سميرة عبداللطيف – نسوان فويس
“نزلتُ إلى الميدان بشغف، وعدتُ منه بقرار التوقف أكثر من مرة.. ومع ذلك ما زلتُ أدفع بنفسي هنا وهناك لعلّي أجد فرصة مناسبة تستحقني“. بهذه الكلمات المليئة بالخيبة، تُلخص الصحفية اليمنية إبرار مصطفى واقعاً مؤلمًا تعيشه المراسلات الميدانيات في اليمن.
ففي الوقت الذي تضج فيه شوارع المدن اليمنية بالأحداث المتسارعة، تنسحب بعض الوجوه الإعلامية النسائية من المشهد بصمت، خلف هذا الانسحاب لا توجد استراحة محارب، بل خيبات متراكمة جعلت من المهنة عبئاً يثقل كاهل المراسلات الشابات حتى قبل أن يبدأن مسيرتهن.
لم تكن مخاطر القصف أو الاعتقال هي العائق الوحيد أمام إبرار، بل كانت نظرة المجتمع هي الجدار الأكثر صلابة، حيث تروي لـ “نسوان فويس” تجربتها قائلة: “في كل مرة أحمل فيها الميكروفون، أشعر أنني تحت المجهر؛ لستُ صحفية تنقل الحقيقة بل امرأة تكسر عُرف المجتمع”.
إلا أن إبرار، وفي فيديو خاص لـ “نسوان فويس”، تؤكد أن الإصرار على صناعة مساحة لصوت نسائي في قلب الحدث هو نقطة الضوء التي تقاوم هذه العتمة رغم كل التحديات.
دور المؤسسات الإعلامية.. مسؤولية تتجاوز التغطية
لكن قصة إبرار ليست مجرد حالة فردية، بل هي انعكاس لمناخ إعلامي طارد وصفتْه لغة الأرقام بالقاتم. وفي هذا السياق، تؤكد رئيسة مؤسسة قرار للإعلام والتنمية، قبول العبسي، أن واقع الصحفيات في اليمن يعكس فجوة حقيقية بين الطموح المهني والبيئة الحاضنة للعمل الإعلامي.
عبير: المراسلة لا تواجه الحدث فقط، بل تواجه أحياناً نظرة التشكيك بقدراتها ومحاولات التقليل من مهنيتها لكونها امرأة. لكن وجود المرأة في الميدان يمنح القضايا الإنسانية وقضايا النساء بتحديد صوتًا أكثر قربًا من الواقع
وفي تصريح لـ “نسوان فويس”، توضح العبسي أن تذيل اليمن لقائمة حرية الصحافة عالميًا، حيث يحتل المرتبة 169 من أصل 180 دولة وفقاً لتقرير مراسلون بلا حدود لعام 2024، يجعل منه إحدى أسوأ البيئات الإعلامية عالمياً. وتؤكد أن هذا التدهور ينعكس بشكل مضاعف على الصحفيات والمراسلات الميدانيات؛ بفعل تعقيدات الحرب، الانقسام السياسي، وانحسار الحريات، ناهيك عن العنف القائم على النوع الاجتماعي، مما حوّل العمل الصحفي من مجرد ممارسة مهنية إلى “مخاطرة يومية” محفوفة بالتهديدات.
في هذا المقطع الصوتي تشارك قبول العبسي منصة “نسوان فويس” التحديات البيئية والمؤسسية التي تواجه الصحفيات والمراسلات الميدانيات في اليمن:
عقد من الصمود
في المقابل، تبرز تجربة المراسلة عبير عبدالله في مدينة تعز كنموذج للصمود المهني. بخبرة تتجاوز عشر سنوات، استطاعت عبير أن تحجز لنفسها حضوراً لافتاً في المشهد الإعلامي المحلي عبر قناة “اليمن الفضائية”، واليوم تؤكد حضورها دولياً من خلال قناة “DW” الألمانية.
