الصرع لدى النساء… وجعٌ خلف الأبواب المغلقة

شارك المقال

سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس 

في المرة الأولى التي سقطت فيها رحاب (30 عامًا) على أرض غرفة الجلوس، لم تكن تعرف ما الذي يحدث لجسدها. دقائق من الغياب، تشنجات، وصوت غريب يخرج منها دون إرادة. لكنها عندما فتحت عينيها، أدركت أن الخطر الحقيقي لم يكن في النوبة… بل فيما بعدها.

تقول رحاب لـ«نسوان فويس» “النوبة تخلص، لكن نظرة الناس ما تخلصش. أحس نفسي متهمة بحاجة أنا ما عملتها”.

مع الوقت، تحوّل جسد رحاب إلى مساحة خوف جماعي. لم يعد مسموحًا لها أن تنام وحدها أو تخرج دون مرافق. المرض الذي يفترض أن يُدار طبيًا، صار سببًا لعزلها اجتماعيًا. هنا، يبدأ الصرع بالخروج من كونه حالة صحية… إلى عقوبة غير معلنة.

بحسب منظمة الصحة العالمية يعاني نحو 50 مليون شخص حول العالم من الصرع 80% منهم يعيشون في دول منخفضة ومتوسطة الدخل ويمكن السيطرة على النوبات لدى 70% من المرضى باستخدام أدوية منتظمة ومنخفضة التكلفة

لم تكن قصة رحاب إلا فصلاً من رواية ألم تعيشها نساء كثيرات؛ ففي حديثها لـ نسوان فويس، تروي سيدة -فضلت عدم ذكر اسمها- كيف انهار ميثاق زواجها بلمحة بصر فور كشف إصابتها بالصرع. فبدلاً من السند، واجهت حكماً غيابياً وقاسياً من زوجها: “أنتِ مريضة، وطريقنا هنا ينتهي”، دون أدنى فرصة لنقاش طبي أو تفاهم إنساني.

في مجتمعات يختلط فيها الجهل الطبي بالموروث الشعبي، يُستخدم الصرع كتبرير للطلاق والعنف، وكأن المرض يسحب من المرأة أهليتها وحقها في الاستقرار الأسري.

بحسب منظمة الصحة العالمية يعاني نحو 50 مليون شخص حول العالم من الصرع 80% منهم يعيشون في دول منخفضة ومتوسطة الدخل ويمكن السيطرة على النوبات لدى 70% من المرضى باستخدام أدوية منتظمة ومنخفضة التكلفة

تصف دولة الصلوي، مسؤولة التخطيط في مركز حماية الأول لمرضى الصرع، واقع المصابين في تعز بأنه “تراجيديا مضاعفة”.

تقول في حديثها لمنصة نسوان فويس: “الدواء غير متوفر بشكل منتظم، والتشخيص محدود، والفقر يجبر العائلات تختار بين الأكل والعلاج”.

وتشير إلى نقص أجهزة تخطيط الدماغ (EEG) الأطباء المتخصصين برامج التوعية المجتمعية وتؤكد أن النساء هن الأكثر تضررًا بسبب الوصم الاجتماعي.

دولة الصلوي مسؤولة التخطيط في مركز حماية الأول لمرضى الصرع
دولة الصلوي مسؤولة التخطيط في مركز حماية الأول لمرضى الصرع

 

الطفولة تدفع الثمن

إذا كانت النساء يُعاقَبن اجتماعيًا، فإن الأطفال يُعاقَبون بصمت.إسلام عبد القوي تحكي قصة ابنتها “تغريد”، التي خرجت من المدرسة قبل أن تفهم معنى الحلم. 

تروي الأم لـ “نسوان فويس” فصول الحيرة التي بدأت بـشغبٍ طفولي غير معتاد، دفعها للبحث عن إجابة في عيادات الطب النفسي مع تصاعد حدة سلوك ابنتها. ومع تضارب التشخيصات وتغيير الأطباء، انتهى بها المطاف بعلاجٍ أثقل كاهل الطفلة بجسدٍ مجهد ورفضٍ تام للمدرسة، ما دفع الأم لاتخاذ قرارٍ اضطراري بوقف الدواء. 

لكن الأزمة انفجرت لحظة سقوط الطفلة مغشياً عليها في فنائها المدرسي، ليعود الأطباء بقرارٍ كان بمثابة حكم بالعزل: منعٌ من التعرض للشمس، وجلوسٌ قسري في البيت،ومنع احتكاكها مع الأطفال ليواري جدران المنزل أحلام الطفلة التعليمية خلف أبواب مغلقة.

المقطري: الصرع يُستخدم اجتماعيًا كذريعة لسلب المرأة حقوقها، سواء في الزواج أو التعليم أو حتى الحق في الوجود الآمن داخل الأسرة. المشكلة ليست في المرض، بل في النظرة التي تحوّله إلى وصمة

غياب التكييف، انعدام الإسعافات، وعدم تدريب الكادر التعليمي على التعامل مع نوبات الصرع، جعل المدرسة مكانًا خطرًا. هكذا، يُقصى الأطفال المصابون من التعليم لا بسبب المرض، بل بسبب بيئة غير قادرة على احتوائهم.

ترى الحقوقية وئام المقطري أن معاناة النساء المصابات بالصرع في اليمن لا تتوقف عند حدود المرض، بل تتضاعف بسبب التمييز الاجتماعي وغياب الحماية القانونية.

تقول المقطري لـ نسوان فويس: “الصرع يُستخدم اجتماعيًا كذريعة لسلب المرأة حقوقها، سواء في الزواج أو التعليم أو حتى الحق في الوجود الآمن داخل الأسرة. المشكلة ليست في المرض، بل في النظرة التي تحوّله إلى وصمة”.

وتؤكد أن ما تتعرض له المصابات بالصرع يُعد شكلًا من التمييز القائم على الحالة الصحية، وهو تمييز محظور وفق مبادئ حقوق الإنسان، حتى في غياب قوانين محلية واضحة.

وتضيف: حين تُجبر امرأة على الطلاق، أو تُعزل اجتماعيًا، أو تُحرم طفلة من التعليم بسبب الصرع، فنحن لا نتحدث عن أزمة صحية، بل عن انتهاك صريح لحقوق أساسية: الحق في الكرامة، والحياة الأسرية، والتعليم، والحماية من الإقصاء.

وتشير المقطري إلى أن غياب الوعي المجتمعي، إلى جانب ضعف دور المؤسسات الرسمية، يترك النساء المصابات بالصرع “في مواجهة مفتوحة مع العنف الرمزي والاجتماعي، دون أي مظلة حماية.

في تعز، لا تزال النساء يخضن معاركهن ضد جدار الجهل المجتمعي، الذي يرى في الجسد المنهك بالمرض جريمةً وذنباً تُدان عليه النساء، لتظل الوصمة هي الخطيئة التي يدفعن ثمنها.

 

مقالات اخرى