دولة الحصباني – نسوان فويس
لم يكن مشروع “أم سمير” مجرد عمل تجاري لبيع البخور والمخمريات في مدينة المكلا بمحافظة حضرموت، بل امتداداً طبيعياً لذاكرة عطرية قديمة نشأت معها وكبرت في تفاصيل حياتها اليومية، وهي التي لا تنظر إلى الروائح الشرقية بوصفها سلعة فحسب، بل باعتبارها جزءاً من الهوية الحضرمية التي تسكن البيوت والمناسبات واللحظات الخاصة الحضرمية.
تتحدث أم سمير لـ”نسوان فويس” عن هذه التجربة الفارقة، بالقول أنها لم تولد فجأة، بل جاءت كنتيجة ارتباط شخصي عميق لها، بعالم العطور الشرقية: “فكرة مشروع البخور والمخمريات جاءت من ارتباطي الشخصي بالروائح الشرقية والعادات الحضرمية القديمة، فالبخور والمخمريات جزء أساسي في بيوتنا ومناسباتنا اليومية “.
لاحظت أن الناس في المكلا تحب الروائح الهادئة والفاخرة، لكن الخيارات المحلية كانت محدودة وغالبا غير متخصصة، وكأنها تُقدّم بطريقة عشوائية، عند هذه النقطة تحديداً بدأت ملامح الفكرة تتضح في ذهني؛ مشروع صغير، لكنه قائم على اختيار دقيق وجودة عالية ولمسة محلية تعبّر عن روح المكان وترضي احتياجات المستهلك المحلي
استشراف متطلبات الجمهور
ارتباط وجداني لا يتوقف عند ميولها الشخصية وحسب، بل يتوسع ليتحول لنافذة تراقب من خلالها ذائقة المجتمع من حولها، ومفضلاته بحكم التجربة والمراس مراراً، ومن خلال هذه الملاحظة اليومية، أدركت أن أهالي المكلا يميلون إلى الروائح الهادئة والفاخرة ذات الجودة العالية، لكنها في المقابل وجدت أن السوق المحلي لا يلبي هذا التوجه بالشكل المطلوب.
وتشرح أم سمير ذلك بقولها: “لاحظت أن الناس في المكلا تحب الروائح الهادئة والفاخرة، لكن الخيارات المحلية كانت محدودة وغالبا غير متخصصة، وكأنها تُقدّم بطريقة عشوائية، عند هذه النقطة تحديداً بدأت ملامح الفكرة تتضح في ذهني؛ مشروع صغير، لكنه قائم على اختيار دقيق وجودة عالية ولمسة محلية تعبّر عن روح المكان وترضي احتياجات المستهلك المحلي”.

الخروج بالمشروع للنور
تستعيد أم سمير ساعة ولادة مشروعها، وخروجه للنور قائلة: “من هنا جاءت الفكرة بإنشاء كشك بسيط يقدم بخور ومخمريات مختارة بعناية وجودة عالية ولمسة محلية تناسب ذوق أهل المكلا وتعبّر عن هويتهم”. هكذا لم يكن المشروع وليد لحظة عابرة، بل نتيجة تفاعل طويل مع البيئة الاجتماعية والثقافية المحيطة بها.
انطلقت أم سمير نحو تنفيذ فكرتها برأس مال صغير، وبسيط ، وبكثير من الشغف والإيمان بالفكرة.
تقول في هذا السياق: “بدأت بشغف كبير، وحرصت من البداية أن يكون الكشك مكانا يثق فيه الزبون ويشعر عند زيارته بالرائحة، وأنه متصل حكاية من تراثنا”.
بالنسبة لأم سمير، لم يكن الهدف مقتصر على بيع المنتج، بل يمتد لخلق تجربة حسية تحمل ذاكرة المكان وتمنح الزبون إحساساً بأن كل عطر مصنوع له خصيصاً، وكل رائحة تحمل حكاية حضرمية أصيلة .

