إكرام فرج – نسوان فويس
في قاعة بسيطة لا تتوفر فيها تجهيزات مسرحية متكاملة، يقف مجموعة من الشباب والفتيات على خشبة صغيرة، يحاولون عبر حوار وتمثيل متواضع الإمكانات أن يحكوا قصصهم وقصص مجتمعهم.
في بلد أنهكته الحرب لم يعد المسرح ترف ثقافي بقدر ما أصبح مساحة للتنفس والتعبير، ووسيلة مقاومة اجتماعية ونفسية في مواجهة الصمت.
بمناسبة اليوم العالمي للمسرح والذي يصادف اليوم السابع والعشرين من مارس، تعود الأسئلة حول واقع المسرح في اليمن، وكيف تحولت خشبته في بعض المبادرات المحلية إلى مساحة بديلة للشباب والنساء لطرح قضاياهم والتعبير عن تجاربهم رغم القيود الاجتماعية وغياب الدعم المؤسسي.
المسرح الشعبي يستمر بجهود متواضعة، إذ تعتمد بعض الفرق على إحياء حفلات الزفاف والفعاليات الصغيرة مقابل عائد مالي محدود لا يكفي لتطوير أعمال مسرحية مكتملة
واقع مسرحي هش
يمر المسرح المحلي في حضرموت بمرحلة من التراجع والضعف، في ظل غياب التأهيل المنهجي ونقص المساحات المجهزة للعروض المسرحية.
يقول الأديب والمهتم بالمسرح مبارك بن جوهر لمنصة “نسوان فويس”: إن المسرح في المحافظة يعاني من نقص البنية التحتية والبيئة الداعمة، موضحاً أن معظم القاعات المتوفرة ليست مهيأة أصلاً للعروض المسرحية.
ويضيف أن هذه المساحات غالباً ما تستخدم للفعاليات الخطابية أكثر من كونها مسارح حقيقية، إذ تفتقر إلى الكواليس الجانبية والخلفية، وإلى شبكات الإضاءة والصوت المناسب، فضلاًعن عدم توفر مقاسات ملائمة للخشبة أو التدرج الهندسي لمقاعد الجمهور، وهو ما يجعل تقديم عروض مسرحية متكاملة بالأمر الصعب.
ورغم هذه التحديات يشير بن جوهر إلى أن بعض المؤسسات الثقافية مثل مؤسسة حضرموت للثقافة، تحاول دعم النشاط المسرحي من خلال مشاريع وورش تسعى إلى إعادة إحياء هذا الفن في محافظة متعطشة لعودة المسرح على حد وصفه.

الحرب تضاعف التحديات
لم يكن تراجع المسرح في اليمن وليد اللحظة لكن الحرب زادت من تعقيد المشهد الثقافي، فقبل اندلاعها كانت هناك مشاركات واستضافات مسرحية عربية، إضافة إلى مهرجانات وطنية كانت توفر مساحة للتبادل الفني والتجارب المسرحية.
لكن مع استمرار الحرب وارتفاع تكاليف المعيشة، اضطر كثير من المشتغلين بالمسرح إلى التوقف عن العمل بسبب غياب العائد المادي، إذ يعتمد معظمهم على الشغف أكثر من كونه مصدر دخل، كما أصبح من الصعب استضافة خبراء أو عروض مسرحية من خارج البلاد بسبب الأوضاع الأمنية.
ويؤكد بن جوهر أن غياب الدعم الحكومي يُشكل أحد أبرز التحديات، موضحاً أن التمويل المتاح غالباً ما يأتي من مشاريع محدودة للمؤسسات الثقافية، في حين لا يوجد تدخل فعلي من الجهات الرسمية لدعم النشاط المسرحي، ويشير إلى أن صندوق دعم التراث، الذي كان من المفترض أن يساند الفعل الثقافي متوقف منذ سنوات.
أما المسرح الشعبي فيستمر بجهود متواضعة، إذ تعتمد بعض الفرق على إحياء حفلات الزفاف والفعاليات الصغيرة مقابل عائد مالي محدود لا يكفي لتطوير أعمال مسرحية مكتملة.
المسرح كمساحة مقاومة
ورغم كل هذه التحديات يرى مهتمون بالمسرح أن هذا الفن لم يكن يوماً ترفاّ ثقافياّ، بل أداة مقاومة إنسانية واجتماعية.
ويقول بن جوهر: المسرح في ذاته مقاومة فهو يقاوم القبح والحرب والتشويه، ويعمل على إبقاء الجمال في الحياة، ويرى أن تشجيع أي تجربة مسرحية حتى وإن كانت بسيطة من خلال الدعم المعنوي والحضور والنقد الإيجابي يمكن أن يسهم في ترسيخ حضور المسرح في المجتمع.
ويشبه المسرح بمشرط الجراح، القادر على الوصول إلى أعماق النفس البشرية والمجتمع، لمواجهة القضايا المسكوت عنها وكشفها بجرأة ووعي.
خشبة تمنح النساء صوتاً
بالنسبة للنساء يمثل المسرح مساحة نادرة للتعبير عن قضايا غالباً ما تبقى بعيدة عن النقاش العلن، وتقول زهرة عبده وهي ناشطة مسرحية في مدينة سيئون، إن رحلتها مع المسرح بدأت من خلال مشاركات بسيطة في أنشطة اتحاد نساء اليمن، قبل أن تتطور إلى عروض وورش مجتمعية.
