ريشة نادية المفلحي: حين يتجاوز الفن حدود اللوحة إلى وجدان المجتمع

شارك المقال

خديجة خالد – نسوان فويس

في بلد تتراجع فيه مساحات الفن أمام تحديات الواقع، تبرز مواهب شابة تصنع لنفسها طريقًا مختلفًا بالإصرار والشغف. من بين هذه التجارب، تلمع الفنانة التشكيلية نادية المفلحي التي استطاعت أن تحوّل موهبتها الفطرية إلى مشروع فني يحمل ملامح الإنسان اليمني وروح التراث، ويمنح الفن بُعدًا إنسانيًا يتجاوز الجمال إلى التأثير.

نسوان فويس تسلط الضوء على تجربتها، وأسلوبها الفني، ورسائلها، وحضورها في المشهد الثقافي والإنساني.

بدايات الموهبة يصقلها الميدان

بدأت رحلة نادية بمحاولات بسيطة، لكن الممارسة المستمرة كانت مدرستها الحقيقية. توضح المفلحي لـ “نسوان فويس” أن الفن بالنسبة لها وسيلة للتعبير عن مشاعر داخلية عميقة كالحب والحنين، مستلهمة موضوعاتها من قصص الناس؛ من تضحيات الشهداء إلى عاطفة الأمهات وذكريات المجتمع التي تشكل وجدان الهوية اليمنية.

الفن كرسالة

لا ينفصل البعد الجمالي في أعمال نادية عن التزامها الإنساني، حيث وظفت لوحاتها في مبادرات نوعية، لدعم عدد من الأطفال، إلى جانب مشاركاتها في دعم مرضى السرطان، وهو ما تعتبره من أهم إنجازاتها الإنسانية.

وكان أبرز هذه المبادرات المزادات العلنية لدعم الفئات الأكثر احتياجاً.

لوحة ملاذ لنادية المفلحي
لوحة ملاذ لنادية المفلحي

ويشير الناشط المجتمعي محمد باحميل في حديثه لـ “نسوان فويس” إلى أن نادية قدمت نموذجاً ملهماً عبر منصة “حمير”، حيث بيعت لوحة “ملاذ” بمبلغ 55,555 ريالاً سعودياً لصالح الأيتام في عدن، وهو ما يعتبره باحميل تلاقياً حقيقياً للفن مع القيم الإنسانية.

هذا الحضور الميداني أكدته أيضاً منى أحمد ناصر، مديرة مكتب الثقافة بالمنصورة، مشيرة إلى أن المفلحي كانت سباقة في توظيف فنها لدعم الأطفال ومرضى السرطان، لتجسد روح الفنان الذي يسهم في العطاء المجتمعي المستمر.

 الواقعية والتعبير
وفي موازاة هذا الحضور، تثير تجربة نادية نقاشًا فنيًا حول طبيعة أسلوبها، خاصة فيما يتعلق بمفهوم “الواقعية”.

ويرى الناقد الدكتور قائد غيلان أن توصيف بعض الأعمال المنقولة من الصور على أنها “واقعية” يمثل إشكالية فنية، موضحًا أن الواقعية كمدرسة لا تقوم على النقل الحرفي، بل على التعبير عن الواقع وتحولاته.

ويشير إلى أن الرسم المعتمد على الصور الفوتوغرافية لا يمكن اعتباره بالضرورة انتماءً للمدرسة الواقعية، ما لم يتجاوز حدود النسخ إلى تقديم رؤية فنية خاصة تعكس وعي الفنان وتجربته.

وعن مسيرتها الفنية، أشارت المفلحي إلى أنها بدأت بخطوات متواضعة، قبل أن تشارك في معارض جماعية وتُقيم أول معرض شخصي لها، لتتطور تجربتها تدريجيًا على مستوى الفكرة والأسلوب والرسالة، وتصبح أكثر وعيًا بدور الفن في التأثير المجتمعي.

