفعها مبالغ طائلة، يتذرع المستشفى بـ “طبيعة جسمها”؛ مستخدمًا هذه الحقيقة العلمية كغطاء للتهرب من المساءلة عن الخديعة المالية التي سبقت العملية.

مطرقة القانون المسؤولية التضامنية

​توضح المحامية، وسيلة سعيد الشرعبي، في حديث لـ”نسوان فويس” أن وقائع الترويج لعمليات الولادة القيصرية بالليزر كإجراءات (تجميلية) وتقاضي مبالغ إضافية مقابل تنفيذ خياطة تقليدية، تخضع لثلاثة مسارات قانونية مترابطة مدنياً، يتحول التزام الطبيب من بذل عناية إلى تحقيق نتيجة بمجرد الاتفاق وتحصيل أجر إضافي.

ويُعد إيهام المريضة وعدم التنفيذ إخلالاً بالعقد وتغريرًا يوجب التعويض لجبر الضرر وجنائيًا، يمثل الترويج لخدمة وهمية للاستيلاء على أموال المرضى جريمة نصب واحتيال مكتملة الأركان وفقًا لنصوص قانون الجرائم والعقوبات اليمني رقم (12) لسنة 1994 أما مهنيًا، فيُعد الإجراء مخالفة جسيمة لقانون مزاولة المهن الطبية تستوجب التحقيق أمام المجلس الطبي الأعلى.

وتؤكد الشرعبي أن هذه الوقائع تفرض مسؤولية تضامنية؛ حيث تتحمل إدارة المستشفى المسؤولية المدنية والجنائية الأكبر بصفتها المتبوع الذي روج وحصّل الفارق المالي، في حين يتحمل الطبيب الجراح المسؤولية المهنية، إذ يُعد صمته وتوقيعه على تقارير لخدمات لم تُنفذ شراكةً في التغرير ومخالفةً لأخلاقيات المهنة.

​يكشف تقصي منصة “نسوان فويس” كيف تحولت أجساد النساء إلى ضحية مباشرة لفخاخ الإعلانات المضللة؟ فالانسياق خلف أكذوبة (الخياطة التجميلية بالليزر) لا يستنزف الجيوب فحسب، بل يترك ندبات جسدية ونفسية عميقة.

مقالات اخرى