رصاصة في قلب التقاليد: هل يقبل الرجل اليمني تقاسم عبء منع الحمل؟

شارك المقال

خديجة خالد – نسوان فويس

لطالما ارتبطت الرجولة في الوجدان الشعبي بالخصوبة المطلقة، وبقيت مسؤولية تنظيم النسل حِكرًا على جسد المرأة، الذي يئن تحت وطأة الهرمونات والعمليات الجراحية. اليوم، تبرز وسيلة غير هرمونية لمنع الحمل لدى الرجال كـ “ثورة علمية” لا تختبر فقط كفاءة المختبرات، بل تختبر مدى استعداد المجتمع اليمني لتقاسم المسؤولية الإنجابية. فهل نحن أمام مجرد حقنة طبية جديدة، أم أمام فرصة تاريخية لإنصاف المرأة اليمنية وتخفيف أعباء الأمومة المنهكة في ظل الحرب والانهيار الصحي؟

الخلفية الطبية:

في خطوة قد تُنهي عقوداً من احتكار الوسائل الهرمونية الأنثوية، كشفت التجارب السريرية الأخيرة عن دواء واعد يحمل اسم (YCT-529) هذا الابتكار ليس مجرد “نسخة رجالية” من حبوب النساء، بل هو فلسفة طبية مختلفة تماماً؛ فهو مانع حمل غير هرموني. وفقا دراسة حديثة نشرتها مجلة nature

كيف يعمل؟

بدلاً من اللعب بمستويات الهرمونات مثل التستوستيرون التي قد تؤثر على الحالة المزاجية أو الرغبة الجنسية لدى الرجل، يعمل هذا الدواء كـ “حارس ذكي”. فهو يستهدف بروتيناً خاصاً يسمى (RAR-alpha) المسؤول عن معالجة فيتامين (أ) في الخصيتين، وهو العنصر الحيوي لإنتاج الحيوانات المنوية. بمعنى أخر فالعلاج يمنع تصنيع “الجنود” دون المساس بـ “المصنع” أو كفاءته الهرمونية.

نتائج مبشرة بالأرقام

وفقاً للمرحلة الأولى من الدراسة التي أجرتها شركة YourChoice Therapeutics في المملكة المتحدة، شارك 16 رجلاً في تجارب دقيقة أثبتت ما يلي:

لم تُسجل أي آثار جانبية خطيرة على المشاركين، حتى مع رفع الجرعات إلى (180 ملغ ) وهي الجرعة المتوقع طرحها تجارياً.

كما أظهرت التحاليل أن مستويات الدواء في الدم تنخفض ببطء، مما يعني أن الرجل قد لا يحتاج لأكثر من حبة واحدة يومياً لضمان الفعالية.

إلى جانب ذلك، اختبر الباحثون تناول الدواء بعد وجبة إفطار دسمة، ووجدوا أن امتصاص الجسم له يظل ممتازاً، مما يجعله وسيلة عملية تناسب نمط الحياة اليومي.

هل العائق طبي أم استثماري؟

ترى الدكتورة خديجة الحرازي، أخصائية النساء والولادة، أن تأخر ظهور حبوب الرجال ليس عجزاً علمياً بقدر ما هو انعكاس لمنظومة اقتصادية واجتماعية.

وتكشف الحرازي لـ “نسوان فويس” أن الشركات الدوائية العالمية ظلت لعقود تتجنب الاستثمار في هذا المجال؛ والسبب ببساطة هو “خوفها من ضعف الإقبال”. فالرجل، تاريخيًا لم يكن يرى نفسه معنيًا بتناول عقاقير لتنظيم النسل، مما جعل الاستثمار في أدوية النساء أكثر ربحية وضمانًا.

وتضيف الحرازي أن التحدي الحقيقي لهذا الابتكار في اليمن لن يكون في فاعليته الطبية فحسب، بل في بناء الثقة. فبينما اعتادت النساء على تحمل الآثار الجانبية، سيحتاج الرجل إلى طمأنة مضاعفة بأن هذه الوسيلة قابلة للعكس، أي أن الخصوبة تعود فور التوقف، وأنها لا تمس توازنه الهرموني أو قدرته الجسدية.

