إكرام فرج – نسوان فويس
لم تكن أم محمد (اسم مستعار) تدرك أن تأخر طفلها في الكلام وتجنبه التواصل مع الآخرين قد يكون مؤشراً على اضطراب طيف التوحد.
كانت تظن أن طفلها هادئ بطبعه كما كان يردد بعض الأقارب، حتى بلغ السادسة من عمره دون أن يتمكن من التفاعل مع الأطفال أو التعبير عن احتياجاته بوضوح.
تعيش أم محمد في مدينة الشحر بمحافظة حضرموت وقد تغيرت حياتها بشكل كبير بعد وفاة زوجها قبل عامين، لتجد نفسها مسؤولة عن إعالة أسرتها إلى جانب ابنها الأكبر ورعاية طفلها الذي اكتشفت إصابته باضطراب طيف التوحد في مرحلة متأخرة.
تقول الأم إن رحلة البحث عن التشخيص بدأت بعد أن لاحظ معلم في الروضة صعوبة اندماج طفلها مع بقية الأطفال وبعد مراجعات طويلة، حصلت الأسرة أخيراً على تشخيص للحالة، لكن التحديات الحقيقية بدأت بعد ذلك.
وتضيف:” أريد فقط أن أجد مكاناً يساعد ابني على التعلم والاندماج في المدرسة”، مشيرة إلى أن تكاليف جلسات التأهيل والسفر إلى المراكز المتخصصة تشكل عبئاً كبيراً عليها في ظل الظروف المعيشية الصعبة.
لا توجد احصائيات مؤكدة بعدد المصابين بالتوحد في اليمن، إلا أن تقديرات منظمة الصحة العالمية تشير في عام 2021 إلى أن شخصا واحدا من كل 127 شخصا مصابٌ بالتوحد
نقص المراكز المتخصصة
تتكرر قصة أم محمد مع كثير من الأسر في اليمن، حيث تعاني خدمات تشخيص وتأهيل الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد من نقص واضح في المراكز المتخصصة.
وتوضح عبير عبد الرحمن خرد المدير الفني لمؤسسة حضرموت للتوحد وأخصائية التربية الخاصة، أن المؤسسة تمتلك فريقاً مؤهلاً للتشخيص والتقييم يعمل وفق برامج تدريبية متخصصة بإشراف خبراء في التربية الخاصة.
وتقول إن الفريق يقوم بتقييم الأطفال عبر ملاحظة دقيقة تستمر عادة ما بين أسبوع وأسبوعين، يتم خلالها تشخيص الحالة ووضع البرنامج التأهيلي المناسب لكل طفل.
وتشير إلى أن بعض الحالات التي تصل إلى المؤسسة تكون قد تلقت تشخيصاً غير دقيق في السابق، ما يضطر المختصين إلى إعادة التقييم وتصحيح التشخيص قبل بدء برامج التأهيل.

مراكز محدودة واحتياج متزايد
في محافظة حضرموت، توجد مؤسسة حضرموت للتوحد في مدينة المكلا، إضافة إلى مركز حكومي افتتح حديثاً وبعض المراكز الصغيرة في مناطق مثل الشحر والغيل والريدة والديس الشرقية، إلى جانب مركز في محافظة المهرة.
لكن هذه المراكز بحسب خرد، لا تكفي لتغطية الاحتياج المتزايد، خاصة مع تزايد حالات التشخيص خلال السنوات الأخيرة.
وتوضح أن الأطفال المصابين بالتوحد يحتاجون إلى برامج تأهيل متعددة تشمل جلسات التخاطب والتكامل الحسي وتنمية المهارات والعلاج الحركي وتعديل السلوك، وهي خدمات تتطلب عدد كبير من المختصين وإمكانات تشغيلية مرتفعة.
لا توجد احصائيات مؤكدة بعدد المصابين بالتوحد في اليمن، إلا أن تقديرات منظمة الصحة العالمية تشير في عام 2021 إلى أن شخصا واحدا من كل 127 شخصا مصابٌ بالتوحد.
تحديات تشغيلية كبيرة
تؤكد خرد أن أكبر التحديات التي تواجه المراكز المتخصصة تتمثل في ضعف الموارد المالية، إذ تحتاج هذه المراكز إلى مباني مؤهلة ومساحات واسعة للأنشطة الحركية واللعب، إضافة إلى وسائل تعليمية وألعاب تدريبية تساعد الأطفال على التركيز والتعلم.
كما تبرز الحاجة إلى إنشاء أقسام للتأهيل المهني للأطفال الذين لا يستطيعون الالتحاق بالمدارس العامة، حتى يتمكنوا لاحقاً من تعلم بعض الحرف التي تناسب قدراتهم.

