حين تتقاطع الجندرية مع اللون والمكانة الاجتماعية

شارك المقال

إكرام فرج – نسوان فويس

في أحد الأرصفة الداخلية لمدينة الشحر بمحافظة حضرموت، تجلس سعاد ذات التاسعة عشرة عاماً صباح كل يوم تراقب بصمت مجموعة من الفتيات وهن يعبرن الطريق بزيهن المدرسي، ثم تخفض عينيها قليلاً قبل أن تقول بصوت خافت: “كنت أحلم أن أكون مثلهن لكن الطريق إلى المدرسة لم يكن مفتوحاً لنا جميعاً”.

أما العمل فهو حلم آخر مؤجل، حاولت سعاد العمل في أحد المنازل القريبة من المخيم، لكنها تقول إن صاحبة المنزل رفضتها فور معرفتها بالمكان الذي تعيش فيه، وقالت لها: “أنتم ناس المخيم لا نعرف عنكم شيئاً”.

وُلدت سعاد في أسرة تنتمي إلى إحدى الفئات الاجتماعية المهمشة، ونزحت عائلتها من محافظة الحديدة قبل سنوات إلى مخيم الخزان بعد أن فقدت العائلة مصدر رزقها، ومنذ طفولتها أدركت أن حياتها لن تسير مثل بقية الفتيات في المدينة.

تقول: “كنا نشعر أننا مختلفون ليس لأننا فقراء فقط، بل لأن الناس تنظر إلينا كأننا أقل منهم”. وأنهت سعاد تعليمها عند الصف السادس فقط، ولم يكن السبب الفقر وحده، بل أيضاً نظرة اجتماعية جعلت تعليم الفتيات من عائلتها أمراً ثانوياً.

وتروي بأسى: “قالوا لي إن المدرسة لن تغير شيئاً في حياتي”، لكن التمييز لم يتوقف عند التعليم، فمع بلوغها سن المراهقة بدأت تواجه شكلاً آخر من الإقصاء، وهذه المرة في فرص الزواج والعمل.

تقول سعاد: “بعض الناس يرفضون الزواج من بنات المخيم، وحتى لو وافقوا يكون ذلك بشروط مهينة، وكأننا أقل قيمة”.

أما العمل فهو حلم آخر مؤجل، حاولت سعاد العمل في أحد المنازل القريبة من المخيم، لكنها تقول إن صاحبة المنزل رفضتها فور معرفتها بالمكان الذي تعيش فيه، وقالت لها: “أنتم ناس المخيم لا نعرف عنكم شيئاً”.

حتى في لحظات يُفترض أن تخف فيها المعاناة مثل توزيع المساعدات الإنسانية، تشعر سعاد أن التمييز لا يزال حاضراً، وتضيف: “أحياناً ننتظر لساعات طويلة، وفي النهاية لا نحصل على شيء ويقال لنا إن أسماءنا ليست في القوائم”.

طبقات متعددة من الإقصاء

قصة سعاد ليست حالة فردية، بل نموذج لما يسميه الباحثون بـ “التمييز المتقاطع”، حيث تتعرض بعض النساء لطبقات متعددة من الإقصاء في الوقت نفسه.

يوضح الدكتور ياسر الصلوي، أستاذ علم الاجتماع في جامعة تعز، أن النساء في المجتمعات الهشة قد يواجهن أكثر من شكل من أشكال التمييز في آن واحد.

ويقول إن هناك نوعاً من التهميش متعدد الأبعاد، حيث تتعرض المرأة للتمييز أولاً لأنها امرأة، وثانياً لأنها تنتمي إلى فئة اجتماعية مهمشة، وأحياناً لاعتبارات تتعلق باللون أو الأصل الاجتماعي.

ويضيف: “هذا التمييز متجذر في البنية الاجتماعية والثقافية للمجتمع، التي تضع المرأة في مكانة أدنى مقارنة بالرجال حتى داخل الفئات الاجتماعية المهمشة نفسها”.

ويرى الصلوي أن كسر هذا الإرث الاجتماعي يتطلب تنمية حقيقية على مستوى البلد، إلى جانب توسيع فرص التعليم والعمل أمام النساء، وتغيير الخطاب الثقافي والإعلامي والمناهج التعليمية.

