بشرى الغيلي – نسوان فويس
“نمتُ وعائلتي حولي، واستيقظتُ على فراغ يبتلعني”… هكذا تناقلت وسائل الإعلام ما قالته أم شيماء عن فاجعتها التي قلبت حياة وأسرتها رأساً على عقب في ليلة وضحاها، لتجد نفسها ضحية قاسية لتباين ثقافي في فهم واحترام قانون وطنهم الجديد.
في القضية التي تم تداولها على نطاق واسع، وكانت بمثابة صدمة لليمنيين والمتابعين عموماً بين مؤيد ومعارض للحكم الذي قضى بسجن الزوج 17 عاماً، وحبس الأبناء الذكور لمدة تقارب الثلاث السنوات، ودخول البنت تحت برنامج (حماية الشهود) مغيراً اسمها، لتحرم والدتها حتى من سماع صوتها، لتُترك وحيدة تصارع صدمة التشتت، ضعيفة وحيدة مع طفلين معاقين تعاني بلا أمل للحل في بلاد ليس فيها مجال العاطفة، أو استدرار روح القانون.
من عمق هذا الواقع التراجيدي، تسلط منصة “نسوان فويس” الضوء على هذه القصة ومن خلالها ننفد لمعاناة المغتربات اليمنيات، وكيف يدفعن وحدهن فاتورة الاصطدام المدمر بين تقاليد الأسرة وقوانين المهجر الصارمة.
انتقال المرأة اليمنية إلى الغرب ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو دخول في نظام قيمي مختلف تماماً من شأنه أن يوّلد صداماً حضارياً يتجلى في جوانب عدة، يبدأ هذا الصراع من مفهوم الأسرة وتسليم زمام القرارات للسلطة الأبوية
صراع يبدأ من البيت
يؤكد عبد الرحمن برمان، المدير التنفيذي للمركز الأمريكي للعدالة (ACJ) في حديث لـ ” نسوان فويس” أن انتقال المرأة اليمنية إلى الغرب ليس مجرد انتقال جغرافي، بل هو دخول في نظام قيمي مختلف تمامًا من شأنه أن يوّلد صدامًا حضاريًا يتجلى في جوانب عدة، يبدأ هذا الصراع من مفهوم الأسرة وتسليم زمام القرارات للسلطة الأبوية؛ ففي اليمن تتخذ القرارات بشكل جماعي بقيادة الأب، بينما يعتمد الغرب على الفردية والاستقلال التام للمرأة، مما يخلق لديها صراعًا داخليا بين طاعة العائلة وحقها القانوني في الاستقلال.
ويمتد التباين إلى الحرية الشخصية المقيدة بالدين والعادات في مجتمعها الأم، مقابل حرية غربية واسعة تضعها أمام خيار موازنة صعب بين التمسك بتربيتها أو التكيف مع محيطها الجديد.
إضافة إلى أن دور المرأة يتغير، الارتباط بالمنزل في اليمن، إلى أن تصبح عنصر أساسي وفاعل في سوق العمل الغربي، وهكذا يتأرجح وجودها بين شعور التمكين والاستقلال، وبين واقع الضغط الثقافي الذي يورثها شعوراً بالذنب عند مخالفة معتقداته، خاصة في حال تحملت مسؤولية إعالة نفسها أو عائلتها أحيانًا.
وفي هذا السياق المعقد في الغرب، يبرز التحدي الأكبر في القوانين الغربية الصارمة وغير القابلة للتفاوض، كقوانين العنف الأسري التي تجرم حتى التهديد اللفظي وتتدخل فيها الشرطة فورًا، فيما يُعتبر مجرد شأن عائلي يمنيًا، وهو ما قد يؤدي في بعض الأحيان لانقسامات حادة وتشتت في إطار الأسرة الواحدة.
يضاف إلى ذلك قضايا تربية الأطفال التي تعتمد غربيًا على مصلحة الطفل الصارمة وقد تنتهي بسحبه إلى دور الرعاية، مقارنة بخضوعها للأعراف والعادات والشريعة بالنسبة لليمن، فضلاً عن سهولة الإجراءات خاصة تلك المتعلقة بالطلاق في الغرب وسرعته مقابل حساسيته الاجتماعية وتعقيداته في الثقافة الاجتماعية اليمنية.
وقضية “شيماء” ماهي إلا نموذجاً لمعاناة الكثير من اليمنيات.
إذ بالرغم أن هجرتهن تمر بمراحل الصدمة، ثم التكيف، وصولاً إلى إعادة تشكيل الهوية، إلا أن كثيرًا من اليمنيات حققن نجاحات باهرة في المهجر على أصعدة مختلفة، محققات توازنًا استراتيجيًا بين الحفاظ على القيم، وتعلم القوانين، وبناء شبكات الدعم، وتنشئة الأبناء على هوية مزدوجة متوازنة.
بين عالمين
لم تكن أزمة شيماء وليدة لحظة عابرة، بل نتاجًا لواقع مزدوج تعيشه الكثير من المغتربات اليمنيات. ففي الداخل، جدران منزل محافظ يحرسه إرث صارم، وفي الخارج، مجتمع أمريكي واسع تحكمه قيم مختلفة.
وفي ظل غياب الوعي الكافي لخلق توازن ثقافي بين هذين العالمين، وجدت شيماء نفسها في حالة من الانقسام: ابنة صالحة تحفظ أجزاءً من القرآن في المنزل، وشابة تتشرب أفكار بلد المهجر في الأروقة العامة وفضاءات السوشيال ميديا، مما ضاعف من حالة الاغتراب بداخلها، لتظل عالقة بين هويتها اليمنية، وواقع قانوني تحتمي به لضمان مساحتها الشخصية.
