صوناً للعفة والحفاظ على قيم المجتمع: نساء حضرموت في مواجهة غول الابتزاز الرقمي

شارك المقال

وردة عوض بلسود – نسوان فويس 

كانت الحياة في حضرموت، وفي مدينتي “الشحر” و”المكلا” على وجه الخصوص، تنساب كجريان الأودية بعد المطر؛ يغلفها بساطة العيش، وتقاليد راسخة تحفظ للبيوت أسرارها وللخدور حياءها. ومع بزوغ فجر الثورة الرقمية، اقتحم “الجوال” تلك البيوت، حاملاً معه آفاقاً معرفية اختصرت الوقت والجهد، بيد أن خلف هذا البريق التقني، كانت “خفافيش الظلام” تحيك سيناريوهات مدمرة، محولةً وسيلة التواصل إلى نصلٍ يطعن السكينة الاجتماعية فيما يُعرف بظاهرة الابتزاز الإلكتروني.

الجامعيات ضحايا أيضا

أغلب ضحايا ظاهرة الابتزاز في الشحر والمكلا هن البنات، والمفارقة الصادمة أنهن فتيات متعلمات وعلى قدر جيد من الوعي التقني، لكنه للأسف وقعن ضحية سهلة في شراك الابتزاز ربما غياب التوجيه الأسري الصحيح أو نتيجة رفقاء السوء.

في هذا السياق تتحدث المحامية علياء الحامد (محامية من اتحاد نساء اليمن بالمكلا) لـ “نسوان فويس “عن الابتزاز الإلكتروني، وعن وقوع بنات متعلمات في فخه بالقول: “للأسف، حتى الفتيات الجامعيات يتم استدراجهن، وسحبهن لهذا المنزلق؛ وهذا يعود لغياب الرقابة الأسرية والرفقة السيئة التي قد تدفع فتاة متعلمة لإرسال صور أو فيديوهات تخصها لشخص غير مأمون قد تكون تعرفت عليه عبر مواقع التواصل “.

وتتابع الحامد حديثها:” مع انتشار وسائل التواصل، وغياب الوعي، بالإضافة لتحين بعض الأشخاص الحقراء لهذه الهفوات التي يستغلونها أسوأ استغلال، بحيث يضعوا البنت وسمعتها على المحك وفي مرمى العار”.

مثلث نجاة محتمل

ومع تفاقم ظاهرة الابتزاز، هناك جهود تمضي في الظل لمواجهة هذا التحدي الذي يهدد كيان الأسرة اليمنية.

في حضرموت تعمل (وحدة مكافحة الابتزاز الإلكتروني) وفق بروتوكول إنساني صارم، يضع كرامة الضحية فوق كل اعتبار.

” يتم التعامل مع قضايا الابتزاز بسرية مطلقة عبر ترميز الأسماء تماما، إذ تتحول كل” تقول حنين سعيد، رئيس وحدة الابتزاز بالشحر سابقاً.

وأضافت سعيد:” القضايا التي تصلنا لا تقتصر على فتيات فقط، هناك شباب تعرضوا لتهديدات بأشكال وطرق مختلفة، من بينها ابتزاز هم بصور خاصة أو صور عوائلهم “.

وبخصوص آلية العمل وحدود تعاملهم، تقول سعيد:” في بعض الحالات يُستدعى المتهمين بأعمال ابتزازية للحضور للوحدة ولو كانوا من خارج المحافظة، كما حدث بالفعل مع مبتزين من عدن، تم مواجهتهم أمام الضحية”.

مؤكدةً حرص الشرطة على الحفاظ على الخصوصية: “جميع القضايا تنتهي في الأمن ولا تصل للقضاء لأخذ الحقوق أو معاقبة المبتزين، في إطار من السرية والحفاظ على الخصوصية “.