تحديات على الطريق
وكأي بداية، واجهت أم سمير صعوبات لم تكن قليلة، خاصة في مسألة التوريد واختيار الخلطات المناسبة، إلى جانب محدودية رأس المال في المراحل الأولى، فضلاً عن التحدي الأهم وهو كسب ثقة الزبائن في مشروع جديد غير معروف بعد في السوق. “الصعوبات التي واجهتها في البداية كانت التوريد، واختيار الخلطات المناسبة، إضافة إلى محدودية الدخل أو رأس المال، وكذلك تحدي كسب ثقة الزبائن في كشك جديد غير معروف، وبضاعة ليست مجربة”، تقول أم سمير.
تحديات جمة، لكنها لم تكن نهاية للطريق الذي ابتدأته أم سمير بطموح وتطلع منقطع النظير، بل شكلت بداية للتعلم الحقيقي،إذ تعاملت معها بالصبر والتجربة المستمرة، لتكتشفت أن الاستمرارية هي المفتاح الفعلي للنجاح: “تغلبت على هذه الصعوبات بالصبر، وحرصت على تجربة أكثر من نوع بخور ومخمريات بنفسي، والاستماع لملاحظات الزبائن لتطوير المنتج” تؤكد أم سمير.
ومع مرور الوقت، بدأت نتائج هذا النهج تظهر بوضوح، حيث تقول: “مع الوقت بدأت الثقة تكبر والطلب يزيد، وهذا شجعني على الاستمرار وتطوير المشروع”.
ملخص مرئي قصير للمادة المكتوبة مولد بالذكاء الاصطناعي بواسطة Notebook KLM
الحرص على التميز
وترى أم سمير أن ما يميز منتجاتها ليس الإنتاج والتوافر بحد ذاته، بل الجودة والعلامة المميزة والنهج الذي تتبعه في اختيار الروائح المطلوبة، فهي تؤمن أن البخور والمخمريات يجب أن تعكس رقي الذوق المحلي وخصوصية البيئة الحضرمية، لا أن تكون منتجات عشوائية بلا هوية “ما يميز منتجاتنا هو التركيز على الجودة والاختيار الدقيق جدا للروائح، والحرص على أن تكون روائح راقية تناسب الذوق المحلي في المكلا”.
كما تشدد على منهجها في الاختيار بقولها: “لا أقدم منتجات عشوائية، بل اختار كل صنف بعناية بعد التجربة، خصوصا تلك الروائح المبتكرة ،وغير المنتشرة بكثرة في السوق”.
ومن هذا الحرص على التميز، اتخذت أم سمير قراراً بالاستيراد من سلطنة عُمان، نظراً لتوافر مواد خام بجودة عالية وخبرة طويلة في صناعة البخور والعطور الطبيعية، وهو ما تراه متوافقاً مع الذوق الحضرمي: “اخترت الاستيراد من سلطنة عمان لأنها مشهورة بجودة المواد الخام العالية للمواد المستخدمة في صناعة البخور والعطور، إضافة لخبرتهم الطويلة في توفير مواد مطلوبة في السوق المحلية العمانية والحضرمية على حد سواء “.
وقد ساعدها هذا الخيار – كما تؤكد – على تقديم منتجات موثوقة تجمع بين الفخامة والتراث في آن واحد.
أتعامل مع ملاحظات الزبائن بتفهم واحترام كبير، لأن رأي الزبون مهم جدا بالنسبة لأي مشروع يريد أن يتطور ، إلى جانب الشفافية والوضوح في توضيح السعر، وتوضيح أسباب أرتفاعه المرتبطة بجودة المنتجات وفارق الاستيراد وفي نفس الوقت أقدم خيارات بديلة تناسب مختلف دخول الناس مع الموازنة بين الجودة والسعر، وحتى يقتنع الزبون أن السعر عادل مقابل الجودة ، وبالتالي يعود مرة أخرى

ملاحظات المستهلكين للتطوير
وفي تعاملها مع الزبائن، تضع أم سمير ملاحظاتهم في صميم تطوير المشروع، معتبرة أن رأي الزبون هو البوصلة الحقيقية لأي نجاح: “أتعامل مع ملاحظات الزبائن بتفهم واحترام كبير، لأن رأي الزبون مهم جدا بالنسبة لأي مشروع يريد أن يتطور ، إلى جانب الشفافية والوضوح في توضيح السعر، وتوضيح أسباب أرتفاعه المرتبطة بجودة المنتجات وفارق الاستيراد وفي نفس الوقت أقدم خيارات بديلة تناسب مختلف دخول الناس مع الموازنة بين الجودة والسعر، وحتى يقتنع الزبون أن السعر عادل مقابل الجودة ، وبالتالي يعود مرة أخرى”.
في بدايات المشروع، خاضت أم سمير تجربة الترويج والتسويق لمنتجاتها ، عبر التنقل بين المواقع وصفحات التواصل الاجتماعي ، وهي مرحلة وصفتها بالمرهقة وغير المستقرة رغم ضرورتها وأهميتها للوصول للمستهلكين حد تعبيرها: “الاستقرار في مكان ثابت بعد تجارب التنقل ،كان مرحلة جديدة من الثقة والنمو، لأن التنقل كان ضروريا للتعريف بالمشروع لكنه كان مرهقا وغير مستقر”.
واليوم، يمنحها الموقع الثابت – كما تضيف – فرصة لبناء علاقة دائمة مع الزبائن وتنظيم العمل بشكل أفضل.
هذا الاستقرار لم يكن مجرد خطوة عملية، بل تعبيراً عن إيمانها العميق بالمشروع ورغبتها في تطويره تدريجياً ليصبح علامة تجارية معروفة في المكلا. معبرةً عن طموحاتها : “طموحي في الفترة القادمة هو تطوير المشروع بشكل تدريجي ومدروس، من خلال توسيع تشكيلة البخور والمخمريات وتقديم خلطات خاصة تحمل اسم المشروع وتكون مميزة”.
كما تؤكد أن تحسين شكل الكشك وتوسيعه سيمنح الزبائن تجربة أفضل ويساعد على توسيع قاعدة العملاء على أساس الجودة والثقة على المدى البعيد.
وفي رسالتها لكل امرأة تفكر في بدء مشروعها الخاص، تختصر أم سمير تجربتها بقولها: “رسالتي لكل امرأة أن تؤمن بنفسها وفكرتها حتى لو كانت البداية صغيرة، ولا تنتظر الكمال أو الوقت المثالي، فكل بداية تحمل تحديات لكن التعلم يأتي مع التجربة”.
وتضيف: “لا تخافي من الخطأ أو كلام الناس، وانطلقي بما تمتلكين اليوم واطلبي الدعم وتعلمي باستمرار، فالمشروع ليس مصدر دخل فقط بل وسيلة لإثبات الذات والاستقلال”.