العدالة الجندرية

في ظل النقاش المتصاعد حول العدالة الجندرية في الصحة الإنجابية، أعاد الإعلان عن وسيلة غير هرمونية ومؤقتة لمنع الحمل لدى الرجال طرح سؤال تقاسم المسؤولية داخل الأسرة، في هذا الجانب ترى ليزا البدوي، رئيسة شبكة التضامن النسوي، أن هذا التطور الطبي هو انتصار متأخر لمفهوم العدالة الجندرية في الصحة الإنجابية. فلعقود طويلة، مالت كفة الأعباء الصحية والنفسية بشكل ظالم نحو المرأة، التي أُجبرت على التعامل مع “كيماء الموانع” وحدها، رغم أن قرار الإنجاب هو عقد مشترك بين طرفين.

وتؤكد البدوي لـ “نسوان فويس” أن توفر وسيلة غير هرمونية للرجال يفتح الباب لنقاش ضروري حول تقاسم المسؤولية.

وتضيف: هذه الوسيلة قد تمنح جسد المرأة اليمنية استراحة محارب، خاصة في ظل تدهور الخدمات الصحية وصعوبة الوصول للرعاية الطبية. لكنها تحذر في الوقت ذاته من أن النجاح التقني لا يكفي، إذ يتطلب الأمر حوارًا أُسريًا شجاعًا، وتوعية تكسر احتكار المرأة لمسؤولية النسل، وتضمن حقها في المعرفة والاختيار دون ضغوط.

القبول المجتمعي:

يرى الباحث الاجتماعي الدكتور صالح الباخشي أن المعضلة في اليمن ليست في تناول العقار بحد ذاته، بل في ثقافة الجسد. فالمجتمع اليمني، بطبيعته الذكورية التقليدية، لا يزال يربط بين الخصوبة المطلقة وبين مفهوم الرجولة.

ويوضح الباخشي لـ “نسوان فويس” أن أي تدخل طبي في جسد الرجل لتنظيم النسل يُفهم -خطأً- على أنه انتقاص من السيادة الجسدية، بينما يُنظر لجسد المرأة كساحة مفتوحة للاختبارات الهرمونية والتدخلات الطبية دون قلق.

ويضيف: نحن أمام موروث يحصر تنظيم الإنجاب في رحم المرأة، ويعتبر أي مشاركة من الرجل خروجًا عن المألوف قد يهدد صورته الاجتماعية.

أصوات الشارع:

هذا الانقسام الثقافي تجلى بوضوح في آراء المواطنين التي استطلعتها المنصة، حيث كشفت الردود عن هوة سحيقة في الوعي، إذ يرى محمد سالم أن الوقت قد حان ليتوقف الرجل عن دور المشاهد، ويقول: “من الإنصاف أن نتقاسم التعب. زوجاتنا يدفعن ثمناً غالياً من صحتهن ونفسيتهن، واستخدامنا لهذه الوسيلة هو أسمى أنواع المودة”.

وتشاركه هيفاء ناجي هذا الرأي، متسائلة باستنكار: لماذا تتحمل المرأة الضعيفة كل هذا الأذى بينما يمتنع الرجل القوي عن حبة دواء بسيطة؟

في المقابل، تبرز أصوات ترى في هذا العلم تهديدًا، إذ يرفض محمد صالح الفكرة جملة وتفصيلاً، معتبراً إياها غزوًا فكريًا يستهدف تقويض الأدوار الفطرية، بل ويذهب لأبعد من ذلك برؤية المرأة كأداة للإنجاب يمكن استبدالها إذا لم تلتزم.

أما سمر الواسي، فرغم كونها امرأة، إلا أنها تعكس تشرُّب الثقافة التقليدية برفضها للفكرة، معتبرة أن تنظيم النسل هو وظيفة أنثوية، لا يجب إقحام الرجال فيها.

هل نحن جاهزون للقرار المشترك؟

في النهاية، لا يقف هذا الابتكار عند حدود المختبرات والتجارب السريرية، بل يمتد أثره إلى أسئلة أعمق تتعلق بالعدالة والمسؤولية داخل الأسرة. فبين تطور علمي واعد،

وتحديات ثقافية راسخة، يبقى مستقبل وسائل منع الحمل للرجال مرهونًا بمدى قدرة المجتمعات على إعادة النظر في مفاهيمها حول الأدوار الجندرية.

وفي سياق كاليمن، حيث تتحمل النساء أعباء مضاعفة بفعل الحرب والهشاشة الصحية، قد يشكل هذا التطور فرصة لإعادة توزيع العبء الإنجابي بصورة أكثر إنصافًا، إذا ما رافقه وعي مجتمعي وحوار صريح يضع صحة الأسرة فوق الاعتبارات التقليدية.

مقالات اخرى