كشك المعلا.. مساحة آمنة مجانية لمشاريع نسائية تشق طريقها للنور

شارك المقال

دولة الحصباني – نسوان فويس

في مدينةٍ تتآكل فيها المساحات العامة كما تتآكل فرص العمل، قد يبدو ظهور “كشك” صغير بمديرية المعلا في محافظة عدن حدثًا عابرًا للوهلة الأولى. غير أن هذا المشروع، الذي تقوده مجموعة من الشابات تحت إشراف السلطة المحلية، يقدّم نموذجًا مختلفًا عن قدرة مبادرة محدودة الموارد أن تعيد تعريف العلاقة بين العمل المنزلي والسوق.

اقتصاد منزلي بلا سوق

تم افتتاح الكشك منتصف فبراير، بوصفه فكرة بسيطة في ظاهرها، عميقة الأثر في واقع رائدات الأعمال وصاحبات المشاريع المنزلية؛ إذ جاء استجابة مباشرة لاحتياج حقيقي تعيشه هؤلاء النساء اللواتي يفتقدن لمساحة منظمة وآمنة لعرض منتجاتهن وإيصالها إلى السوق بثقة واحترافية.

تروي شيماء سالم، نائب الأمين العام لفريق فتيات المعلا، لـ “نسوان فويس” تفاصيل البدايات، مؤكدة أن الفكرة لم تكن وليدة تخطيط نظري بقدر ما كانت انعكاسًا لملاحظة ميدانية.

وتتابع سالم حديثها: “الفكرة انطلقت من حاجة حقيقية لاحظها فريق فتيات المعلا: رائدات الأعمال وصاحبات المشاريع الصغيرة، إذ كنّ يفتقدن لمساحة آمنة ومنظمة لعرض منتجاتهن، وكان كثير منهن يعملن من منازلهن ويواجهن صعوبات في التسويق، التخزين، العرض، أو حتى في التعامل مع الزبائن، لقد أردنا أن نمنحهن مكانًا مجانيًا، آمنًا، وذو جودة عالية، يسهّل عليهن إدارة أعمالهن ويعزز حضورهن في السوق”.

الكشك متاح لكل رائدة أعمال لديها منتجات جاهزة للتسليم، في المرحلة الأولى فتحنا استمارة إلكترونية لمدة 20 يومًا، واستقبلنا طلبات من نساء في مديرية المعلا وصلنا الى 40 رائدة أعمال، حيث أردنا أن نبدأ التجربة في نطاق محدود يسهل متابعته، إلى جانب ذلك تلقت المستفيدات تدريبًا في إدارة المشاريع الصغيرة، التسويق، والجودة، ليكنّ أكثر استعدادًا للاستفادة من الكشك

من العرض إلى التنظيم

لم يكن الكشك مجرد مساحة عرض تقليدية، بل بيئة عمل آمنة ومؤامة تحمي الرائدات ومنتجاتهن في آنٍ واحد: “اخترنا موقع الكشك داخل حديقة مغلقة ومؤّمنة بكاميرات وحراسة، ليكون بيئة آمنة من جميع الجوانب، كما وفرنا موظفة داخل الكشك لتسجيل العمليات وتنظيم التسليم بين الرائدات والزبائن، إضافة إلى أدوات للتغليف وإعادة الترتيب عند الحاجة. هذه المعايير تضمن أن المنتجات تصل بجودة عالية وتمنح الرائدات ثقة أكبر في عملهن” تقول سالم.

بهذه الرؤية، تحوّل الكشك إلى حلقة وصل بين نساء يعملن من داخل بيوتهن وسوق أكثر تنظيمًا واحترافية.

اختبار محدود للنموذج

وعن آلية الاستفادة من الكشك، تستطرد سالم: “الكشك متاح لكل رائدة أعمال لديها منتجات جاهزة للتسليم، في المرحلة الأولى فتحنا استمارة إلكترونية لمدة 20 يومًا، واستقبلنا طلبات من نساء في مديرية المعلا وصلنا الى 40 رائدة أعمال، حيث أردنا أن نبدأ التجربة في نطاق محدود يسهل متابعته، إلى جانب ذلك تلقت المستفيدات تدريبًا في إدارة المشاريع الصغيرة، التسويق، والجودة، ليكنّ أكثر استعدادًا للاستفادة من الكشك”.

