بشرى الغيلي ـ نسوان فويس
بصوت يملؤه الفزع، تصرخ “أروى” (24 عاماً) كلما مر عابر سبيل أو توقفت سيارة بالقرب من الرصيف: “يا ولد ردّ البردة.. يا ولد غلّق الباب”. ليست هذه توجيهات منزلية عادية، بل هي محاولات يائسة لستر عورة حياة كاملة تدور تفاصيلها داخل دكان تجاري صغير بجدران أسمنتية صماء في أحد أحياء العاصمة صنعاء، تحوّل بفعل الحرب والنزوح إلى منزل لأسرة مكونة من أربعة أفراد.

خلف هذا الباب الحديدي الثقيل، الذي صُمم ليحمي بضائع التجار ليلاً، تعيش أروى قصتها التي تختزل مأساة النزوح اليمني المركب، فالقصة هنا لا تتوقف عند برودة الأسمنت وضيق المكان، بل تتجاوزها لتلامس مأساة أسرة بأكملها؛ انضم طفلها “سند” لقائمة أكثر من 2.7 مليون طفل يمني خارج مقاعد الدراسة، فيما يرزح عائلها (الزوج) مريضاً خلف الجدران الضيقة، ووحدها تصارع الزمن لتوفر قوت يومهم..
حمام بلا باب.. وماء بـ (التوسل)
في مساحة خرسانية لا تتجاوز بضعة أمتار، وبإيجار شهري يبلغ 20 ألف ريال (حوالي 38$) تحاول أروى الشابة العشرينية أن تصنع حياة من العدم “تأقلمتُ غصباً عني”، تقول لـ “نسوان فويس”، وهي تشير إلى زاوية مقتطعة من الدكان تم تغطيتها بقطعة قماش لتعمل كـ(حمام).
تضيف بمرارة: “حمام بلا باب.. كلما أراد أحدنا استخدامه، يتوجب على البقية الانتظار بصمت أو الخروج”..
لا تتوقف المعاناة عند قضاء الحاجة، بل تمتد إلى شربة الماء، فالدكان يفتقر إلى أي تمديدات للمياه. تعتمد الأسرة بشكل كلي على (ماء السبيل). وفي الأيام التي تجف فيها الحنفيات، تضطر أروى لحمل (دبتها) وتطرق أبواب الجيران لتملأها، في رحلة يومية شاقة تريق فيها ماء وجهها قبل أن تروي عطش طفليها وزوجها المريض.

“سند”.. ضحية الرقم المليوني
الوجع الأكبر في “دكان أروى” ليس المكان، بل الساكن فيه؛ سند، الطفل الذي يحمل من اسمه نصيباً يفوق طاقة كتفيه الصغيرين، في الثالثة عشرة من عمره، كان يفترض به أن يكون على مقعد الصف السابع، لكنه انضم قسراً إلى طوابير المتسربين من التعليم، حاملاً على ظهره “شوالة” لجمع قناني المياه المعدنية الفارغة، وأكياس الطحين من القمامة.
تقول الأم والدموع تملأ محاجر عينيها: “أخرجته من المدرسة لأني لا أملك مصاريف دراسته، أصبح هو عائل الأسرة والسند، وتتابع: ” يبكي دائماً ويحز في نفسه أن يرى أقرانه بملابس المدرسة بينما هو خارج اسوارها، بملابس العمل الشاق”.

الأب “الطفل” والديون الرقمية
داخل الدكان، يجلس الزوج الذي يعاني من حالة نفسية متدهورة وأمراض قلبية مزمنة، كعبء عبء إضافي على كاهل طفل، وامرأة تبتكر أساليب عديدة للتعامل معه: “أعامله كأنه أحد أطفالي، كثيراً لا يعي ما يقول”.
يضطر الطفل سند أحياناً للعمل ساعات إضافية ليوفر ثمن “القات” لوالده، فقط ليشتري الهدوء والراحة، وتجنباً لنوبات صراخه بين الجدران الضيقة.
وتزيد رسائل “الواتساب” من حصار الأسرة، حيث تتحوّل شاشة هاتف أروى إلى سجل للمطالبات بالديون المتراكمة الخاصة بعلاجات الزوج، وهو ما يجعلها تعيش رعباً مضاعفاً مع كل رنة هاتف.