في هذا السياق، يحذّر مذاب الشايف، عضو الجالية اليمنية في نيويورك، من الاصطدام غير الواعٍ الذي يوقع الكثير من الآباء في جرائم فيدرالية جسيمة تحت مسمى “التربية وتقويم السلوك”. ويقول الشايف في حديث لـ”نسوان فويس”: ” هناك انحرافًا مقلقًا في مفاهيم الزواج لدى البعض، حيث يتحول الارتباط إلى صفقات تجارية طمعًا في الجنسية الماديات، مع تجاهل تعسفي لرغبة الفتيات، مما يقود لنتائج مأساوية تُكشف بشفافية في الإعلام الأمريكي، بعكس ما يحدث في الداخل اليمني حيث تُطمس هذه الأمور بدافع العيب، والحفاظ على السمعة وشأن الأسر”.
اعتبرت وزارة العدل الأمريكية طلب والد شيماء لمبلغ 500,000 دولار لإتمام زواج ابنته ترتيباً مالياً مرتبطاً بالامتيازات وليس مهراً تقليدياً، وهو ما نقل القضية من إطارها العائلي إلى جناية تسليع وتزويج قسري
حين يتحول الخلاف إلى قضية فيدرالية
اتخذت قضية شيماء غانم منعطفًا دراميًا أواخر أكتوبر/تشرين ثاني 2021، حين سافرت الفتاة مع عائلتها إلى صنعاء عبر مصر.
وكان الخطأ الاستراتيجي للعائلة محاولة معالجة أزمة تقع على أراضٍ أمريكية بعقلية يمنية متخمة بقضايا القوامة الوصاية، حيث استُدرجت الفتاة وعُزلت لإعادة تشكيل قناعاتها، ظنًا من والد البنت أنها ستخضع لأوامره وهذا ما لم يحدث.
تصف الناشطة اليمنية والمقيمة في الولايات المتحدة، والمتزوجة من أجنبي “كفاء”، الإجراء بـ”الخيانة والغدر”، منتقدة في حديثها مع “نسوان فويس” ما اعتبرته غياب للّغة الحوار. وهنا تبرز إشكالية تقاطع التقاليد مع امتيازات الجواز الأمريكي؛ إذ اعتبرت وزارة العدل الأمريكية طلب الأب لمبلغ 500,000 دولار لإتمام زواج ابنته ترتيباً مالياً مرتبطاً بالامتيازات وليس مهراً تقليدياً، وهو ما نقل القضية من إطارها العائلي إلى جناية تسليع وتزويج قسري. ورغم أن الناشطة كفاء تدعو لنظرة واقعية تراعي تكاليف المعيشة وتعتبر المبلغ ذا وجاهة “إن تم برضا الفتاة”، فإن القانون الفيدرالي كان قد حسم أمره.
سقوط الدومينو
حين يغيب الحوار، تتحدث المحاكم. بدأت فصول الانهيار حين أدلى الشقيق “وليد” بمعلومات غير دقيقة لسلطات الحدود في ديسمبر/كانون أول 2022، مما استدعى تحقيقاً واسعاً لـ FBI. بعدها توالت المأساة بدءاً من اعتقال الأب والشقيق في نيويورك بتهم فيدرالية ثقيلة في فبراير/شباط 2023. وفي تصعيد مأساوي يعكس انهيار لغة العقل، وثّقت السلطات في 14 مارس/آذار 2023 قيام الأب بـتهديد ابنته بالقتل، وهي عبارات قد تُقال في بعض البيئات بوصفها جزءًا من خطاب الغضب، لكنها في السياق القانوني الأمريكي تُعامل كتهديد جنائي بالغ الخطورة، وهو ما نسف أي تعاطف قانوني محتمل.
وفي 6 أبريل/نيسان 2023، نفذت السلطات عملية استخباراتية لتحرير شيماء وتأمين إعادتها من اليمن كشاهد إثبات، قبل أن يُسدل القاضي الفيدرالي في 16 يناير/كانون ثاني 2026 الستار بحكم صادم بسجن الأب 17 عامًا، ليتحول شأن شيماء بعدها إلى برنامج حماية الشهود بهوية مستعارة، مقطوعة الجذور عن ماضيها.
الثمن الذي لا يظهر في العناوين
من وسط هذا الركام، تبرز مأساة “أم شيماء”، التي تقف وحيدة لإعالة طفلين من ذوي الاحتياجات الخاصة. وفي مناشدتها عبر وسائل الإعلام، نفت الأم بشدة اتهامات الإجبار، مؤكدة أن السفر كان لغرض زفاف أبنائها بشكل طبيعي.
وبحرقة الأمهات، روت تفاصيل حرمانها التام من ابنتها منذ توقيفها في المطار، واعتقال أبنائها وزوجها، لتضع قصتها المتلقي أمام مأساة مركبة للجهل بخطورة القوانين العابرة للحدود، مطلقة تحذيرًا شديد اللهجة للأهالي بضرورة اليقظة لتفادي دمار العائلات.
أرقام الشتات
قرابة 7 ملايين يمني ويمنية في دول العالم، وفقًا لمنظمة الهجرة الدولية، كتلة بشرية هائلة تمتد من دول الجوار كالسعودية ومصر، وصولًا إلى أمريكا وبريطانيا.
تمثل هذه الكتلة شريان حياة اقتصادي يُبقي الداخل المنهك على قيد الحياة، لكنها في جوهرها تخفي نزيفًا اجتماعيًا وثقافيًا باهظ الثمن.
وفي ظل هذا الواقع، يبقى السؤال معلقًا: هل عبر اليمنيون وتحديدا الإناث إلى بر الأمان فعلًا؟
أم أنهم استبدلوا أوجاع الداخل بقسوة صراع جديد… صراع الهوية والشتات؟