تقول عبير لـ “نسوان فويس”: “المراسلة لا تواجه الحدث فقط، بل تواجه أحياناً نظرة التشكيك بقدراتها ومحاولات التقليل من مهنيتها لكونها امرأة. لكن وجود المرأة في الميدان يمنح القضايا الإنسانية وقضايا النساء بتحديد صوتًا أكثر قربًا من الواقع”.
لم يكن شغف عبير وليد اللحظة، بل هو حلم طفولة بدأ في السابعة من عمرها، وحملته معها حتى لامست واقع المهنة. لكن هذا الحلم اصطدم بواقع مدينة تعز التي كانت تغلي على صفيح ساخن؛ حيث تحول العمل الميداني في مدينة مشتعلة إلى معركة يومية، ليس فقط للبقاء على قيد الحياة، بل لإثبات الأهلية المهنية.
تروي عبير تحدياتها قائلة: “في تلك الظروف، كان مجرد الخروج من التغطية بخير يُعد إنجازاً، ومع ذلك واجهتُ الإقصاء؛ فالمصورون كانوا يرفضون مرافقتي في التغطيات الميدانية بحجة أنني فتاة، مقترحين أن أكتفي بالعمل المكتبي من المنزل بينما يتولون هم المهام الميدانية الحربية بحجة استخدام سيارات الجيش”.
ولا تتوقف العوائق عند حدود النظرة المجتمعية، بل تمتد لتشمل الهشاشة الوظيفية؛ إذ تضيف عبير أن العمل بشكل مستقل (Freelance) دون عقود قانونية خلق حالة من عدم الاستقرار المالي، بالإضافة إلى رفض المؤسسات للمقترحات الصحفية لتغطية المناطق البعيدة بسبب تكلفتها الباهظة، مما ساهم في تحييد الصحفيات وحصر دورهن في مساحات ضيقة لا تتناسب مع طموحهن.
القصور التشريعي
تؤكد الحقوقية غزة السامعي أن واقع الصحافة في اليمن يعيش ثنائية صارخة؛ فبينما تبدو النصوص القانونية منصفة في ظاهرها النظري، يصطدم الواقع بقصور تشريعي حاد وانتهاكات ممنهجة.
وتضيف: قانون الصحافة والمطبوعات لعام 1990 لم يعد قادراً على إنصاف الصحفيات عملياً، حيث يعاني من قصور مركّب: زمني، لغوي، وموضوعي.
وتوضح السامعي أن أولى علامات هذا القصور تبدأ من اللغة الإقصائية للقانون التي تُعرف الصحفي بصيغة المذكر فقط، مما يخلق فراغًا قانونيًا عند معالجة القضايا النوعية للنساء، وصولًا إلى عجزه عن مواكبة التطورات الراهنة وانهيار الضمانات القضائية التي تحولت في كثير من الأحيان إلى أدوات قمع بدلًا من الحماية.
انفوجراف مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook KL من تقرير نقابة الصحفيين اليمنيين عن “الصحفيات اليمنيات الأكثر تأثرا بالحرب والصراعات”
تشير الأرقام الصادمة لعام 2025 إلى فجوة مرعبة بين النص والتطبيق؛ حيث وثقت نقابة الصحفيين اليمنيين 127 انتهاكاً، شملت (16 حالة قتل، 31 حالة حجز حرية، 24 محاكمة جائرة، و19 حالة قطع رواتب).
وفي ظل هذا الانهيار، تواجه الصحفيات تحديات مضاعفة تبدأ من الهشاشة الوظيفية وغياب العقود العادلة، وصولاً إلى حملات التحريض الشخصي الممنهجة – كما حدث مؤخراً مع الصحفية عهد ياسين – مما يكشف عن انعدام تام للحماية القانونية والمهنية.
لا تبدو قصة المراسلات الميدانيات في اليمن مجرد حكاية عن نقل الخبر، بل هي معركة يومية لإثبات الوجود في بيئة تحاول إقصاء الصوت النسائي تارة بقوة السلاح، وتارة بسطوة العُرف، وأخرى بقصور القوانين. ولعل وجود هؤلاء المراسلات في الميدان هو الضمانة الوحيدة لعدم تغييب الحقيقة أو اختزالها في سردية ناقصة.