الشرفي: أخطر ما يواجه أطفال دكان أروى ومن على شاكلته، هو ذوبان الحدود بين الغرفة والشارع، الأمر الذي يعرّضهم لما يسميه “نضجاً مبكراً ومشوهاً”، واكتساب سلوكيات لا تتناسب مع أعمارهم نتيجة الاحتكاك العصبي وضيق المكان
سجن الإيجار.. وتحليل المختصين
تبلغ المأساة ذروتها حين يمارس المؤجر سلطته كـ”سجّان”، فيغلق القفل الحديدي الخارجي على الأسرة عند تأخر السداد، حابساً الأطفال ووالدهم المريض خلف الباب الموصد حتى يتم دفع الإيجار، وهو ما يضاعف الضغوط النفسية على الأسرة.
وفي قراءة نفسية لهذا الواقع، يرى الأخصائي النفسي محمد الشرفي في حديث لـ”نسوان فويس” أن السكن في الدكاكين يشكّل “بيئة ضاغطة للسلوك”، محذراً من أن أخطر ما يواجه أطفال دكان أروى ومن على شاكلته، هو ذوبان الحدود بين الغرفة والشارع، الأمر الذي يعرّضهم لما يسميه “نضجاً مبكراً ومشوهاً”، واكتساب سلوكيات لا تتناسب مع أعمارهم نتيجة الاحتكاك العصبي وضيق المكان.
أما اجتماعياً، فتشير الأخصائية الاجتماعية، ندى حيدر، إلى أن معاناة أروى تتضاعف لكونها امرأة شابة بلا حماية، موضحة: “تعيش أروى دور الأب والأم معاً، وتواجه أطماع بعض النفوس المريضة التي تستغل ضعفها وصغر سنها في ظل مرض الزوج، مما يجعل بحثها عن الأمان والاستقرار معركة يومية قاسية تفوق طاقتها”.

سكان الدكاكين.. طبقة الظل الجديدة
قصة “أروى” ليست استثناءً في مدينة تضيق بساكنيها، بل هي تجسيد حي لظاهرة النزوح الحضري الصامت التي تتمدد في أقبية المدن المزدحمة. ففي ظل غياب إحصائية رسمية تحصي أعداد هؤلاء الساكنين في الدكاكين، خلف هذه الأبواب الحديدية، تكفي نظرة واحدة إلى أرقام الكارثة الأكبر لتفسير وجود عائلة أروى هنا، فحين يعجز 85% من المحتاجين عن دفع إيجارات المساكن المهيأة للسكن، ويغرق 80% من الشعب تحت خط الفقر، تُصبح الدكاكين هي الحل الصفري لمعادلة البقاء الصعبة.
خلف ذلك الباب الحديدي الذي تغلقه أروى بإحكام، وكثير من الأبواب المماثلة، تكمن قصص لأناس كرام، لم يختاروا هذا الضيق رغبةً، بل لأن الزمن جار عليهم. كثيرٌ منهم -مثل عائلة أروى- كانوا يوماً يعيشون في سعة، لكن تقلبات الحرب ألجأتهم إلى هذه المساحات الخرسانية الضيقة.
تكمن خطورة ( بيوت الدكاكين) في أنها تعكس تحولاً في التقسيم الاجتماعي للطبقات، إذ أن غالبية هذه الفئة هم في الأصل موظفون وأناس مستورون ضاق بهم الحال وتقطعت بهم سبل العيش الكريم، في مؤشر مخيف على تلاشي الطبقة الوسطى تماماً، ودفع جيل كامل ليعيش محشوراً في زوايا تجارية مظلمة، بدلاً من البيوت المهيأة للعيش الآدمي التي تحفظ كرامة قاطنيها
ما تعيشه أروى ليس مجرد أزمة سكن عابرة، بل هو جرس إنذار يرصد تشكّل طبقة اجتماعية جديدة يطلق عليها المراقبون مجازاً سكان “الدكاكين”. وتكمن خطورة (بيوت الدكاكين) في أنها تعكس تحولاً في التقسيم الاجتماعي للطبقات، إذ أن غالبية هذه الفئة -كما هو حال أسرة أروى- هم في الأصل موظفون وأناس مستورون ضاق بهم الحال وتقطعت بهم سبل العيش الكريم، في مؤشر مخيف على تلاشي الطبقة الوسطى تماماً، ودفع جيل كامل ليعيش محشوراً في زوايا تجارية مظلمة، بدلاً من البيوت المهيأة للعيش الآدمي التي تحفظ كرامة قاطنيها.

أحلام “الخبزة اليابسة”
بينما كان طفلها الأصغر (9 سنوات) يسعل بشدة؛ بسبب برودة الأرضية الأسمنتية، اختصرت أروى أحلامها في جملة واحدة: “حلم عمري أن أمتلك بيتاً، حتى لو نأكل فيه خبزة يابسة، المهم أن نعتز من إهانة الإيجارات”.
تُسدل أروى الستار خلفنا، ويبقى الباب الحديدي موارباً كجرحٍ مفتوح في خاصرة المدينة. في هذا الحيّز الضيق تتلاشى الفوارق بين الليل والنهار، وبين المتجر والمنزل؛ فلا بضاعة هنا للعرض سوى الفقر، ولا زبائن سوى الخوف والديون.
إنها مملكة من إسمنت، تحكمها ملكة بلا عرش، ويدفع ثمن بقائها طفل يبيع طفولته في الشوارع، ليعود مساءً بفتات خبز… وقليل من الأمان المستعار.