الحميدي: هناك فجوتين أساسيتين؛ الأولى تشريعية لعدم وجود قوانين واضحة تعالج التمييز المتقاطع، والثانية تطبيقية نتيجة ضعف القضاء وغياب مؤسسات الدولة خلال سنوات الحرب.

فجوة التعليم بين الفئات المهمشة والنساء

تعكس المؤشرات التعليمية حجم التفاوت الذي تعيشه الفئات المهمشة في اليمن خاصة بين النساء والرجال، فوفق تقارير تعليمية وإنسانية فإن نسبة كبيرة من الأطفال في هذه المجتمعات لا يصلون إلى التعليم الأساسي أو يتسربون منه مبكراً.

وتشير بيانات من منظمة Save the Children إلى أن الأطفال المنتمين إلى الفئات المهمشة أكثر عرضة للتسرب من التعليم مقارنة بغيرهم، حيث يواجهون عقبات مرتبطة بالفقر والتمييز الاجتماعي.

كما تشير برامج تعليمية مدعومة من منظمة Education Out Loud إلى أن نسبة كبيرة من الفتيات في المجتمعات المهمشة لم يلتحقن بالمدرسة مطلقاً بسبب الفقر والعادات الاجتماعية وغياب الخدمات التعليمية في مناطق سكنهن.

أرقام تكشف حجم التهميش

لا توجد إحصائية رسمية دقيقة لعدد الفئات المهمشة في اليمن، لكن تقديرات بحثية تشير إلى أن عددهم قد يتراوح بين 500 ألف إلى أكثر من 3 ملايين شخص، يعيش كثير منهم في تجمعات سكنية فقيرة على أطراف المدن ويعملون في مهن هامشية غير مستقرة.

ووفق دراسة صادرة عن مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية، فإن هذه الفئات تعاني من مستويات مرتفعة من الفقر والإقصاء الاجتماعي، إلى جانب ضعف الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل التعليم والصحة.

كما تشير الدراسة إلى أن النساء المنتميات إلى هذه الفئات يواجهن أشكالاً مركبة من التمييز بسبب النوع الاجتماعي والأصل الاجتماعي والظروف الاقتصادية.

حماية قانونية على الورق

من الناحية القانونية يؤكد المحامي والناشط الحقوقي توفيق الحميدي، أن الإطار القانوني في اليمن ينص نظرياً على حماية الأفراد من التمييز.

ويقول إن الدستور اليمني يعد القانون الأعلى في البلاد، وقد نص بوضوح على مبدأ المساواة بين المواطنين وعدم التمييز بسبب الجنس أو الأصل أو اللون أو المعتقد.

كما أن اليمن طرف في عدد من الاتفاقيات الدولية، من بينها اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، إضافة إلى العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، لكن المشكلة بحسب الحميدي، تكمن في ضعف التطبيق بسبب ظروف الحرب وتفكك مؤسسات الدولة.

ويضيف الحميدي بأن هناك فجوتين أساسيتين؛ الأولى تشريعية لعدم وجود قوانين واضحة تعالج التمييز المتقاطع، والثانية تطبيقية نتيجة ضعف القضاء وغياب مؤسسات الدولة خلال سنوات الحرب.

ويشير إلى أن النساء المتضررات يمكنهن نظرياً اللجوء إلى القضاء أو الجهات المعنية بحماية الحقوق، لكن كثيراً منهن يعتمدن على منظمات المجتمع المدني لتوثيق الانتهاكات وتقديم الدعم القانوني.

كما يؤكد أن الحد من التمييز يتطلب سياسات شاملة، تشمل تعزيز التشريعات المناهضة للتمييز، وتحسين آليات توزيع المساعدات الإنسانية، ودعم برامج التمكين الاقتصادي للفئات الأكثر هشاشة.

حلم بسيط

وبين النصوص القانونية والواقع الاجتماعي تبقى حياة كثير من النساء في المخيمات عالقة بين الفقر والتمييز.

أما سعاد فلا تزال تحلم بتغيير بسيط في حياتها، تقول وهي تنظر إلى الطريق المؤدي إلى المدينة: “لا أريد الكثير، فقط أن يعاملونا مثل بقية الناس”.

مقالات اخرى