غياب الدعم الحكومي
ورغم تزايد الحاجة إلى هذه الخدمات تشير خرد إلى غياب البرامج الحكومية المتخصصة لدعم تعليم الأطفال المصابين باضطراب طيف التوحد، خاصة في مدارس الدمج.
وتقول إن هؤلاء الأطفال غالباً ما يدرسون نفس المناهج التعليمية المخصصة لبقية الطلاب، الأمر الذي يشكل ضغطاً كبيراً عليهم وعلى أسرهم، مؤكدة الحاجة إلى مناهج تعليمية مخففة تتناسب مع قدراتهم.
كما أن الحرب والأوضاع الاقتصادية أثرت بشكل مباشر على خدمات التأهيل، سواء بسبب ارتفاع أسعار الأدوية التي يحتاجها بعض الأطفال أو نتيجة توقف العمل في بعض الفترات بسبب الظروف الأمنية.
لا تقف معاناة أطفال التوحد عند حدود التعليم والتأهيل، بل تمتد لتطال جوهر حقوقهم الإنسانية؛ فمن حق كل شخص، بمن فيهم المصابون بالتوحد، التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والنفسية كحقٍ أصيل لا يقبل التجزيء
مبادرات محدودة
إلى جانب المراكز المتخصصة تظهر أحياناً مبادرات فردية من فاعلي الخير أو فرق تطوعية تنظم أنشطة ترفيهية للأطفال، لكنها تظل جهوداً محدودة وغير مستدامة.
وترى خرد أن استمرار هذه المبادرات يتطلب دعماً أكبر من الجهات الحكومية والمنظمات المحلية والدولية، حتى تتمكن من التوسع وتقديم خدمات أكثر للأطفال وأسرهم.
ورغم التحديات، تمكنت مؤسسة حضرموت للتوحد من تخريج أكثر من تسعين طفلاً خلال السنوات الماضية، حيث تمكن بعضهم من الالتحاق بمدارس الدمج، فيما اتجه آخرون إلى برامج التأهيل المهني وتعلموا مهن بسيطة بمساعدة أسرهم.
كما عملت المؤسسة على تدريب فريق من الأخصائيين المحليين عبر دورات متخصصة أشرف عليها خبراء في التربية الخاصة.

عبء الرعاية على الأمهات
في ظل محدودية الخدمات المتاحة تتحمل الأمهات العبء الأكبر في رعاية الأطفال المصابين بالتوحد.
وتقول أم محمد إن المجتمع لا يزال يفتقر إلى الوعي الكافي بطبيعة هذا الاضطراب، ما يجعل بعض الأسر تواجه نظرة سلبية أو وصماً اجتماعياً.
كما تقول الأم بإن بعض الناس يعتقد أن الطفل غير متربي أو أن المشكلة في التربية مضيفة أن قلة الوعي تجعل رحلة الأمهات أكثر صعوبة.
لا تقف معاناة أطفال التوحد عند حدود التعليم والتأهيل، بل تمتد لتطال جوهر حقوقهم الإنسانية؛ فمن حق كل شخص، بمن فيهم المصابون بالتوحد، التمتع بأعلى مستوى يمكن بلوغه من الصحة البدنية والنفسية كحقٍ أصيل لا يقبل التجزيء.
ومع ذلك، يصطدم هذا الحق في الواقع اليمني بجدران الوصم والتمييز، التي تؤدي في كثير من الأحيان إلى حرمان مجحف من خدمات الرعاية الصحية والتعليم وفرص المشاركة المجتمعية.
وبحسب منظمة الصحة العالمية فإن المصابين بالتوحد يعانون من نفس المشاكل الصحية التي تواجه عامة السكان، لكنهم يحملون فوقها عبء احتياجاتٍ محددة تتعلق بالتوحد أو الاعتلالات المصاحبة له.
الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة للإصابة بأمراض مزمنة نتيجة عوامل خطر سلوكية، مثل قلة النشاط البدني أو النظم الغذائية السيئة، فضلاً عن كونهم الفئة الأكثر هشاشة وتعرضاً لمخاطر العنف، الإصابات، وإساءة المعاملة.
ويشكل غياب الرعاية المتكاملة تهديدًا يضعهم أمام خطر الوفاة المبكرة، وهي النتيجة الأقسى لإهمال مجتمعي ومؤسسي يبدأ بنقص التشخيص وينتهي بضياع الحق في الحياة.