وأكدت على أن طموحها في أن يترك فنها أثرًا حقيقيًا في حياة الناس، وأن تواصل تقديم أعمال تحمل رسالة إنسانية صادقة.

لوحة نادية المفلحي رسم بالقهوة
لوحة نادية المفلحي رسم بالقهوة

حين يحتضن الفن التراث والمرأة
في قراءة فنية لأعمالها، يبرز حضور المرأة والتراث المحلي كأحد أهم ملامح تجربة الفنانة نادية المفلحي، وهذا ما يوضحه الباحث في التراث اليمني، محمد سبأ بالقول بإن لوحات المفلحي تُظهر حضورًا لافتًا للمرأة والتراث المحلي، لاسيما التراث اليافعي، حيث تحرص في معظم أعمالها على تجسيد المرأة بالزي التقليدي لمناطق يافع، مع إبراز الهوية اليمنية والعربية في آنٍ واحد.

وأوضح في حديثه لـ “نسوان فويس”، أن أعمالها تتناول المرأة في مختلف مراحلها، من الفتاة الشابة إلى المرأة المسنة التي تعكس ملامحها تجاعيد الزمن، إلى جانب لوحات تحمل دلالات إنسانية وسياسية، مثل تناولها لشخصية الإعلامية الراحلة شيرين أبو عاقلة، بما يعكس انشغالها بقضايا المرأة في سياقات متعددة.

وأشار إلى أن تجربة نادية الفنية تميل إلى الانتصار لقضايا المرأة، حيث تُعد المرأة محورًا رئيسيًا في معظم لوحاتها، التي توظف من خلالها التراث والهوية للتعبير عن أبعاد إنسانية عميقة، كما يظهر ذلك في لوحات الفتيات بالأزياء التراثية اليمنية.

وأضاف أن أعمالها تتسم بتناسق لوني واضح، ووحدة في الموضوع، إلى جانب اهتمامها بتوزيع العناصر داخل اللوحة بشكل متوازن، ما يعكس وعيًا فنيًا متناميًا وقدرة على تقديم أعمال متماسكة بصريًا، متمنيًا لها مزيدًا من النجاح والتطور في مسيرتها الفنية.

النجاحات والحضور الإنساني
قال منظم معرض “ريشة نادية” صالح العمري لنسوان فويس؛ إن المعرض شكّل حدثًا فنيًا لافتًا في عدن، من حيث عدد اللوحات المعروضة وحجم الحضور والتغطية الإعلامية، إلى جانب المستوى الفني المتميز لأعمال الفنانة نادية المفلحي.

وأشار إلى أن المعرض شهد حضور شخصيات بارزة، من بينها وزير الشباب والرياضة نايف البكري ووزير الخدمة المدنية والتأمينات عبد الناصر الوالي، لافتًا إلى أن حضور الدكتورة نعمة صالح عوض كان من أبرز عوامل نجاح الفعالية نظرًا لدعمها المستمر للمواهب.

وأضاف أن الأجواء التنظيمية المميزة أسهمت في نجاح المعرض، الذي اعتبره محطة مهمة في مسيرة نادية وإبراز موهبتها أمام الجمهور والمهتمين بالفن التشكيلي.

لوحة بقلم فحم رسم نادية المفلحي
لوحة بقلم فحم رسم نادية المفلحي

وبين ريشة ترسم ملامح التراث وأخرى تلامس قضايا المجتمع، تبرز تجربة نادية المفلحي كنموذج لفنانة شابة استطاعت أن توظف الفن كوسيلة للتعبير عن الإنسان والهوية، وكجسرٍ للعطاء الإنساني.

تمضي المفلحي بثقة نحو ترسيخ حضورها في المشهد الفني، تاركةً أثرًا يتجاوز اللوحة إلى وجدان الناس، ومؤكدة أن الفن الحقيقي هو ذاك الذي يُشبه الحياة ويمنحها معنى.

مقالات اخرى