لكن الطريق لم يكن سهلاً إذ واجهت تحفظات اجتماعية اعتبرت وجود المرأة على خشبة المسرح أمر غير مألوف، وتوضح أن الإصرار على الاستمرار كان مرتبط بقناعة بأن المسرح ليس مجرد ظهور أمام الجمهور، بل وسيلة لطرح قضايا المجتمع.
وتضيف بأن المسرح منحني مساحة آمنة وصوت واضح للتعبير عن قضايا مثل العنف الأسري والزواج المبكر وحرمان الفتيات من التعليم، وهي موضوعات قد لا تجد الجرأة نفسها في فضاءات أخرى.
وتشير إلى أن قضية الزواج المبكر كانت من أكثر القضايا التي لامست الجمهور، إذ شهدت العروض التي تناولتها تفاعلاً عاطفياً واضحاً عندما جسدت معاناة الطفلة على الخشبة بصدق إنساني.
قيود اجتماعية حاضرة
لكن مشاركة النساء في المسرح ما تزال محدودة نتيجة القيود الاجتماعية والثقافية، ويشير بن جوهر إلى أن بعض هذه القيود متجذرة في النظرة المجتمعية التي ترى ظهور المرأة على المسرح خصوصاً إذا تطلب الأمر كشف الوجه أمر غير مقبول في كثير من الأحيان، ويضيف أن قلة عدد الممثلات تشكل تحدي للمخرجين إذ تبقى المشاركة النسوية استثناءً أكثر منها قاعدة.
من جانبها، تؤكد زهرة أن الخوف من كلام الناس وضعف الدعم الأسري وغياب المساحات الثقافية الآمنة من أبرز العوائق التي تواجه النساء الراغبات في العمل المسرحي.
ومع ذلك ترى هي أن النظرة المجتمعية بدأت تتغير تدريجياً عندما يلمس الناس أثر العروض المسرحية في معالجة قضايا المجتمع.
إن ما يُعرف بالعلاج بالدراما أو المسرح العلاجي أصبح أسلوب يستخدم في علم النفس لمساعدة الأفراد على التعبير عن مشاعرهم وفهم تجاربهم بطريقة آمنة
المسرح كعلاج نفسي
لا يقتصر دور المسرح على التعبير الفني فحسب، بل يمتد في بعض التجارب إلى كونه وسيلة للتعافي النفسي، خاصة في المجتمعات التي تعيش ظروف الحرب والصدمات.
يؤكد الأخصائي والمعالج النفسي مرتضى النجاري في حديثه لمنصة “نسوان فويس”، أن ما يعرف بالعلاج بالدراما أو المسرح العلاجي أصبح أسلوب يستخدم في علم النفس لمساعدة الأفراد على التعبير عن مشاعرهم وفهم تجاربهم بطريقة آمنة.
ويعتمد هذا الأسلوب على تقنيات مثل التمثيل ولعب الأدوار والارتجال، إذ يسمح للشخص بإعادة تمثيل تجربة أو موقف مر به، ما يمنحه فرصة لرؤية ما حدث من زاوية مختلفة وكأنه يشاهد نفسه من الخارج.
ويضيف النجاري أن التعبير الفني سواء عبر المسرح أو الرسم أو الموسيقى، يساعد في تفريغ المشاعر المكبوتة وتقليل التوتر النفسي، كما يمنح الأفراد إحساس أكبر بالسيطرة على تجاربهم الصعبة.
المسرح التفاعلي للأطفال والنازحين
في البيئات المتأثرة بالحروب والنزوح برزت تجارب تعتمد على المسرح التفاعلي كوسيلة للتواصل مع الأطفال والشباب. ويشرح النجاري أن هذا النوع من المسرح يختلف عن المسرح التقليدي، إذ لا يكتفي الأطفال بالمشاهدة بل يشاركون في صنع القصة والتمثيل، ما يخلق بيئة آمنة للتعبير عن مشاعر الخوف أو الحزن التي قد يعجزون عن وصفها بالكلمات.
ويساعد العمل الجماعي في مثل هذه الأنشطة على تعزيز الشعور بالانتماء وإعادة بناء الثقة بالنفس، كما يتيح للأطفال تحويل تجاربهم الصعبة إلى قصص يمكن فهمها والتعامل معها بشكل أقل ألماً، يضيف النجاري.
مستقبل ينتظر الدعم
رغم التحديات التي يواجهها المسرح في اليمن، يرى العاملون في هذا المجال أن استمرار المبادرات الشبابية والأنشطة المجتمعية يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لإحياء هذا الفن.
وتأمل زهرة أن تصبح المرأة في المستقبل شريكة كاملة في صناعة المسرح، ليس فقط كممثلة بل أيضاً في الكتابة والإخراج وصناعة المحتوى المسرحي، بما يسهم في تقديم رؤى جديدة لقضايا المجتمع.
وتختتم رسالتها للفتيات بالقول: لا تخفنّ من التجربة فالمسرح ليس منصة عرض فقط بل منصة وعي وتغيير.
وفي بلد أنهكته الحرب قد تبدو خشبة المسرح صغيرة وهشة، لكنها بالنسبة لكثيرين ما تزال مساحة قادرة على كسر الصمت، وفتح نافذة للأمل والحوار.