سرور: يتجلى التعاون المشترك بين أمن الشحر وبعض منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها اتحاد نساء اليمن في التنسيق والاستشارات، وتفويض فريق من المستشارات والمحاميات القانونيات، وتخصيص قسم للمرأة والطفل يُعنى بقضاياهم، وضمن هذا القسم اُستحدثت وحدة خاصة بالابتزاز الإلكتروني، كضرورة مُلحة نتيجة الأعداد الكبيرة لتزايد حالات الابتزاز، هذا النموذج يقابله نموذج مماثل في أمن المكلا

تشبيك لأجل النساء

هذا التشوه الدخيل على المجتمع اليمني، ركب الموجة الرقمية، منطلقاً بكبسة زر لكل بيت إن لم يكن لكل فرد، وكان لابد من تكاتف وتظافر جهود جهات عدة لنشر الوعي والتصدي له وواجهته، في هذا الصدد تؤكد الأستاذة طيبة سرور، مديرة الشرطة النسائية بأمن الشحر، وجود شراكة استراتيجية مع اتحاد نساء اليمن فرع حضرموت.

وأضافت سرور: ” يتجلى التعاون المشترك بين أمن الشحر وبعض منظمات المجتمع المدني، وعلى رأسها اتحاد نساء اليمن في التنسيق والاستشارات، وتفويض فريق من المستشارات والمحاميات القانونيات، وتخصيص قسم للمرأة والطفل يُعنى بقضاياهم، وضمن هذا القسم اُستحدثت وحدة خاصة بالابتزاز الإلكتروني، كضرورة مُلحة نتيجة الأعداد الكبيرة لحالات الابتزاز، هذا النموذج يقابله نموذج آخر في أمن المكلا”.

فريق دعم متكامل

ضمن مكونات اتحاد نساء اليمن هناك فريق” المساعدات القانونيات ” والذي يضم محاميات قانونيات، ومحاميات شعبيات، وأخصائيات اجتماعيات، ونساء مجتمعيات متطوعات لمواجهة الابتزاز بالتوازي مع قضايا العنف الأسري.

فريق المساعدات القانونيات يضم محاميات متخصصات أعضاء في الاتحاد، ومحاميات متطوعات من خارجه تم تدريبهن قانونياً، وأخصائيات مجتمعيات، فريق متكامل يضطلع بدور محوري في التوعية وحل القضايا المعقدة وحماية حقوق النساء قانونياً ومجتمعياً، ويقدم الدعم والمساندة للنساء في كل المواقع التي تستدعي تواجدهن فيها ” تقول الأستاذة سلمى الكثيري، رئيسة اتحاد نساء اليمن بساحل حضرموت.

وُلدت فكرة “المحاميات الشعبيات” بين عامي 2000 و2002، ليتحولن إلى “نواة” للتصدي للأزمات المستحدثة كالابتزاز الإلكتروني، وذلك ضمن مشروع الحماية القانونية الذي نفذه اتحاد نساء اليمن بدعم من منظمة “أوكسفام”. كانت الفكرة بسيطة في مظهرها، ثورية في جوهرها؛ حيث تم تدريب نساء قياديات من قلب المجتمع المحلي على قانون الأحوال الشخصية وآليات حل النزاعات

فكرة المحاميات الشعبيات

وُلدت فكرة “المحاميات الشعبيات” بين عامي 2000 و2002، ليتحولن إلى “نواة” للتصدي للأزمات المستحدثة كالابتزاز الإلكتروني، وذلك ضمن مشروع الحماية القانونية الذي نفذه اتحاد نساء اليمن بدعم من منظمة “أوكسفام”.

كانت الفكرة بسيطة في مظهرها، ثورية في جوهرها؛ حيث تم تدريب نساء قياديات من قلب المجتمع المحلي على قانون الأحوال الشخصية وآليات حل النزاعات، ليصبحن مشاريع صد، يقمنّ بأدوار دفاعية، ويحمين نساء حضرموت.

تقول الأستاذة فاطمة محمد مقبولة، رئيسة مؤسسة قطر الندى، وإحدى المحاميات الشعبيات البارزات في الشحر: “نعمل كشبكة مترابطة منتشرة في المدينة؛ نستقبل القضايا في مكتب المؤسسة، أو في اتحاد نساء اليمن، أو حتى في بيوتنا، لننصف النساء والفتيات اللواتي يقع عليهن الظلم”.

تتحرك المحاميات الشعبيات كحلقة وصل ميدانية لإصلاح ذات البين عبر الزيارات المنزلية أو مرافقة الضحية للأمن.

