سميرة عبد اللطيف – نسوان فويس
في مدينةٍ تعجنها الحكايات وتثقل كاهلها التحديات، لم تكتفِ أحلام المقالح بمشاهدة التفاصيل تمر من أمامها؛ بل قررت أن تمسك بالمجهر وتسلط الضوء على المساحات المنسية. بالنسبة لأحلام، لم تكن الكتابة يوماً ترفاً، بل كانت مواجهة حتمية في بيئة ترى في قلم المرأة خروجًا عن المألوف.
من السخرية إلى حفلة التوقيع
تعرف أحلام نفسها بأنها صحفية وكاتبة، وهي أم لثلاثة إصدارات أدبية، تستعيد أحلام بداياتها التي لم تكن مفروشة بالورد، وتقول بلهجة تمتزج فيها المرارة بالفخر: “كثيرون حولي لم يؤمنوا بي، البعض كان يضحك بسخرية حين يسمع أنني أكتب كتابًا، لم يتوقعوا أن أنجز شيئًا حقيقيًا، لكن أحلام، التي بدأت علاقتها بالقلم منذ مقاعد الدراسة، اختارت الرد العملي؛ فلم يستيقظ المشككون إلا على دعوات حضور حفل توقيع إصدارها الأول “مرايا عمياء” في العام 2013.
لم تكن تلك مجرد صفحات مطبوعة، بل كانت نافذة أحلام الأولى لفهم العالم، وصوتها الذي انحاز منذ اللحظة الأولى للمرأة والمهمشين.
اليوم، تنضج تجربة أحلام أكثر وهي تترقب روايتها الجديدة “نبوءة السيليكون”، التي استطاعت رغم ضغوط الكتابة في المجال العلمي، أن تشق طريقها إلى القوائم القصيرة في المسابقات الأدبية، محققة انتصارًا شخصيًا جديدًا.
لا تنظر أحلام إلى أعمالها كنصوص فقط، بل كمساحة للغوص في تفاصيل الواقع، ونقل التجربة الإنسانية، خصوصًا تجربة المرأة اليمنية بكل ما تحمله من صبر وتحديات.
تقول: تجربة كتابة رواية في المجال العلمي لمسابقة حِزواي كانت بالنسبة لي “موقف مهم غيّرني من الداخل”.
ففي سباق مع الزمن دام يومين فقط، وتحت ضغط ذهني ونفسي كبيرين، استطاعت تطويع المصطلحات العلمية الجافة إلى نص أدبي متماسك، واصفةً لحظة فوز الرواية بعد تجاوزها القائمتين الطويلة والقصيرة بأنها كانت لحظة انتصار شخصي لا يُنسى.”
صمود في وجه التهميش
تجربة أحلام ليست معزولة عن واقع ثقافي يمني مرير. فأن تكوني كاتبة في اليمن، يعني أن تواجهي تحديات مركبة تبدأ من نظرة المجتمع القاصرة ولا تنتهي عند غياب دور النشر والدعم الحكومي. تقول أحلام
وفي هذا الواقع المر، تؤكد حنين الإغواني، رئيسة مؤسسة سطور الثقافية، أن ما تواجهه مبدعات مثل أحلام هو نتيجة طبيعية لغياب البناء المؤسسي.
وتقول الإغواني في حديثها لـ “نسوان فويس “: يعاني المشهد الثقافي من تهميش حاد؛ إذ يُنظر إليه كـ “ترف” مقارنة بمشاريع الإغاثة والصحة، رغم أن الثقافة هي الأداة الأقوى لتغيير الوعي المجتمعي تجاه قضايا حساسة مثل حمل السلاح والحقوق والحريات”.
وتضيف أن الفجوة بين الجنسين في الفضاء الثقافي لا تزال قائمة، حيث تعمل المؤسسات الثقافية بإمكانات شحيحة تتركهن في مواجهة مباشرة مع الصعوبات الأمنية والمادية التي تحد من وصول أصواتهن.
الرقمية كطوق نجاة
رغم هذه السوداوية، تطل بارقة أمل عبر الفضاء الرقمي، الذي استثمرته أحلام وزميلاتها لكسر الحواجز التقليدية. لقد منح الإنترنت للأقلام الشابة منصة للوصول إلى جمهور عابر للحدود، متجاوزين مقص الرقيب الاجتماعي وضيق الفرص المحلية.
لم تعد أحلام المقالح مجرد كاتبة تبحث عن بوح، بل أصبحت جزءً من حراك نسوي ثقافي يثبت يومًا بعد يوم أن الكلمة في اليمن، وإن حوصرت، فإنها تمتلك من القوة ما يكفي لإعادة تشكيل الهوية والمستقبل.
فالكتابة إحدى أهم أدوات التأثير الثقافي، إذ تسهم في نقل الأفكار، وتشكيل الذائقة العامة، وفتح مساحات للنقاش والتعبير، ما يجعلها جزءًا لا يتجزأ من أي مشروع يسعى لإحداث تغيير حقيقي في المجتمع.