ورغم ارتباط المشروع بالبيع والمنتجات، فإن فكرته الأساسية لم تقم على البيع المباشر، بل على تنظيم العلاقة بين الرائدات والزبائن عبر نقطة تسليم احترافية، توضح شيماء هذا الجانب بالقول: “الكشك ليس متجرًا للبيع المباشر، بل نقطة تسليم منظمة تربط الرائدات بالزبائن”.

مضيفةً: “هذا النموذج التسويقي، يرفع من مستوى الثقة ويعطي صورة أكثر احترافية مقارنة بالبيع الفردي أو العشوائي. إذ تمر أغلب المنتجات محلية الصنع مثل المأكولات المنزلية، التطريز، المباخر اليدوية، والإكسسوارات عبر الكشك، مما يعزز حضور الإنتاج المحلي”.

الشراكة كشرط للبقاء

لم يكن الطريق لتحقيق هذا المشروع سهلا، إذ واجه الفريق تحديات واقعية أبرزها التمويل وتأخر توريد بعض المواد، غير أن الشراكات لعبت دورا في تجاوزها: “واجهنا تحديات في التمويل، وتأخر توريد بعض المواد، لكننا تجاوزناها عبر الشراكات مع القطاع الخاص والحكومي، والدعم المباشر من السلطة المحلية. لقد فاستغرقت الفكرة سنتين حتى خرجت للنور، لكن الإصرار والدعم الذي تلقيناه جعلها واقعًا ملموسًا” تشرح شيماء كيف بدأ يقف هذا المشروع على قدميه.

وترى شيماء أن هذه الشراكات هي الضمان والركيزة الأساسية لنجاح المشروع وضمان استدامته: “السلطة المحلية كانت شريكًا أساسيًا، وفرت لنا الأرضية داخل الحديقة وسهلت التصاريح والإجراءات، وبالنسبة لنا نحن فريق متطوع يعمل تحت إشرافها، أما برنامج زمردة في بنك الكريمي فكان الممول والداعم الرئيس، إذ تابع معنا المشروع من الفكرة حتى التدشين، وما زال يساندنا في مرحلة الاستدامة، هذا التعاون بين القطاعين الحكومي والخاص كان مفتاح نجاح المبادرة “.

نتابع أثر الكشك عبر قاعدة بيانات المستفيدات، وعدد عمليات التسليم، وزيادة عدد الرائدات المشاركات، فالهدف مرتبط بزيادة دخل النساء ولو بشكل بسيط، ونقيس الاستدامة من خلال استمرارهن في استخدام الكشك وزيادة حجم أعمالهن

الاستدامة كسؤال مفتوح

يدرك فريق فتيات المعلا أن نجاح المشروع لا يقتصر على توفير الدعم فقط، بل يمتد للتقييم والمتابعة التي لا غنى عنها لأي مشروع. وحول آليات قياس الأثر والمتابعة، توضح شيماء: “نحن نتابع أثر الكشك عبر قاعدة بيانات المستفيدات، وعدد عمليات التسليم، وزيادة عدد الرائدات المشاركات، فالهدف مرتبط بزيادة دخل النساء ولو بشكل بسيط، ونقيس الاستدامة من خلال استمرارهن في استخدام الكشك وزيادة حجم أعمالهن”.

يتطلع فريق المبادرة إلى تطوير البنية التشغيلية للكشك وتوسيع التجربة إلى مناطق أخرى، وهو طموح عبرت عنه شيماء بالقول: “نسعى لتطوير الكشك بإضافة تجهيزات مثل ثلاجة، رفوف، وألواح شمسية لضمان استدامة المشروع، كما نطمح لتكرار التجربة في مديريات أخرى، بحيث تصبح هذه المساحات أنموذجًا يُحتذى به لدعم النساء في مختلف المناطق”.

وتختم شيماء حديثها لـ “نسوان فويس” موجهةً كلامها لرائدات الأعمال: “هذه المساحة خُلقت من أجلكن، وهي مجانية وآمنة، فاستفيدن منها بأقصى طاقاتكن، نؤمن أن النساء خير سند للنساء، وأن هذه الخطوة هي بداية لمسار أكبر نحو التمكين الاقتصادي والاجتماعي”.

يتجاوز مشروع الكشك كونه مجرد مبادرة خدمية عابرة إلى تجربة نسوية محلية نابعة من واقع الاحتياج تتحوّل تدريجياً إلى منصة ثقة بين النساء والسوق وتمهد الطريق إلى تمكين اقتصادي أوسع في حال وجدت الشراكات الداعمة.

مقالات اخرى