وفي القضايا المعقدة، يتم الاستعانة برئيسة الاتحاد وعاقل الحارة: “نعمل كحلقة مترابطة مع محامية الاتحاد لتوضيح الجوانب القانونية، ونبذل جهوداً مضنية لساعات طويلة تنتهي بسعادة غامرة عند حل المشكلة” تضيف قبوله.

وعلى الرغم من افتقار المحاميات الشعبيات لبطاقات تعريفية رسمية، إلا أنهن عُرفن بـمبادراتهن الإنسانية المساندة للضحايا، خاصة النساء منهم.

ولا يقتصر دورهن على الاستجابة، بل يمتد للتحري عن البيوت المشبوهة بالتنسيق مع الأمن، وتقديم النصح للقاطنين فيها. كما يمتد دورهن للقضاء، حيث يستعين القضاة بجهودهن أحياناً.

تروي قبوله قصصاً واقعية حول قضايا متصلة بالابتزاز الإلكتروني، منها تدخلها المباشر في قضية، كان فيها الشاب يراسل فتاة وذاع صيتهما، حيث واجهته وخيرته بين الزواج أو قطع العلاقة، وبالفعل انتهى الأمر بستر الفتاة وابتعاد الشاب.

كما يبرز دورهن في التشبيك مع مركز الدعم النفسي لمساعدة الفئات الأكثر هشاشة، مثل ذوي “متلازمة داون” الذين قد يتعرضون للعنف أو التحرش.

وفي إطار خلق توعية بخطورة الابتزاز، وسبل مواجهته أكدت رئيسة اتحاد نساء اليمن بالشحر، الأستاذة صالحة باقطيان تنفيذ محاضرات في مدينة الشحر وخارجها (في الحامي وقرية تبالة) حول الابتزاز الإلكتروني، بمشاركة المحامية حنين سعيد وبالتنسيق مع مركز الدعم النفسي.

الدعم والمساندة النفسية

يعمل مركز الدعم النفسي بالتشبيك مع اتحاد نساء اليمن على تقديم العلاج لتجاوز الصدمات ومنع حالات الانتحار.

حمدة باحميد، أخصائية نفسية بمركز الدعم النفسي بمستشفى الشحر، تتحدث عن الدور المحوري الذي يلعبه المركز، بالقول:” ساهم المركز بفاعلية في علاج عدد من الحالات خلال عام 2025، مما ساعد الضحايا على استعادة توازنهن وثقتهن أنفسهن”.

كما نُفذت عمليات توعية مكثفة ضد الابتزاز، العنف الأسري، والتحرش الجنسي بين عامي 2025 و2026.

تصور لتفكيك الظاهرة

ويرى أخصائيون أن من أسباب الوقوع في فخ الابتزاز، الفراغ العاطفي الذي يأتي أولاً، ثم يأتي الجهل التقني، وعدم تأمين الحسابات أو التعامل مع الروابط الملغومة ثانيا، إلى جانب سطوة ثقافة “العيب” السبب الذي يجعل المبتزين يراهنون على خوف الضحية من الفضيحة المجتمعية للتمادي طغيانهم، ثم يأتي دور رفقة السوء، العامل الذي يجر الشباب نحو القاع.

كما إن الاستسلام للمبتز بخطيئة تفوق خطأ الانسياق نفسه، لأن نتائجها تؤدي إلى تدمير أسر، كما حدث في قصص كثيرة انتهى بها المطاف للطلاق، أو الاستغلال ونهب الأموال مطلقة بعد نهب أمواله.

وفي حال تعرضت الفتيات للابتزاز ينصح خبراء تقنيون وقانونيون على المواجهة الحازمة: الاستجابة الأولى بـ “لا” حازمة هي أول خطوة لسحق العدو، والتوثيق: لا تمسحي الرسائل (وتوثيقها كدليل)، والحذر من الدفع للمبتز، وقطع التواصل فوراً. مشددين على أهمية الثقة الأسرية وبناء جسور الثقة لتكون الأم هي الملاذ الأول لابنتها، والتركيز على نشر الوعي التربوي والتقني، وإدراج مفاهيم “الأمن السيبراني” في المناهج التعليمية.

مقالات اخرى